مَوْسِمُ الغبار المقدس

مَوْسِمُ الغبار المقدس
الخميس 20 غشت 2026 - 14:19

تردّدْتُ كثيرًا في الكتابة عن “الموَاسِم”. قاومتُ الفكرة، أجّلتُها، حاولتُ إقناعَ نفسي بأن بعض المواضيع تُشبه البِرَكَ الآسِنَة: الأفضلُ أن تمرّ بجانبها سريعًا، من غير أن تسأل عمّا يتحرك تحتَ سطحها. غير أن المواسم لا تسمح لأحد بالمرور بهدوء؛ تُطاردك مُكبراتها، يحاصرك غبارها، تسدّ شاحناتها الطريق، ثم تطلب منك أن تصفّق احترامًا للتراث.

خِفْتُ أن أبْدُوَ قاسيًا على ذاكرة الناس، ثم اكتشفتُ أنّ القَسوة الحقيقية لا تسكنُ الكلمات، وإنّما تسكنُ واقعًا يستهلك البشرَ والمال والوقتَ تحت خيمة كبيرة، ثم يمنح الفوضى اسمًا جليلًا وصورةً تذكارية.

هل نحتاجُ حقًا إلى كُلّ هذه المواسم؟

لنُحدّد أولًا ما يحدث. تصل جماهير غفيرة إلى أرض عطشى، فتدُوسُها آلاف الأقدام والعجلات حتى يتحول الهواء إلى حساء من التراب والعرق ودخان الشّواء. يتنفس الزائر نصف كيلوغرام من الغُبار، يأكل النصف الآخر مع قطعة لحم قَضتْ يومها تحت الشّمس، ثم يعود إلى بيته مقتنعًا بأنه عاش تجربة ثقافية أصيلة. يستطيع جسده أن يختلف معه في الرأي صباح اليوم التالي؛ تبدأ الرحلة على الطريق، تصطف السيارات والحافلات والعربات في صفٍّ يشبه هجرة جماعية من كوكب انتهى فيه الماء.

يضغط السائقون على المنبهات كأن الصّخبَ يفتح الطرق المغلقة. يتقدم أحدهم مترًا واحدًا، فيشعر أنه حقق إنجازًا وطنيًا. يخرج آخر من الصّف، يدخل من التراب، يحاصر الجميع، ثم يفتح نافذته ويصرخ مطالبًا بالنّظام. هنا تتجلى العبقرية المحلية في أن الفوضويّ نفسه يطالب الآخرين باحترام القانون.

عند مدخل الموسم، تستقبل الزائرَ أكياسٌ بلاستيكية تتطاير بحرية كاملة. نادرًا ما يحصل المواطن على هذا القدر من الحرية، لذلك تمارسها الأكياس نيابةً عنه. تتعلق واحدة بشجرة، تستقر أخرى فوق خيمة، وتواصل الثالثة رحلتها نحو حقل قريب. هكذا ينشر الموسم آثاره في الطبيعة، حتى تتذكره الأرض بعد مغادرة الجميع بسَنوات. وفي الدّاخل، تتعانق الروائح من غير سَابِق تَعارُف: عرقٌ، دخّانٌ، توابلٌ، روثُ خيلٍ، زيتُ قَلْيٍ خاض معارك كثيرة ورفض التَّقاعد.

يقف بائع الطعام فوق برميل صدئ ويقدّم وجبة يصفها بأنها “طبيعية مئة في المئة”، حتى البكتيريا فيها طبيعية ولم تتلقَّ أي تدريب صناعي. تتنافس مكبرات الصوت على تمزيق ما تبقّى من طبلة الأذن. يمدح منشطٌ الموسِمَ مُنظّميه، يصرخ مُغنٍّ في الجهة الأخرى، ينادي بائع على بضاعته، ويعلنُ طفل ضائع عن نفسه بالبكاء. لا يسمع أحدٌ أحدًا، لذلك يرفع الجميع أصواتهم، فيكفّ الطفل الضائع عن البكاء، ويمضي باحثًا عن مكانٍ أهدأ يضيع فيه!
كيف نصنع مهرجانًا من الغبار ونسمّيه هوية؟

ثم تأتي لحظة “التبوريدة”. تنطلق الخيول، يركض الفرسان، يعلو البارود، وتركض القلوب معهم. لا أحد يُنكر جَمال المشهد حين يضبط الفرسان إيقاعهم ويطلقون بنادقهم في لحظة واحدة. تحمل الفروسية ذاكرة حقيقية، وتحمل الخيول هيبة لا تحتاج إلى خُطب المسؤولين. غير أن المنظمين يحاصرون هذا الجمال أحيانًا بفوضى تبتلعُه. يقترب الجمهور أكثر مما ينبغي، يصرخ الأطفال، تتوَتَّر الخيول، ثم يتصرف الجميع كأن السلامة مجرد فكرة أجنبية لا تناسب التراث.

أما المسؤول فيقف في الصفّ الأول، محاطًا بالكاميرات والحراس والكراسي المريحة. يتحدث عن التنمية القروية وهو لا يخطو داخل القرية إلا خلف موكب رسمي. يشرح أهمية الاقتصاد المحلي، ثم يغادر قبل أن يرى أكوام النفايات أو يسمع شكاوى السّكان.

يبتسم للصورة، يسلّمُ على فارس، يربت على كتف شيْخ، وينتهي دورُه العَظيم. وبعد ذلك، يستطيع الموسم أن يغرق في غُباره؛ فقد حصل المسؤول على الصّورة التي يحتاج إليها، وحصلت الصحافة على عبارة “نجاح باهر”، وحصل السكان على ازدحام استثنائي وحصّة وافرة من النفايات الموسمية عالية الجودة.

لذلك، ينفق المنظّمون بسخاء على الخيام والزينة والمنصّات واللافتات، ويخطّون أسماء الرعاة بحروف عملاقة، حتى ليخيّل للمرء أن الرعاة هم التراث، وأن المنصّات هي الثقافة، وأن الجمهور لم يُدعَ إلا ليملأ الفراغ خلف الكاميرات.

تنميةٌ تنتهي بانتهاءِ التَّصوير

يُبرِّرُ البعض كل شيء بعبارة “الرّواج الاقتصادي”. نعم، يبيع بعض التجار بضائعهم، وتتحرَّكُ المطاعم المؤقتة، ويكسب أصحاب النّقل رزقًا إضافيًا. هذا جانب حقيقي لا يحتاج إلى إنكار. لكن هل تحتاج التجارة إلى طرق مَسدودة، وطعام مكشوف، وأسلاك كهربائية تزحف بين الأرجل كالأفاعي، ونفايات تكفي لبناء تَلَّة جديدة؟ يستطيع التنظيمُ الجيِّد أن يدعّم التُّجار ويحميَ الزّوار ويحترمَ السُّكان؛ غير أن التنظيم يحتاجُ إلى عمَل وتربية، أما تعليق لافتة “تراثنا هويتنا” فيحتاجُ إلى مطبعةٍ فقط.

يحضرُ بعض الناس الموسمَ لأنهم يحبُّونه فعلًا. يلتقُون أقاربَهم، يُشاهدون الخيول، يشترون مُنتجات محلّية، يستعيدون ذكريات الطُّفولة. لا يملك أحد حقَّ السخرية من هذه المشاعر؛ السخرية تستهدف من يستغلُّ تلك المشاعر حتى يبيع الإهْمال في عُلبة مزخرفة.

لا يطلبُ منَّا التراث تعطيل العقل، كما أنّ الأصالة لا تعني أن نكرر أخطاءَ أجْدادنا ونضيفَ إليها مُكبرات صوْتٍ صِينية. لا تكمنُ المشكلة في الموسم نفسه، وإنّما في العقل الذي يقدّس الشَّكل ويهمل الغَاية. يستطيعُ الموسم أن يتحوَّل إلى فضاء للفَنِّ المحلي، والحِرف، والفُروسية، والموسيقى، والتّاريخ، والتّعليم، والسّياحة المنظمة؛ يستطيعُ أن يمنحَ المنطقة دخْلًا حقيقيًا، لكننا نختصرُ المشروع أحيانًا في ثلاثة أيّام من الازدحام، ثم نغادرُ المكان كأنَّ إعْصارًا احتفَل بزفافه هُناكَ.

لا نُلغي التّراثَ… نلغي العَبث باسْمه

لا نحتاجُ إلى إلْغاء المواسِم. نحتاج إلى إلغاء النّسخة الكسُولة منها: موسمٌ بدون خُطة تنظيمية، من غير نظافة، ولا سَلامة، وبميزانية تعرف طريق المنصة أكثر مما تعرف طريق المرافِق الأساسية. نحتاجُ إلى مَوسمٍ يخدُم المنطقة، لا إلى منطقةٍ تخدم صورةَ المسؤول عن الموسم.

في النّهاية، يغادر الجميع الموسم. تحملُ السّيارات الزّوار، تحملُ الجيوب ما بقيَ من النّقود، تحمل البُطون نتائج المغامَرة، ويحملُ الهواء غبارًا يكفي لموسمٍ آخر. تنطفئُ الأضْواء، تسكتُ المكبّرات، تختَفي الوُجوه الرَّسمية، وتبقَى الأرْضُ وحْدَها تجمَعُ ما تركه المحْتفِلُون فوْقَها؛ عندهَا يكشفُ الموسِمُ حقيقَتهُ الأخيرة:

لم نحتفل بالتراث كما زعمنا؛ احتفلنا بقُدرتنا العَجيبة على تحويل الفَوضى إلى عادة، والعادة إلى هُوية، والهوية إلى فاتورة، ثم تركنا الطبيعة تدفَعها. أمَّا الغُبار، أكثرُ المشاركين التزامًا، فيبقَى في مكانه ينتظر الدَّورة المقبلة… فهُوَ الوَحيدُ الذي فَهِمَ المشروع منذُ البِدَاية.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

18
  • اش من تراث
    الخميس 20 غشت 2026 - 14:31

    هذه تجمعات لتصريف منطق هركاوة. أنى اتأسف فقط لحال الخيل التي تساق هناك دن عناية كاملة تشحن في شاحنات عارية السقف تحت الشمس و تاكل التبن لاسبوع احيانا
    اما تجمعات المنحرفين و اللصوص و النصابين و گلاعي الضروس و معالجي بومزوي و التوكال و دواء الفارّ و
    اترك لكم التامل
    المواسم هذه يجب ان يعاد فيها النظر شكلا و مضمونا

  • karim
    الخميس 20 غشت 2026 - 14:32

    مقال رائع، بغني خارج صرب السطحية والتفاهة التي انتشرت واصبحت لا تطاق.

  • مصطفى
    الخميس 20 غشت 2026 - 14:37

    كملت المقال لقيت راسي مغبر الله يعطيك الصحه

  • mourad RAHMOUNE
    الخميس 20 غشت 2026 - 14:37

    Je vous félicite pour la qualité de cet article qui met l’accent que la tradition est très bien si il est bien accompagné par du civisme et plus de sens de responsabilité loin de l propagande médiatique

  • interexim
    الخميس 20 غشت 2026 - 14:43

    اولا بارك الله في قلم الكاتب لهذا المقال اللذي يضع الموضوع في صميم الواقع الدين و الاجتماعي و الثقافي في بلادنا ؛ و لا يسعونا إلى أن نقول لا حول ولا قوة الا بالله و إنا لله وإنا إليه راجعون أللهم لا تأخذنا بما فعل السفهاء منا و ثب علينا و اغفر لنآ انك انت الغفار الرحيم.

  • جمال
    الخميس 20 غشت 2026 - 14:51

    مقال غاية في الروعة. هناك أحداث تقع في المغرب توقف الزمن عندها منذ مءات السنين. لم تتغير و لم تتبدل. و الإنسان ذو الفطنة توقف هو الآخر عقله عن التطور و بقي ساكنا جامدا كما كان حال أجداد أجداده حتى يخال إليك أنك تعيش عصرا موحديا أو سعديا أو وطاسيا.

  • أحمد
    الخميس 20 غشت 2026 - 14:52

    العشوائية وعدم التنظيم والعبث جزء لا يتجزأ من ثقافتنا المغربية . لذلك، فإن محاولة إزالتها أو تغييرها بشكل كامل قد تعني، في رأيي، التخلي عن جزء من ملامح ثقافتنا المغربية…..هههه
    يقول المثل الشعبي : إلى مادرناش الزحام ماشي مغاربة…

  • عبد الحفيظ
    الخميس 20 غشت 2026 - 14:58

    كتبت فأوفيت… المواسم المغربية باختلاف اسماءها تزداد تخلفا وعشواءية من سنة لأخرى اما مظاهر الشرك والفساد لكل أنواعه اتسعت وتنوعت ..

  • maghribi
    الخميس 20 غشت 2026 - 15:04

    نتوما مابيكومش هذه الفوضى….
    أنتم تحاربون تقاليدنا وتريدون أن يصبح المغاربة مثل الأوروبيين أو الغرب بصفة عامة…. والمغاربة وابقاو مغاربة. والصلاة والسلام على نبينا محمد أشرف الخلق

  • سعدون M
    الخميس 20 غشت 2026 - 15:07

    في هذا الزمان كيحسب لي بان الإنسان ترقى وتقدم في العلم والفهم وان هذه المواسم التافهة تذكرنا بالجاهلية الاولى ما قبل الإسلام قد مضى عليها الزمان ولم تعد تذكر فاذا بنا نرى اقواما كثيرة تتهافت عليها بازدحام وكانما هو موسم الحج لقد ضحكنا على جيراننا من تنصيب لشبيه بالكعبة والحج اليها فإذا بنا نحن سواسية في الجهل

  • المغربي
    الخميس 20 غشت 2026 - 15:23

    مواسم في خدمة. الدولة والمسؤولين. لأنها. تنقل الجهل لأجيال القادم. ،،،،،،

  • محمد
    الخميس 20 غشت 2026 - 15:26

    تأمل معي تحس انك في غزة المنكوبة خيام للاجئين تحت البارود مع الأسف دون وقوع إصابات الفوضى ليلا ونهارا لانتيجة ولا فائدة

  • جليل
    الخميس 20 غشت 2026 - 15:59

    الشكر والتقدير لصاحب المقال كلامك في الصميم نعم المواسم كارثه حقيقية يجب إعادة النظر فيها انا من الجديدة ونحن نعاني كثيرا من موسم عبدالله

  • عبد السلام اطراشلي
    الخميس 20 غشت 2026 - 16:04

    تحية لسي عبد الفتاح لحجمري… لقد قلتم كل شيء عن المواسم… إنها نسخة حية لتزكية العبث في مشاهد موثقة…

  • خالد بويسفضون
    الخميس 20 غشت 2026 - 16:56

    احيي كاتب هذا المقال وأود لو التقيه لاعبر له عن مدا إعجابي بالموضوع

  • خد الحقيفة
    الخميس 20 غشت 2026 - 17:51

    فعلا المواسم تغمرها الفوضى والعشوائية والغبار وفيها السرقة والاوساخ وقلة الادب والزحام وأنها تقاليد بالية اكل عليها الزمن ولم تصبح تساير العصر الحالي بكل ما فيه من حداثة وحرية في اللبس والخلاعة لكن في نظركم ماذا نستفيد نحن كمشاهدين من حضور مباراة كرة القدم بكل ذلك الضجيج والصباح والسب والملاسنات والزحام وصرف تداكر الدخول ويوم كامل من سفر ومشقة ووقوف في طوابير وتفتيش الحراس الملعب واذا خسر فريقنا نخرج متوثرين ساخطين على الوضع والفريق والحكم والجامعة والملعب ووسيلة التنقل في نظركم ما هي النتيجة المادية و المعنوية التي نمشي بها الى منازلنا تانيا عندما تحضر حفل غنائي لفرقة مشهورة في اي موقع موازين او غيره نسمع ضجيج الآلات الموسيقية واشخاص تصيح بكلمات في الراب غير مفهومة احيانا عندما نغاذر ماذا ناخد معنا الى المنزل كاستفاذة مادية أو فكرية فاذا كنتم تقيسون المواسم بالمردودية والترويج عن النفس والتسلية فإن رواد المواسم لا يتمتعون بالحفلات الماجنة موازين والموسيقى الساخرة وغيرها مثل نظريتكم عن المواسم فلكل فرد رغباته الخاصة ولا احد من وراد المواسم اشتكى منذ قرون عن الغبار والضجيج والخبول

  • حكم
    الخميس 20 غشت 2026 - 18:58

    المشكل ليس في المواسم كتراث شعبي، بل في تمرير ثقافة الجهل و«الغباء المقدس» من خلالها؛ حيث تُقدَّم الفوضى والتخلف في ثوب الأصالة، ويُطلب من الناس تقديس هذه المظاهر وكأن مجرد ارتباطها بالموروث يجعلها فوق النقد والمساءلة. فالتراث الذي لا يرفع الوعي ولا يحترم الإنسان، يتحول بسهولة من ذاكرة جماعية إلى أداة لتكريس الجهل والغباء والتخلف والانحدار

  • متابع
    الخميس 20 غشت 2026 - 19:30

    كلام في الصميم نعم يجب إعادة النظر فيها لأنها تستغل في اشياء لا علاقة لها بالثرات

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 3

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 3

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 6

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان