نحن و"الطوفان"

نحن و"الطوفان"
السبت 21 دجنبر 2024 - 22:45

نحن هنا نحيل على الشعب المغربي بكل مكوناته السياسية منها والحقوقية والمدنية والحزبية، الرسمية والتي تنتمي إلى حقل ما يمكن أن نسميه “المجتمع المدني” بمفهومه الواسع، والطوفان يحيل طبعا إلى أحداث 7 أكتوبر وماتلاها، من حرب دموية سواء في غزة أو لبنان، وما رافقها من تحولات كبرى هزت الشرق الأوسط، وغيرت موازين القوى فيه، ولا سيما بعد سقوط نظام البعث في سوريا وتقويض النفود الإيراني في المنطقة.

سبب هذا الكلام هو النقاش الدائم والمستمر في بلادنا حول القضية الفلسطينية، لا سيما بعد التوقيع على الاتفاق الثلاثي بين المغرب وأمريكا وإسرائيل، وما تلاه من استئناف العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل، لم يتوقف هذا النقاش في أي لحظة من اللحظات عن الحضور، وأخال أن ملاحظات جوهرية ينبغي أن تقال في هذا المقام، بغية المساهمة في التأسيس لنقاش عقلاني هادئ غير أيديولوجي ولا متعصب:

1- ينبغي بداية تسجيل الموقف الحازم والواضح للمملكة المغربية بقيادة جلالة الملك من القضية الفلسطينية الرافض للعدوان على غزة ولبنان، وهي مواقف لن نجد عناء في الوقوف عندها، والتي تم التعبير عنها في حوالي عشرة خطاب ورسائل ألقاها أو بعث بها جلالة الملك منذ 7 أكتوبر2023 في مناسبات مختلفة؛ تسهب في شرح الموقف المغربي الداعي إلى الوقف الفوري للحرب واستئناف العملية السياسية على أساس حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية بحدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع التأكيد على وجوب قطع الطريق على المتطرفين من أي جانب كانوا.

2- التضامن الشعبي الكبير مع الشعب الفلسطيني ولا سيما مع الارتفاع المهول والصادم والمأساوي للضحايا المدنيين في غزة والأزمة الإنسانية الخانقة هناك، وما يمكن تسجيله هنا هو أن هذه الهبة التضامنية لم تقتصر على فصيل سياسي أو حزبي أو دعوي واحد، بل إن التضامن مع فلسطين ظل في بلادنا موقفا عاما وشاملا لكل القوى السياسية والحزبية والمدنية، طبعا هناك تيارات ظل التضامن مع فسطين جزءا مركزيا من موارد مشروعية وجودها وآلية مركزية للتعبئة والاستقطاب بين قواعدها ومنتسبيها، وهي إلى ذلك تعتبرها قضية عقدية أكثر من كونها قضية إنسانية، وعلاوة على ذلك فإن ما يسجل للدولة المغربية هو حرصها على احترام المظاهرات و الوقفات التضامنية مع الشعب الفلسطيني، حتى أن البعض استغل وبسوء نية بعض تلك المظاهرات لارتكاب أفعال مخالفة للقانون، أو لرفع شعارات والتعبير عن مواقف سياسية لا علاقة لها لا بفلسطين ولا بالتضامن معها، لأن التضامن لا يعني خرق القانون أو المس بالممتلكات العامة والخاصة، وعلى كل حال فإن حالات المتابعات القضائية تظل قليلة رغم محاولات النفخ فيها والركوب عليها، ويبقى الثابت هو أن هذه المظاهرات اليومية تؤكد رسوخ الديمقراطية وحرص بلادنا على احترام حرية التعبير وحق الاحتجاج السلمي.

3- في هذا المشهد العام هناك أيضا دعم الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية المغربية في بلادنا للقضية الفلسطينية، وهو دعم ثابت ومتجدد، وله جذور وامتدادات في تاريخ كفاح الحركة الوطنية ورموزها الكبار، ويسهل الوقوف عنده اليوم، فلا يكاد يخلو بيان من بيانات الأحزاب السياسية من هذا الموقف، لا اختلاف في ذلك بين الأحزاب الكبرى والأحزاب التي يمكن وصفها بالصغرى، أو بين تلك الممثلة في البرلمان أو تلك غير الممثلة فيه، وهو دعم في غالبيته العظمى للشعب الفلسطيني، وهو في العمق دعم للقضية الفلسطينية ولعدالتها، ولكي يكون القرار فلسطينيا وليس قرارا إيرانيا.

4- طبعا هذه الأحداث الجسام أحيت النقاش في بلادنا حول ما يسميه البعض “التطبيع”، رغم أن الإنصاف يفرض التأكيد على أن الاتفاق الثلاثي الموقع بين المغرب وأمريكا وإسرائيل، يختلف في كل شيء عن اتفاقيات أبراهام، لأنه يتحدث بوضوح عن دعم أمريكي لمغربية الصحراء، ولأن النقاش حول من وقع على “اتفاق التطبيع”، لم يبق نقاشا حزبيا داخليا لدى الحزب الذي كان يقود الحكومة السابقة، والذي وقع أمينه العام ساعتها على الاتفاق الثلاثي، بل أصبح نقاشا عموميا يجوز لنا مع كثير من الاحتياط الخوض فيه. فإن الثابت فيه بصرف النظر عن مسألة الاعتذار من عدمها التي أثيرت أخيرا، أنه كان قرار الدولة المغربية أملته المصلحة العليا للبلاد، ويهم أساسا القضية المقدسة لدى المغاربة وهي قضية الصحراء المغربية، بيد أن المثير في هذه النازلة هو أن عبد الإله بنكيران ما فتئ يدعو إلى وضع “مسافة مجتمعية” مع ذلك القرار، وهو الذي خرج غداة التوقيع عليه يدعو أنصاره إلى التوقف عن انتقاد والهجوم على سعد الدين العثماني قائلا: “كفوا” ، مبررا الاتفاق وداعيا إلى عدم الخروج على الدولة، يبدو أن في الأمر مفارقة غير مفهومة، كيف يمكن أن يطلب منا الأستاذ بنكيران أن نضع مسافة مع قرار دولتنا اليوم، وكأنها كيان معزول عنا، يجب أن تتحمل لوحدها تبعات قرار استراتيجي يهم استئناف العلاقات مع إسرائيل، والذي ما كان ليتخذ لولا مصلحة بلادنا ووحدتها الترابية والخطر الوجودي الذي يمثله جار السوء الذي ابتلينا به، وهو الذي خرج بالأمس مدافعا عن القرار ومقدما مبررات له. إن ذاكرتنا ليست قصيرة.

5- طبعا خلال هذه السنة وفي غمرة النقاش العمومي الذي أعقب “الطوفان”، كانت هناك أراء متباينة في العالم العربي بما فيها بلادنا، حول هجوم 7 أكتوبر وتداعياته، وإلى أي حد خدم القضية الفلسطينية، غير أن الملاحظ هنا هو ضيق صدر البعض وعدم سماحه بأي رأي مخالف لرأي الأغلبية التي تتحدث وتعبر وتتضامن، فيكفي مقال واحد يعبر عن رأي مختلف كي تقوم القيامة، لدى البعض الذي يحاول تنصيب نفسه مدافعا أوحد عن القضية وعن فلسطين وعن القدس، بل إن أحد المثقفين المرموقين انبرى للتماهي مع موقف حزب سياسي رافضا سماع أي رأي مخالف، ومقدما تفسيرا ضيقا لمفهوم حرية التعبير لا يتلاءم مع الفصل 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبدل أن يجنح لما دأب عليه دوما من الحوار والمحاجة رفع بدوره تهمة العمالة، وأنا هنا لا أدافع عن أحد، ولا أقر ذلك الرأي ومع التأكيد على اختلافي معه، أعتقد أن الديمقراطية التي يدعي البعض الدفاع عنها تفرض أن نكفل لمن يعبروا بسلمية عن آرائهم حقهم في التعبير، لا سيما إذا لم يمس بالثوابت الجامعة للأمة المغربية المحددة في الدستور، وعدا تلك الثوابت فالتقديرات والمواقف يمكن أن تتباين وتختلف في سائر المواضيع دون أن يكون ذلك مبررا للتخوين والاتهام بالعمالة ولا للقتل الرمزي.

6- قلوب المغاربة وفي مقدمتهم جلالة الملك تنفطر لما يحصل في غزة، ولمعاناة المدنيين تكفي العودة لقراءة الرسالة الملكية الموجهة في آخر الشهر الماضي إلى رئيس اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، وقد حرص جلالته على إدخال المساعدات الإنسانية عدة مرات إلى القطاع، وما فتئ يدعو إلى وقف إطلاق النار، ومواقف جلالته مشرفة ويعتز بها الشعب المغربي، ومع التأكيد على أنه وأمام العواطف الجياشة والقلوب المكلومة لعجز المنتظم الدولي عن وقف العدوان على غزة، هل يحق لنا أو بالأحرى هل سيسمح لنا البعض بالتساؤل ولو بشكل محتشم، ودون مزايدات: ماذا ربح الشعب الفلسطيني المكلوم من “الطوفان”؟ هل أعاد اللاجئين؟ هل أعاد القدس؟ هل أقام الدولة الفلسطينية؟ فحتى “محور المقاومة” ها هو يتهاوى بفعل تداعيات ذلك الهجوم، والنظام الجديد في دمشق يتحدث عن كل شيء إلا عن فلسطين.

7- طبعا هذه الأسئلة تفرض العقلانية وليس الشعارات والمزايدات والتحاليل العاطفية، التي وعلى امتداد عقود لم تحقق مطلبا واحدا من المطالب التاريخية العادلة للشعب الفلسطيني، العقلانية التي يصفها البعض بثقافة الهزيمة، مفقودة اليوم في كثير من النقاشات، ولكن الحقيقة هي أن فلسطين ضحية تجارها، ضحية بعض الأنظمة العربية العسكرية الشمولية التي ظلت تتاجر بها لعقود، وهي تقتل وتقمع شعوبها، والمثال البارز في هذا الإطار نظام البعث في العراق وسوريا وجماهيرية القذافي غير المأسوف على رحيلهم جميعا، وهي ربما ضحية بعض التيارات الدينية التي ظلت منذ حسن البنا، وفي بحثها عن السلطة، تعتبرها موردا من موارد المشروعية الوجودية لديها، لمقارعة حكام الجور حسب أدبياتها، وقبل كل ذلك ضحية النظام الشيعي الإيراني الطائفي الذي ظل منذ 1979 يستغلها ويستغل معها كل مكونات “محور المقاومة”، لتعزيز نفوذه في المنطقة ولدعم الأنظمة والحركات الشمولية، فلسطين يجب أن تتحرر أولا من تجارها، آنذاك فقط سوف تتحرر من محتلها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 22:00

من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة

صوت وصورة
ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:20

ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:00

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر
الخميس 17 شتنبر 2026 - 18:15

الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر

صوت وصورة
الفصل 34 وحقوق الإعاقة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 17:30

الفصل 34 وحقوق الإعاقة

صوت وصورة
وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين
الخميس 17 شتنبر 2026 - 14:29

وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين