أم ولادة سلطة الناقد؟
كثيراً ما يُؤخذ على الناقد أنه يمارس نوعا من “قتل المؤلف”، وكأن فعل القراءة النقدية لا يكتفي بتفكيك النص، وإنما يسعى إلى انتزاعه من صاحبه، وتجريده من نيته الأولى، ومن سلطته على المعنى الذي أراد أن يمنحه لكتابته. غير أن هذه الصورة تختزل المسألة في بعدها الشخصي، بينما يتصل جوهرها بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة الخطاب النقدي نفسه، حول من أين يستمد شرعيته؟ وما الجهاز المفاهيمي الذي يتحرك داخله؟ وما المرجعيات الفكرية والإيديولوجية والمعرفية التي تحدد زاوية نظره إلى النص؟
إن نظرية “قتل المؤلف” هي بالأساس أقل ارتباطاً بالرغبة في إقصاء الشخص، وأكثر اتصالا بإعادة توزيع السلطة داخل العملية التأويلية. وهذا هو المعنى الذي جعل رولان بارت في نصه الشهير “موت المؤلف”، ينقل مركز الثقل من المؤلف إلى الكتابة، ومن النية الفردية إلى تعدد الدلالات التي ينتجها النص أثناء القراءة. فالنص في التصور البارتي، لا يبقى سجنا لإرادة صاحبه، لأن اللغة التي كُتب بها تسبقه، وتحمل تاريخا من الاستعمالات والإحالات والرموز والأصداء الثقافية التي لا يستطيع المؤلف امتلاكها بالكامل.
غير أن ميشيل فوكو سيعيد ترتيب السؤال بصورة أكثر تعقيدا حين يستبدل سؤال “من كتب؟” بسؤال “ما الذي يجعل مؤلفاً ما مؤلفاً؟”. فـ”وظيفة المؤلف” عنده ليست مجرد اسم يحيل إلى شخص، وإنما مبدأ لتنظيم الخطاب وآلية لتصنيف النصوص وضبط تداولها وإسناد المسؤولية إليها. بالتالي فالمؤلف لا يكون كائنا خارج الخطاب يمارس سيادته المطلقة عليه؛ إنه نفسه جزء من نظام خطابي ينتج موقعه ووظيفته وحدود حضوره.
وفق ذلك يمكن القول إن النقد لا يقتل المؤلف في مستواه الذاتي، وإنما يعيد تفكيك الامتياز الذي مُنح له داخل اقتصاد المعنى. فالناقد لا يواجه شخص المؤلف بقدر ما يواجه تلك السلطة التي تجعل من نية الكاتب مفتاحا وحيدا للنص، وتجعل من سيرته الذاتية أو تصريحاته أو مقاصده النهائية حكما مسبقا على إمكانات القراءة. إن انتقال النقد من سؤال “ماذا أراد المؤلف أن يقول؟” إلى سؤال “كيف ينتج النص معناه؟” هو في جوهره انتقال من سيادة القصد إلى دينامية الدلالة.
وعلى هذا المنوال تتقدم السياقات الدلالية للنصوص إلى واجهة العملية النقدية. فالنص لا يعيش في عزلة عن اللغة التي صاغته، ولا عن التاريخ الذي أفرزه، ولا عن البنية الاجتماعية والثقافية التي منحته شروط إمكانه. إنه يدخل منذ لحظة كتابته في شبكة من الخطابات والرموز والتوترات والقيم والتمثلات التي تتجاوز وعي صاحبه. ولذلك فإن “القتل” الذي يمارسه النقد، إن صح استخدام هذا التعبير، لا يقع على المؤلف كشخص، وإنما على الصورة الميتافيزيقية التي تجعل المؤلف مصدرا نهائيا للحقيقة النصية.
أستحضر هنا رأي لبول ريكور، الذي لم يتعامل مع المسافة بين النص ومؤلفه بوصفها موتا للمعنى، وإنما بوصفها شرطا لتحرير النص من القصد الأولي وإدخاله في إمكانات جديدة للفهم. فحين يتحول الكلام إلى كتابة، ينفصل بدرجة ما عن صاحبه، ويكتسب قدرة على مخاطبة قراء وأزمنة لم تكن حاضرة في لحظة إنتاجه. النص، بعد كتابته، يبدأ حياة أخرى لا يستطيع المؤلف أن يحتكر مسارها.
ولذلك فإن القراءة النقدية لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة نفسية للمؤلف، كما لا ينبغي أن ترتهن إلى مستوى السيرة الذاتية وحدها. حين يقرأ الناقد نصا أدبيا أو فكريا، فإن ما يستحق التفكيك ليس فقط “ذات الكاتب”، وإنما البنية التي يتكلم النص من داخلها (مفرداته، استعاراته، صمته)، ما يقوله وما يستبعده، علاقته بالسلطة، تمثيله للآخر، وتوزيعه للمرئي والمسكوت عنه. فيصبح النقد فعلا معرفيا يتجه إلى البنية الدلالية التي ينتج النص داخلها معناه، وليس إلى النوايا الباطنية لصاحبه.
وهذا ما يجعل المنهج النقدي أقرب إلى ما يسميه فوكو “أركيولوجيا الخطاب”، في البحث عن القواعد التي تسمح لقول ما أن يظهر في لحظة تاريخية محددة، وعن الشروط التي تجعل بعض العبارات قابلة للتداول بينما تجعل عبارات أخرى مستبعدة أو غير مرئية. وبذلك يتحول السؤال النقدي، حول قصدية المؤلف إلى تأويل النص وشبكة العلاقات التي جعلته قابلا للقول.
إن الفرق جوهري بين نقد المؤلف ونقد سلطة المؤلف. الأول قد ينزلق إلى الشخصنة، والثاني يفتح النص على فضاء معرفي أكثر اتساعا. الأول يبحث عن نوايا صاحبه، والثاني يفحص شروط إنتاج الدلالة. الأول قد يحوّل النقد إلى سيرة، والثاني يعيد النقد إلى وظيفته بوصفه تفكيراً في أنظمة المعنى.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول “موت المؤلف” إلى عقيدة نقدية مغلقة. فإقصاء المؤلف بصورة مطلقة قد ينتج وهماً معاكساً لوهم سلطته المطلقة. فهناك نصوص لا يمكن فهم بعض بنياتها من دون معرفة سياقات إنتاجها، وهناك كتابات تتأسس على التجربة الشخصية، وهناك أعمال يصبح فيها التاريخ والسيرة والسياسة جزءاً عضويا من بنائها الدلالي. لذلك فإن تجاوز المؤلف لا يعني محوه، كما أن استحضاره لا يعني إخضاع النص لإرادته. المسألة تتعلق بإعادة تحديد موقعه داخل شبكة أكثر اتساعاً من العلاقات.
فالكاتب يكتب، لكن اللغة تكتب معه؛ والوعي يقصد، لكن التاريخ يتدخل في القصد؛ والذات تتكلم، لكن خطابا اجتماعيا وثقافيا سابقا عليها يتكلم من خلالها أيضاً. ومن هنا فإن النص لا يمثل مجرد أثر لذات فردية، وإنما هو نقطة تقاطع بين مؤلف وتاريخ ولغة وذاكرة وسلطة وقارئ.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن النقد، حين “يقتل المؤلف”، يحرر النص في الوقت نفسه من موت آخر، هو موت المعنى الواحد. فالمؤلف الذي يحتكر الدلالة يحوّل النص إلى شهادة مغلقة على قصده، بينما يسمح انفتاح النص على التأويل بأن يصبح فضاءً تتقاطع داخله قراءات متعددة. ومن ثم فإن موت المؤلف في أقصى صوره النظرية، ليس موتا للكاتب، وإنما موت لفكرة أن المعنى يمكن أن يمتلكه شخص واحد امتلاكا نهائيا.
لهذا يفضل الباحثون وأهل الاختصاص تفكيك السلطة التي يمارسها الناقد حين يقرأ عوض فرضية قتله الغامض للمؤلف، بل وأي سلطة يحاول تفكيكها، وأي سلطة جديدة قد ينتجها هو نفسه؟ فالنقد ليس بريئا من السلطة، والناقد ليس خارج اللعبة التي يفكك قواعدها. إنه بدوره يتحرك داخل مرجعية نظرية وإيديولوجية وجمالية، ويختار ما يراه ويستبعد ما لا يراه، ويمنح بعض الدلالات شرعية الظهور ويؤجل دلالات أخرى. ولذلك فإن نقد النص يظل، في عمقه، نقداً لأدوات القراءة نفسها.
إن النقد بهذا المقتضى ممارسة مزدوجة، من حيث تفكيكه لسلطة النص من جهة، ومراجعةً لسلطة الناقد من جهة أخرى. وإذا كان بارت قد دفعنا إلى التفكير في موت المؤلف، فإن السؤال الذي يظل مفتوحا بعده هو من يراقب الناقد حين يعلن موت المؤلف؟ ومن أين يستمد هو نفسه حقه في إعادة توزيع المعنى؟
ربما تكمن قوة النقد في نهاية المطاف، في ألا يقتل أحداً؛ لا المؤلف ولا النص ولا حتى المعنى، وإنما في أن يكشف هشاشة كل سلطة تدّعي امتلاك المعنى النهائي. فالنص بمجرد أن يدخل فضاء القراءة، يغادر حصانة صاحبه، لكنه لا يدخل بالضرورة حصانة الناقد. وبين سلطة المؤلف وسلطة القارئ تتشكل منطقة ثالثة أكثر تعقيدا، إنها منطقة الدلالة نفسها، حيث لا يكون المعنى ملكا لأحد، وإنما حدثا يتجدد كلما دخل النص في مواجهة جديدة مع التاريخ واللغة والذاكرة والآخر.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.