موجة "الأغذية الخارقة" تجتاج العالم.. حقيقة صحية أم مجرد خدعة تسويقية؟

موجة "الأغذية الخارقة" تجتاج العالم.. حقيقة صحية أم مجرد خدعة تسويقية؟
صورة: و.م.ع
الأحد 15 مارس 2026 - 04:00

يُنفق المستهلكون حول العالم ما يقارب 190 مليار دولار سنوياً على ما يُعرف بـ”الأغذية الخارقة” (Superfoods)، وهي منتجات يُروَّج لها على أنها قادرة على تحسين الصحة والوقاية من الأمراض. غير أن خبراء التغذية يؤكدون أن هذا المصطلح لا يحمل أي تعريف علمي أو قانوني، وأن كثيراً من هذه المنتجات ليست بالضرورة أفضل من الأطعمة العادية المتوفرة في أي متجر، وفق ما ذكرته صحيفة “واشنطن بوست”.

تشمل قائمة الأغذية التي تُسوَّق باعتبارها “خارقة” مكونات مثل الكركم، وبذور الشيا، وبذور الكتان، والتوت الغوجي، والكِينوا، وشاي الماتشا، والآساي، إضافة إلى منتجات أخرى مثل حبوب الكاكاو أو حبوب اللقاح. وغالباً ما تُعرض هذه المنتجات بأسعار مرتفعة مقارنة بالأطعمة التقليدية، رغم أن قيمتها الغذائية قد لا تختلف كثيراً عن بدائل أرخص.

ويرى خبراء أن قصة “الأغذية الخارقة” بدأت أساساً من حملات تسويق ناجحة. ففي عام 1995، على سبيل المثال، لم يكن التوت الأزرق أكثر من فاكهة عادية، لكن بعد صدور دراسة حكومية أمريكية أشارت إلى ارتفاع محتواه من مضادات الأكسدة، أطلقت جمعية منتجي التوت حملة تسويقية واسعة، خاصة في اليابان، ما أدى إلى ارتفاع صادراته عشرة أضعاف خلال خمس سنوات فقط.

وسرعان ما عاد هذا الزخم التسويقي إلى الولايات المتحدة، ليصبح التوت الأزرق أحد أشهر “الأغذية الخارقة”. ومع مرور الوقت، توسعت القائمة بشكل كبير؛ فقد صنفت دراسة علمية عام 2023 أكثر من 136 نوعاً من الأغذية ضمن هذه الفئة، تشمل منتجات من مناطق مختلفة من العالم، مثل الكينوا من جبال الأنديز، والتيف من إثيوبيا، وبذور الشيا من أمريكا الوسطى، إلى جانب أطعمة مألوفة مثل السبانخ والسلمون.

لكن خبراء التغذية يؤكدون أن كلمة “سوبرفود” ليست مصطلحاً علمياً، إذ تقول ماريون نيستل، أستاذة التغذية في جامعة نيويورك، إن المصطلح “مجرد تعبير تسويقي لا يحمل أي معنى غذائي دقيق”، مضيفة أن جميع الفواكه والخضروات تحتوي بطبيعتها على الفيتامينات والمعادن والألياف ومركبات نباتية مفيدة للصحة، ما يجعل معظمها مفيداً بطرق مختلفة.

ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” إشارة بعض الباحثين إلى أن الموز قد يكون أول “غذاء خارق” في التاريخ الحديث. ففي أوائل القرن العشرين، روّجت شركة “United Fruit” له باعتباره طعاماً صحياً يعالج أمراضاً مختلفة، من بينها السكري ومرض السيلياك، رغم أن هذه الادعاءات لم تثبت علمياً.

كما تلعب العوامل الثقافية والتجارية دوراً في تحديد ما يعتبر “غذاءً خارقاً”. ففي الصين، مثلاً، يُعد الجوز غذاءً مهماً لصحة الدماغ، بينما يشتري المستهلكون في الغرب توت الغوجي بأسعار مرتفعة رغم أنه مكون عادي في المطبخ الصيني.

ولا ينكر العلماء أن كثيراً من هذه الأطعمة مفيد للصحة؛ فالكركم يحتوي على مضادات أكسدة قوية، كما أن مرق العظام أو بعض أنواع الفطر تحتوي على عناصر غذائية مفيدة. لكن المشكلة تكمن في الاعتقاد بأن تناول نوع واحد من هذه الأطعمة يمكن أن يحدث تحولاً كبيراً في الصحة.

ويقول الطبيب والباحث ديفيد كاتز، مدير مركز أبحاث الوقاية في جامعة ييل، إن فكرة “الغذاء المعجزة” تعكس رغبة الناس في إيجاد حلول سريعة لمشاكل صحية معقدة، مضيفاً أن الفوائد الصحية الحقيقية تعتمد على النظام الغذائي الكامل وليس على عنصر واحد.

وقد مرت موجة “الأغذية الخارقة” بعدة مراحل. ففي بداية الألفية الجديدة، ظهرت منتجات مستوردة من ثقافات مختلفة مثل الشيا والآساي والغوجي، ثم جاءت مرحلة “الأطعمة الوظيفية” مثل قهوة الفطر ومشروبات الكومبوتشا والمرق العظمي. أما المرحلة الأحدث فتعتمد على خلط عشرات المكونات في منتج واحد، مثل مساحيق “الخضراء” أو المكملات الغذائية التي تجمع عشرات العناصر في مسحوق واحد.

غير أن كثيراً من الادعاءات الصحية لهذه المنتجات يصعب إثباتها علمياً. فمثلاً، كان يُعتقد سابقاً أن ارتفاع مستويات مضادات الأكسدة في بعض الأطعمة، مثل التوت الأزرق، يعني بالضرورة فوائد صحية كبيرة. لكن وزارة الزراعة الأمريكية ألغت في عام 2012 مؤشراً كان يقيس قدرة الأطعمة على مكافحة الجذور الحرة، بعد أن تبين أن نتائجه استُخدمت بشكل مضلل في تسويق المنتجات الغذائية.

ويرى خبراء أن النصيحة الأكثر واقعية للصحة ليست البحث عن أغذية خارقة باهظة الثمن، بل تناول مجموعة متنوعة من الأطعمة الطبيعية. فالتغذية المتوازنة التي تعتمد على الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والبقوليات يمكن أن توفر العناصر الغذائية نفسها الموجودة في المنتجات التي تُسوَّق باعتبارها “سوبرفود”.

كما يمكن العثور على بدائل أرخص وأكثر توفراً. فالجوز، على سبيل المثال، يحتوي على أحماض “أوميغا-3” النباتية المفيدة لصحة الدماغ، لكن يمكن الحصول على الكمية نفسها تقريباً من بذور الكتان المطحونة بتكلفة أقل بكثير.

وتؤكد أخصائية التغذية في مايو كلينك، تارا شميت، إن كثيراً من الناس لا يستطيعون تحمل أسعار بعض هذه المنتجات مثل زيت الزيتون البكر الممتاز أو بذور الشيا أو التوت خارج موسمه. لذلك، ترى أن من الأفضل اعتبار جميع الفواكه والخضروات أغذية مفيدة بدلاً من التركيز على قائمة محدودة من المنتجات “العصرية”.

في النهاية، يختصر خبراء التغذية أفضل نصيحة غذائية في كلمات بسيطة. فكما كتب الباحث الأمريكي مايكل بولان: “تناول الطعام، ولكن باعتدال، واجعل معظم غذائك من النباتات”. ويؤكد الخبراء أن هذه القاعدة البسيطة قد لا تكون مثيرة مثل وعود “الأغذية الخارقة”، لكنها تبقى الطريقة الأكثر فعالية وصحة للحفاظ على نمط غذائي متوازن.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • عبدو من الرباط
    الأحد 15 مارس 2026 - 04:47

    ملاحظة في أسماء الباحثين الذين جائت أسمائهم في هذا التقرير كلها أمريكية أو أروبية لترسيخ فكرة وعقدة “البراني”سبحان الله أين هم الباحثين المغاربة من هذه الأبحاث وهم كثر لنفهم أننا أمام عقدة مزمنة

  • بنعيسي
    الأحد 15 مارس 2026 - 05:38

    التلاعب بعقول الناس
    كبرنا بالخبز واتاي مكان لمرض ولا سكر ولا طنصيو الحمد لله.

  • ندير فرانكفورت
    الأحد 15 مارس 2026 - 11:10

    زيت العود و الزيتون البلدي مع شي براد ديال اتاي و خبزة سخونة ،والله م تلقا بحالها، mega super food

  • الراكون
    الأحد 15 مارس 2026 - 14:51

    لا بأس في تناول هذا النوع من الأطعمة باعتدال من باب التنويع لأن التغذية يجب أن تكون متنوعة. كما يمكن الإستغناء عنها إذا تم استهلاك الأطعمة النباتية العادية مع احترام قاعدتي التنوع والإعتدال. أما الأطعمة الحيوانية والدهنية والنشوية فتستهلك بكمية قليلة جدا.

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 6

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 11

سعر الدجاج بـ24 درهما