ميزانيات الجماعات تستنفر الداخلية .. ترشيد للنفقات ومطاردة للديون

ميزانيات الجماعات تستنفر الداخلية .. ترشيد للنفقات ومطاردة للديون
صورة: و.م.ع
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 14:00

رسمت وزارة الداخلية معالم تدبير مالي أكثر صرامة للجماعات الترابية خلال السنة المقبلة، من خلال حزمة توجيهات جمعت بين شد الحزام على نفقات التسيير وتسريع تحصيل المداخيل والديون المتراكمة، وضبط الحسابات الخصوصية، وإعادة ترتيب أولويات الاستثمار، بالتوازي مع تثمين الممتلكات الجماعية وتحسين مردوديتها.

ووجّه عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، دورية إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم بشأن إعداد وتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية برسم سنة 2027، واضعا المسؤولين الترابيين أمام مسؤولية مواكبة المجالس المنتخبة في إعداد ميزانيات واقعية ومتوازنة، في سياق يتزامن مع استحقاقات انتخابية مرتقبة ومواصلة أوراش تنموية واستثمارات محلية تتطلب تعبئة موارد مالية مهمة.

وأظهرت مضامين الدورية، التي اطلعت عليها هسبريس، توجها واضحا نحو تقليص هامش النفقات غير الضرورية وإعادة توجيه الاعتمادات إلى الأولويات والخدمات الأساسية، مع التشديد على عقلنة مصاريف التسيير والتحكم في استهلاك الماء والكهرباء والوقود ونفقات التنقل والاتصالات والاستقبال والإيواء، فضلا عن ترشيد استعمال سيارات المصلحة وربط الدعم الموجه إلى الجمعيات ببرامج وأهداف قابلة للتقييم.

وفي المقابل وضعت الداخلية تعبئة الموارد الذاتية في قلب “خارطة الطريق المالية الجديدة”، إذ شددت على توسيع الوعاء الجبائي وتحيين المعطيات المتعلقة بالملزمين، وعدم تضخيم توقعات المداخيل، مع تعبئة المصالح المكلفة بالاستخلاص لتصفية الديون المستحقة للجماعات. كما امتدت التعليمات إلى الحسابات الخصوصية والممتلكات الجماعية، باعتبارهما مجالين يمكن أن يؤثرا مباشرة في سلامة التوازنات المالية ونجاعة استغلال الموارد المحلية.

تحصيل جبري ومطاردة للديون

وخصت دورية لفتيت ملف المداخيل باهتمام لافت، بعدما دعت الجماعات الترابية إلى إعداد برامج لتحسين مواردها الذاتية، بناء على الإمكانات الحقيقية المتاحة، مع تجنب إدراج تقديرات يصعب تحصيلها فعليا. ويستهدف هذا التوجه تقليص الفجوة بين المداخيل المتوقعة وتلك المحصلة في نهاية السنة المالية، بما يحد من الضغوط التي يمكن أن تنتج عن برمجة نفقات على أساس موارد غير مضمونة.

ووجهت الداخلية إلى إيلاء عناية خاصة لتحصيل الديون المستحقة لفائدة الجماعات، من خلال تسريع الإجراءات القانونية المتعلقة بالاستخلاص وتعبئة مختلف المصالح المعنية، مع تفعيل آليات التحصيل الجبري عند الاقتضاء، وعدم الاكتفاء بإعادة ترحيل الباقي استخلاصه من سنة مالية إلى أخرى.

وشملت هذه المقاربة تحسين التنسيق بين المصالح الجبائية والمالية للجماعات والمتدخلين في عمليات التحصيل، وتحيين قواعد البيانات الخاصة بالملزمين، وضبط المبالغ المستحقة، بما يسمح بتحديد الديون القابلة فعليا للتحصيل واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها. كما شددت الدورية على أهمية توفير الوسائل الضرورية للمصالح المكلفة بهذه المهمة، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه المداخيل الذاتية في تخفيف الضغط عن الميزانيات المحلية.

وموازاة مع الضغط على التحصيل طالبت وزارة الداخلية الجماعات بإحكام توقعاتها المالية وعدم المبالغة في تقدير الموارد المنتظرة، حتى لا تتحول أرقام المداخيل المدرجة في الميزانية إلى موارد افتراضية تقابلها التزامات ونفقات فعلية، بما قد يؤدي إلى صعوبات في تنفيذ البرامج وتسديد المستحقات.

أما في جانب المصاريف فامتدت تعليمات الاقتصاد إلى مجموعة واسعة من بنود التسيير، إذ دعت إلى التحكم في استهلاك الماء والكهرباء، ومعالجة التسربات، وترشيد الإنارة العمومية والتوسع في استخدام التجهيزات المقتصدة للطاقة، بما فيها مصابيح “LED”، فضلا عن مراجعة نفقات الاتصالات والهاتف والإنترنت ومصاريف التنقل والوقود.

وشملت “خارطة التقشف” أيضا مصاريف الاستقبال والإيواء والإطعام والحفلات والندوات والهدايا والإشهار، إلى جانب ضبط استعمال سيارات المصلحة، مقابل حماية الاعتمادات المخصصة للنفقات الإجبارية والضرورية لاستمرارية المرافق والخدمات العمومية المحلية.

حسابات خصوصية تحت المجهر

انتقلت توجيهات وزارة الداخلية إلى الحسابات الخصوصية للجماعات الترابية، إذ طالبت بتشديد مراقبة استعمالها، بالنظر إلى طبيعتها باعتبارها آلية لتتبع عمليات مالية مخصوصة لا يمكن، بحكم طبيعتها أو ارتباطها، إدراجها بصورة ملائمة ضمن أبواب الميزانية العامة.

وشددت الدورية على ضرورة إخضاع برامج استعمال الحسابات المرصودة لأمور خصوصية لمزيد من الضبط، وضمان ارتباطها بالأغراض التي أحدثت من أجلها، مع الحرص على احترام برامج الاستعمال والتوازن بين المداخيل والنفقات؛ كما دعت إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن الحسابات التي لم تعد تؤدي الغرض الذي أحدثت من أجله.

وذهبت التعليمات إلى ضرورة تصفية الحسابات الخصوصية المجمدة، إذ دعت الجماعات إلى حصر وضعيتها المالية وتسوية العمليات العالقة المرتبطة بها، وإقفال الحسابات التي استنفدت أغراضها أو لم تعد تستجيب للمبررات التي أفضت إلى إحداثها، تفاديا لاستمرار أرصدة أو عمليات معلقة خارج المسار العادي لتنفيذ الميزانية.

وتعكس هذه الإجراءات توجها نحو تقليص جيوب الاعتمادات غير المستعملة داخل الحسابات الخصوصية، ورفع مستوى الشفافية بشأن مواردها ونفقاتها، بما يتيح رؤية أكثر دقة للوضعية المالية الحقيقية للجماعات عند إعداد الميزانيات وتنفيذها.

وفي جانب الاستثمار دعت الداخلية إلى عدم تشتيت الموارد بين مشاريع كثيرة، وإعطاء الأولوية للعمليات الجاهزة للتنفيذ وتلك المرتبطة مباشرة بحاجيات السكان، مع تسريع المشاريع موضوع الاتفاقيات وتسوية المساهمات المالية المترتبة عليها، وتفادي إطلاق أوراش جديدة دون تأمين التمويل الضروري لإنجازها.

الممتلكات.. البحث عن موارد ضائعة

فتحت الدورية، في محور آخر، ملف الممتلكات الجماعية، بعدما اعتبرت تحسين تدبيرها وتثمينها رافعة لتعزيز الموارد الذاتية، ووجهت في هذا الصدد إلى ضبط الرصيد العقاري والمنقول للجماعات وتحيين المعطيات المتعلقة به، وتسريع تسوية الوضعيات القانونية والإدارية للعقارات.

وتضمنت التعليمات دعوة صريحة إلى إحداث سجل محين للممتلكات، مع اعتماد الرقمنة في توثيق البيانات والوثائق المرتبطة بها، بما يسمح بتحديد طبيعة الأصول ومواقعها ووضعياتها القانونية وطرق استغلالها، ويحد من مخاطر ضعف التتبع أو استمرار ممتلكات خارج دوائر الاستثمار والتثمين.

وطالبت الداخلية كذلك بمراجعة طرق استغلال الممتلكات الجماعية، خصوصا تلك التي يمكن أن توفر مداخيل إضافية، والعمل على تحسين مردوديتها وتحصيل المستحقات الناتجة عنها، مع الحرص على احترام القواعد القانونية والتنظيمية المؤطرة لعمليات الاستغلال والتفويت والكراء.

ويأتي التشديد على الممتلكات في سياق سعي الداخلية إلى دفع الجماعات نحو البحث عن هوامش تمويل داخلية بدل الاعتماد حصرا على التحويلات والموارد التقليدية، خصوصا أن أصولا عقارية ومنقولة يمكن أن تشكل موردا ماليا مهما متى جرى ضبطها قانونيا وتثمينها واستغلالها وفق قواعد الحكامة.

كما ربطت الدورية تحسين الوضعية المالية للجماعات بجودة التخطيط، داعية إلى تسريع إعداد وتحيين المخططات المديرية ذات الصلة بتدبير الممتلكات، والاستعانة عند الاقتضاء بالخبرات الضرورية، إلى جانب اعتماد أدوات حديثة للمراقبة والتتبع وتوفير رؤية دقيقة بشأن الأصول المتاحة وكيفية استغلالها.

وجمعت تعليمات ميزانيات 2027 بين الضغط على جانبي المعادلة المالية؛ فمن جهة طالبت الجماعات بمطاردة الديون وتحريك التحصيل الجبري وتثمين الممتلكات وتنظيف الحسابات الخصوصية، ومن جهة ثانية فرضت عليها كبح نفقات التسيير وانتقاء المشاريع الاستثمارية، في مسعى إلى تأمين استمرارية الخدمات المحلية وتوفير هوامش مالية أكبر لتمويل الأولويات خلال سنة تتزامن مع استحقاقات انتخابية جديدة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • مغترب
    الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 14:14

    ياك العامل هو من يؤشر ودوره المراقبة وليس الجلوس فالمكاتب الفارهة
    يجب ان تتحرك سلطة المراقبة وتقوم بدورها فالمنتخب والله مكيطلع النفس الا كان عامل فالمستوى كان العامل فاسد فانتظر الخراب للاقليم

  • محمد
    الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 14:14

    يجب مطاردة الفاسدين!. هل المغاربة مستحمرين إلى هذا الحد؟
    إنه الضحك على الدقون!

  • مواطن
    الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 14:19

    هههه من الهم ما يضحك وهل بقيت هناك ميزانيات الجماعات؟؟ الملايير ذهبت الى أرصدة أصحابها والصفقات لا تتوقف والمشاريع منجزة على الورق وبإتقان…فلا غرابة لما نجد رؤساء جماعات ومنتخبون وما اكثرهم دخلوا الجماعات بصفر درهم وخرجوا منها مليارديرات لا مليونيرات؟؟!!!!!

  • دولة متقدمة
    الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 14:37

    صراحة الشعب المغربي تطور كثيرا، نتمنى أن ينعكس هذا التطور على مردودية الجماعات الترابية لكي نصبح دولة متقدمة.

  • للمسمى محمد وامثاله
    الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 14:48

    مند بداية السنة الحالية الجماعات اصبحت مستقلة ماليا اي انها تستخلص ضراءب السكن والنضافة وهي موارد مهمة جدا لتدبير حاجيات ساكنة المقاطعة التي يهمها الامر ( دور الشباب ملاعب القرب ..الخيريات ..الطرق ..الخدمات الاجتماعية ..النضافة ووو ) ولهادا وجب التصويت بكثافة لانتخاب المجالس وخاصة المستشارين الدين لهم نزاهة و كفاءة عالية في التسيير والتدبير ووو لااسف الامية والجهل ثقافة السلبية والعدمية والتشكيك متجدرة في العقول وهادا عاءق كبير جدا …
    في مايخص الموضوع بطبيعة الحال في القطاع العام كما في القطاع الخاص فرق ( AUDIT) موجودة لفحص كل شيء بما فيها الموارد الملية
    باختصار نمادج لا تشارك ولا تساهم في اي شيء بل عالة على البلاد والعباد ولاكنها تشكك في كل شيء

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55 15

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:48 2

الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي

صوت وصورة
أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 23:48 4

أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة

صوت وصورة
التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:32 6

التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42 5

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"