بعد ثلاث ساعات من متابعتي لآخر حوار مع إدوارد سعيد على “يوتيوب”، انتبهت إلى بعض الأشرطة لشباب مغاربة أثارتني عناوينها؛ فشاهدت الأول لثلاث دقائق، ثم تابعت الثاني الذي فتح أمامي عددا كبيرا من الأسئلة. عدت إلى حوار إدوارد فوجدت أن عدد مشاهديه لا يتجاوز الثلاثين ألفا، علما أنه نشر على “يوتيوب” منذ سنة 2009. أما أشرطة شبابنا فعدد المشاهدات يحقق عشرات أو قل مئات الآلاف من المشاهدين في مدة لا تتجاوز أحيانا الأسبوع.
خصصت أوقاتا متفرقة لمشاهدة بعض هذه الأشرطة وكأنني لأول مرة أكتشف عالما جديدا، غريبا، نما في وقت قياسي، دون أن أهتم به. عالم بكامله يمزج بين الواقعي والسحري والخيالي. زمن مغاير. فهم مضاد. ثقافة جديدة يتزعمها شباب يتحدثون وكأنهم قادة، ينصحون وكأن الحكمة والتجربة انتهت إليهم. يملؤون الفضاء الافتراضي وكأنهم سكنوه، أو جاؤوا إلى الواقع من الافتراض.
الواقع أنني اندهشت، وأصبت بالدوار، لا لمستواهم الفكري أو اللغوي، وإنما للانفلات الذي تحقق بعيدا عن الواقع. أقصد انفلات فئة واسعة من الشباب عن التأطير والاحتواء والتوجيه؛ إذ في الوقت الذي هم في أشد الحاجة إلى تكوين وتأطير نجدهم يقفون في موقع الزعامة ويقومون بتقديم النصائح والوعظ والإرشاد والتوجيه والتأطير.
والخطير في الأمر أن الشباب يجد صدى وأجوبة لأسئلته لدى هؤلاء، فيتبعونهم، ويجعلون منهم قدوة ونموذجا، بل يستشيرونهم في أمورهم ومشاكلهم، وينصتون إليهم بصورة عمياء. وهو ما يترجم هروبا وعزوفا، والبحث عن ملاجئ مضادة يمارسون من خلالها الرفض والثورة على قيم وقضايا “الواقع”، خالقين واقعا مغايرا من الصعب ضبطه أو التحكم فيه، ولا حتى فهمه.
إن الأمر لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، ولا ظاهرة هامشية يمكن التغافل عنها، وإنما صار واقعا يهدد مستقبل مجتمع ومستقبل وطن بكامله، واقع لا حدود له، ولا ثقافة. وبقدر ما أن الظاهرة تحتاج إلى مقاربات عدة، اجتماعية ونفسية وسياسية، فإن الذي أود التركيز عليه، هنا، هو فئة “الوعاظ” المهاجرين الذين يمارسون النقد السياسي والاجتماعي، ويمارسون العمل الإحساني.
من النقد إلى الفعل
مثلما انتشرت ظاهرة “الوعاظ” على “يوتيوب” في كل المجتمعات، ومثلما وجد “نجوم” داخل المغرب، هناك وجوه تطل من العديد من المواقع الجغرافية المهجرية. ولعل أهم ما يميز “الفاعل” المهاجر هو محاولاته المتزايدة من أجل الرفع من مستوى المغرب، والمساهمة في تنميته، لا المالية، كما كان الأمر بتحويل العملة الصعبة باعتبار المهاجرين أهم مزود للوطن من خلال التحويلات، بل صار المهاجر أكثر إيمانا بالدور “الثقافي” في دعم مجتمع وطنه الأم.
وقد نتج عن هذا التحول في الوعي؛ أي الانتقال من الدعم التقليدي -المالي- إلى “الدعم الثقافي والفكري”، ظهور صنفين من هؤلاء الفاعلين، نقصد صنفا منشغلا بالخطاب السياسي والفكري، وصنفا ينشغل بالمستوى الاجتماعي. وهما معا وجهان لعملة واحدة، ينطلقان من خلفية أن الوطن يحتاج إلى إرادة “فعلية” و”عملية” لتحقيق نقلة حضارية، ركيزتها الأساسية هي نشر “وعي” و”ثقافة” تحاول أن تستفيد من التجربة الغربية التي حققت تراكما ونجاحا.
الصنف السياسي
إن المطلع على الأشرطة التي ينشرها أصحابها على “يوتيوب”، خاصة في أمريكا الشمالية، يلاحظ أن المهاجر المغربي مسكون بالاهتمام بالممارسة السياسية داخل البلد الأم، وهو اهتمام لم يأت صدفة، وإنما جاء نتيجة التهميش الذي يحياه في المهجر، وإيمانه الدفين بأنه لا مكان له في المشهد السياسي للبلد الذي يقيم فيه.
ولهذا يلاحظ اهتمام منقطع النظير بأدق التفاصيل السياسية، وبأصغر النقاشات وأتفه الصراعات، بل هناك اهتمام بالسطحي والظاهر أكثر من الاهتمام بالمستويات العميقة والجوهرية التي تصنع “الخطاب السياسي” من حيث الممارسة والفعل والحدث.
ولعل الشيء المثير هو كثرة المشاهدات والتفاعلات الإيجابية من قبل المواطنين داخل الوطن؛ وذلك لأن هذه الفئة (من المهاجرين) تضفي على أسلوبها البعد النوستالجي المغلف بالكثير من المشاعر العاطفية، وهم بذلك يعتقدون أن لهم من التجربة والخبرة، بفعل تواجدهم في الغرب، ما يمكنهم من تفكيك الخطاب السياسي المغربي، وأنهم بأسلوبهم ذاك يشكلون قيمة مضافة، ويساهمون في النقاش العمومي الذي سيجعل المشهد السياسي العام قابلا للتغير والتأثير فيه، ومن ثم تحقيق التغيير المنشود.
والحال إن غالبيهم، إن لم يكن جلهم، يتميزون بتكوين هش ومهلهل، وغياب تكوين أكاديمي، مع جهل واضح بالمناهج وطرق التحليل والتفكيك، بل إن تكوينهم لا يتجاوز شهادات تقنية، أو ما يفهمونه من التحليل الصحافي الذي تعج به الإذاعات والقنوات العربية أو الأمريكية-الكندية.
فهم ينطلقون من النتائج التي تناقش وتستخلص من اللقاءات، في حين أن النتائج لا تهم، بقدر ما تهم المناهج والأفكار والمرجعيات الفلسفية والفكرية التي ينطلق منها المثقفون والساسة المنتجون للخطاب السياسي في الغرب.
لهذا لن يكون من المفاجئ أن تمتلئ أشرطة هؤلاء بأساليب القذف والسب، التي قد تسقط في السوقية والغوغائية. والأخطر ما في الأمر أن هذا الأسلوب يجد صداه لدى شريحة واسعة من مغاربة الداخل، التي يجدون فيه تنفيسا عن “القهر” الاجتماعي والثقافي، والإحباط الذي يحيونه. مما يقوي من حضور صناع هذا الخطاب الذين يعتقدون أن ارتفاع عدد المشاهدات يترجم قدرتهم على فهم الواقع وتفكيكه، ما يؤدي إلي ثقة في النفس تتضخم وتتزايد مع مرور الوقت وازدياد عدد المتتبعين.
هذا ما سيؤدي، حتما، إلى خلق هوة عميقة بين الواقع والفهم، وهو ابتعاد يعمق الهوة بين المثقف الحقيقي والمجتمع مادام أن هناك إمكانية الهروب من الواقع ووجود مادة قادرة على تلبية احتياجاته السياسية والفكرية والثقافية بشكل عام.
الصنف الاجتماعي
أقصد أولئك الذين جعلوا من أنفسهم وجوها للعمل الخيري الإحساني. وإذا كانت هناك جمعيات يشرف عليها مغاربة، ويلجؤون إلى تقديم مساعدات عينية عبر إرسالها إلى منظمات المجتمع المدني في المغرب، فإن هناك أفرادا يمارسون هذا العمل بعيدا عن أعين السلطات، وبعيدا عن الإطار المؤسساتي القانوني المنظم؛ إذ الملاحظ أن هناك حالات اجتماعية صحية، أو تعاني من أزمة مالية، أو تعيش في وضعية صعبة، يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ فتجد صدى لها لدى بعض الأشخاص من المهاجرين، الذين يتعاطفون معها، بل ويقدمون لها المساعدة.
ولفهم الفعل الإحساني بالنسبة للمهاجرين المغاربة، لابد من الإشارة إلى السياق العام الذي يولد هذا التعاطف، الذي يتخذ شكل مساعدات مالية، فردية، وجماعية؛ أي تاريخيا كان المهاجر يجعل من المساهمات المالية فعلا، بل وضرورة يلزم نفسه بها، قبل أن يتخذ أشكالا أخرى لاحقا.
إن العقل الإيماني، الذي يشكل الرأسمال الرمزي لدى الغالبية من المهاجرين المغاربة، يجعل مفهوم “التكافل” عبر المساعدة المالية فعلا ضروريا بالنسبة إليهم، ليس فقط لأن دخلهم المادي يسمح لهم بذلك، وإنما البعد الديني/العقدي هو الذي يحرضهم، أو يكون من وراء ذلك.
ويرى المهاجر المغربي، المسلم، أن دفع الصدقة واجب وفريضة، فيلجأ إلي التصدق بها عبر تحويلها إلى الوطن الأصل، وهو ما يجعله يبحث عن “الحالات” الاجتماعية الحرجة التي “تسوقها” فضاءات النت، بل وهناك أشخاص يعتبرون من واجبهم دفع الصدقات، لا بدافع إنساني محض، وإنما كنوع من التكفير عن “الذنب” الذي يعتقدون أنهم اقترفوه، كفعل منهي عنه شرعا، أو سلوك غير أخلاقي (وهنا ينبغي أن نشير إلى أن هناك فئة واسعة تعتبر أي فعل تحايل على الدول الغربية، من تهرب ضريبي وإعطاء معلومات خاطئة تمكنهم من الحصول على مساعدات الدولة مثلا، ضربا من “الجهاد”، وهو ما يتولد عنه شعور بالذنب).
أزمة وعي
لعل الحديث عن هذين الصنفين يحتاج إلى مقاربات متعددة، ودراسة عميقة، لكن يبقى من الواجب إدراك مدى الأثر السلبي الذي سيؤدي إلى خلق ممارسات وسلوكات لن تكون إلا سلبية ومهددة لكل مشاريع التنوير والحداثة؛ لأن هذين الخطابين ليست لديهما القدرة على فهم الواقع، مادام أنهما يهربان منه.
كما أنهما يظلان على هامش أي مشروع مجتمعي أو فكري حضاري؛ لأنهما لا يحملان أسئلة، بقدر ما يهتمان بالأجوبة، أعني أنهما، معا، ينشغلان بالبحث عن حلول لحالات تشكل نتيجة خلل بنيوي. فالإرهاب، مثلا، لا يمكن القضاء عليه عبر التخلص من “الإرهابيين”، وإنما عن طريق تجفيف منابع الإرهاب الفكرية والاقتصادية والاجتماعية.
إن هؤلاء لم يستوعبوا أن الديمقراطية الأمريكية، مثلا، ولا المجتمع المدني الأمريكي، لم يأتيا من فراغ، ولم يكونا نتيجة ممارسة سياسية حزبية، وإنما هما، معا، نتيجة مشروع فلسفي وفكري واضح المعالم، هو الذي اختزلته الوثيقة الدستورية التي كان من ورائها من يسمون “الآباء المؤسسون”.
لذلك نلاحظ “فوضى” في معالجة القضايا، وضعفا وخلطا كبيرين في فهم السياق العام، وجهلا بأبسط المفاهيم؛ إذ ترى الشخص لا يميز بين المفاهيم، ويتحدث وكأنه في مجلس داخل بيته مع أقربائه. والواقع أن ذلك تحركه، في الغالب، نزعات شخصية، لا تتعدى أحيانا الكسب الآني للأموال.
وهنا تكمن المأساة الكبرى؛ أي حين يصبح هاجس الكسب المالي هو الخلفية التي تحرك أصحابها، عبر ابتكار تقنيات “العمل الخيري” أو الترويج “لخطاب المعارضة” السياسوية التي تفتقد إلى أبسط شروط العمل السياسي الجاد.
والحال أن هذا الشرخ في الوعي، الذي يعمق الهوة بين العالمين الافتراضي والواقعي، يزيد من تكريس الوضع الهش داخل الوطن الأم، ويزيد من تكريس الصورة “النمطية” للمهاجر العربي المسلم في الغرب.
وإجمالا، فإن السلط المتحكمة في صناعة “نمط المعرفة المهيمنة” قد جعلت من مواقع التواصل الاجتماعي بديلا لدور الشباب والمسارح والتأطير الحزبي الإيديولوجي والوداديات في الخارج، وجعلت من هذه الفوضى التي يعج بها الفضاء الافتراضي سلطة تنتظم حولها كل تقنيات الضبط والهيمنة.
هذا النص التحليلي للأخ جاء كرد على التذمر لدى المغاربة بالخارج، من سياسة الدولة التي تقمع كل شيء
بدل تشريف هؤلاء بالغيرة على البلد يتهمهم هذا الذي يسمي نفسه محلل بالفشل في دول الإقامة وما الى ذالك
مقالك يبرز جدا مدى خوف الدولة من النهاجرين خاصة من الشمال الذين يساندون اخوتهم في الحراك الشعبي الذي طال اكثر من ٥ أشهر ،
يبدو ان الدولة تفقد مراقبتها وقيادتها للجالية بالخارج لان الناس سءمو من الوداديات والمساجد التابعة بالديكتاتور ، وقتكم ات ،لا ينفعكم تحليل ولا تهليل
وصل السيل الزبى
انشر يا صحافة ،،،،،،،،
تحليلك فيه هجوم على المستوى الفكري للمهاجرين،المهاجر يعيش في بيئة يسودها القانون وإحترام حقوق الإنسان ونبل الأخلاق كالعمل التطوعي والتضامن، حتى لو لم يكن له مستوى أكاديمي فإنه تشرب روح هاته القيم من المجتمع الذي يعيش فيه،وبالتالي فله نزعة إسقاط ما يعيشه في المهجر على بلده الأصلي،وهذا شيء محمود،فالمهاجر ألفناه يرسل الدوفيز فقط،ولانريد منه نقل تجارب عيش وأمثلة تضامن يستفيد منها بلده الأصلي.
موضوع جيد وواقعي وجامع لكن لم تتحدث عن الصنف الإيجابي من مغاربة الخارج من المثقفين والإعلاميين والكفاءات بحق وحقيقي
قلمك أستاذ متمكن وقدير فمزيدا من التألق
كما انكشف مؤخرا، المخابرات الامريكية جعلت من المانيا مركزا لشراء دمم المهاجرين من دول المغرب العربي ضد اوطانهم ، بعد استكمال تدريبهم الان جاء الوقت لاعادتهم لاوطانهم لتنفيد مهامهم من الداخل…
ان سبب ما نراه من مما تحدث عنه الكاتب سببه احتقان الشعب تكفيف الأفواه في المغرب لا توجد حرية التعبير الحقيقية و فتح نقاشات و السماح للشعب للتعبير عن مشاكله الحقيقية و غياب نخبة متفقة وطنية غيورة حقيقية توجه الشعب نحو الطريق الصحيح إلا هو تنوير الشعب بحقوقه في عدالة اجتماعية و ديمقراطية حقيقية توعية المجتمع بالسير نحو العلم و المعرفة و دفع المجتمع المغربي نحو الطريق السليم الصحيح دولة والحق القانون و فصح الفساد و المفسدين الذبن نهبو البلاد و العباد و جعلو من الشعب مجرد رسوم متحركة يحركونها من أجل مصالحهم الشخصية نخبة هجنت و باعت القضية و باعت الشعب و الوطن و أصبحت مشاركة في الفساد المستشري و اصبحت لها إمتيازات مقابل السكوت عن قول الحق و توجيه الشعب نحو دولة العدالة الاجتماعية لك حقوق و عليك واجبات
اي شيء يمكن ان نسميه الا التواصل الاجتماعي فهذا اجحاف، نعم لعبارة العالم الافتراضي . ولكونه افتراضي فهو لايحمل الجدية والموضوعية، بل عالم يغلب عليه السراب والمكر . لقد كتبت تعليقا من قبل طلبت من السيد خالد ان يتحدث عن وعاظ المقاهي بامريكا وكندا. الداء الحقيقي لعلل الجالية يتجلى في تلك المنتديات ..
ادوارد سعيد نفسه واعض مهاجر…و الكثير من أفكاره الغريبة عقدت الناس و كرست التخلف و البلاهة.
أفكار يعتبر فيها العرب كمخلوقات خارقة من كوكب غير الأرض يستحيل لاي كان إدراك مستواهم و أسرارهم دع عنك فهمهم. إلى درجة أنه حرم على غير العرب الكتابة عنهم.
الحقيقة التي لا يمكن نكرانها هي أن أحسن الكتب و الأبحاث التي كتبت حول العرب و المسلمون كتبها الأجانب. ليس فقط الغربيون. كذلك الروس و اليابانيون و الهنود. و ليس فقط حول العرب كذلك حول الأشجار و الصخور و النجوم. لسبب بسيط هو أن العرب و المسلمون لا يكتبون و لا يبحثون. يخافون من الافكار و الكلمة و القلم و المداد أكثر ما يخافون من الدم و السم و الحديد و النار.
والأخطر ما في الأمر أن هذا الأسلوب يجد صداه لدى شريحة واسعة من مغاربة الداخل، التي يجدون فيه تنفيسا عن "القهر" الاجتماعي والثقافي، والإحباط الذي يحيونه.