مواطنون لا سجناء

مواطنون لا سجناء
الثلاثاء 29 غشت 2023 - 05:26

إن مناقشة مسألة الاكتظاظ داخل السجون في بلادنا، تقتضي بالضرورة التفكير الجدي في أمر هذا الكم من السجينات والسجناء الذين تقودهم أقدارهم وأفعالهم إلى السجون. كيف أصبح عندنا هذا الكم من السجناء والسجينات؟ ما الذي حدث ويحدث حتى أصبحت سجون بلادنا لا تستوعب أعداد المواطنات والمواطنين الذين يتوافدون عليها لسبب من الأسباب؟ ولماذا يتحول كل هؤلاء إلى جانحين ثم إلى مجرمين؟ أين المؤسسات التربوية والاجتماعية والسياسية المعنية برعاية وتأطير وتحصين هؤلاء المواطنين حتى لا يتحولوا إلى سجناء؟

علينا أن نبحث عن الحلول في مظانها وأصولها. نعم، المقاربة الأمنية لها دورها، ولكنها لا يمكن أن تنوب عن الجميع، وإلا فكل السجون لن تكفينا، وحتى العقوبات البديلة، أو ما يسمى كذلك، لن يكون لها معنى، فالسجين يبقى سجينا، في الداخل كما الخارج، والأصل ألّا يكون المواطنون سجناء، وأن لا يحملوا هذه الصفة ابتداء.

إن المواطنات والمواطنين مبدئيا لا يصح أن يدخلوا السجن، ولا يليق أن يأتوا من الأفعال ما به يتحولون إلى خارجين عن القانون، وكل المؤسسات المعنية بهم، وبقضاياهم، تتحمل نصيبها من المسؤولية في حالة تحولهم إلى جانحين وخارجين عن القانون، بدءا بالأسرة، فالمدرسة، فالمسجد، فالحكومات المتعاقبة، فمؤسسات المجتمع المدني، بما فيها كل الجمعيات والأحزاب السياسية، وانتهاء بالمجتمع بما هو مؤسسة قائمة الذات، وواضح طبعا أن المقصود بهذا النقاش أساسا، هم سجناء الحق العام، والشباب منهم بخاصة، فماذا تقدم جل هذه المؤسسات، واحدة واحدة، لهؤلاء المواطنين والمواطنات عدا الكلام والوعود؟ ماذا تفعل من أجل حمايتهم من واقع المأساة؟ وماذا تقدم لهم حتى لا يتحولوا إلى خارجين عن القانون؟ وماذا ننتظر حين تتخلى الأسرة عن أدوارها التربوية والأخلاقية وتتحول المدرسة إلى بناية صماء تفرخ الأميين والعاطلين بشواهد وبلا شواهد؟ ماذا ننتظر حين يتخلى المسجد عن دوره الروحي والتفقيهي؟ وماذا ننتظر حين تتخلف الجمعيات والأحزاب عن أدوارها التوعوية والتأطيرية؟ وما العمل حين يفقد المجتمع قيمه التضامنية والناظمة؟ ما العمل حين يتحول المواطن إلى كائن أعزل يصارع طواحين الهواء وحده؟

الجهل والعطالة والمرض والحاجة، المؤكد أننا سنحصل على كائنات بشرية شوهاء، ينقصها معنى الانتماء إلى هذا الوطن، لأنها ببساطة تعيش بلا كرامة، وتفتقر إلى أبسط شروط الحياة العادية، وأقول العادية، ومع الأيام، وتوالي صروف الأيام، تتجه إلى تدبير حلولها بذواتها، وبما يشبه الانتقام من الجميع، حتى وهي لا تميز بين مستويات هذا الجميع، ولنا أن نتأمل في من يغادر السجن، ليعود إليه بعد ذلك بأيام قلائل، وكأن شيئا لم يكن.

إن التفكير في حلول لمعضلة الاكتظاظ داخل السجون، باقتراح بدائل أخرى، ليس إلا تدبيرا آنيا وسطحيا، نتائجه ستكون محدودة ما لم تتم مطارحة ومعالجة مسألة الخروج عن القانون في أصولها وجذورها وحقيقتها، وما لم يمكن المواطن العادي من شروط الحياة الكريمة، وما لم تقم المؤسسات المعنية بقضاياه بأدوارها ووظائفها المنوطة بها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Hassan
    الثلاثاء 29 غشت 2023 - 15:17

    الاكتضاض علامة مسجلة بالمغرب . اكتضاض في المدارس و الجامعات .في الأسواق و الساحات في الحكومة و البرلمان . التساع في الخاطر . فين ما تتحط يد بتحطو عشرة .

صوت وصورة
المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 18:00 2

المحافظة العقارية .. خدمات رقمية مبسطة

صوت وصورة
خصاص المرافق بسلا
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 17:06 1

خصاص المرافق بسلا

صوت وصورة
السفير اليمني والموقف المغربي
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 15:57

السفير اليمني والموقف المغربي

صوت وصورة
تعبئة دولية لتطوير السكك الحديدية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 13:00

تعبئة دولية لتطوير السكك الحديدية

صوت وصورة
المغاربة يترقبون الحلول
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 11:16 10

المغاربة يترقبون الحلول

صوت وصورة
تصوير الخيول في معرض الفرس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:24

تصوير الخيول في معرض الفرس