نحو براديغم جديد للعمل السياسي بالمغرب

نحو براديغم جديد للعمل السياسي بالمغرب
الثلاثاء 4 أبريل 2017 - 18:25

تحدي النموذج المؤسساتي

لا شك أن المتتبعين والمهتمين وعموم المواطنين للحقل السياسي المغربي اليوم، أصبحوا مقتنعين بوجود نوع من العبث السياسي. إذ أن الاستحقاقات الانتخابية لا تفرز خيارات المواطنين والمواطنات، ولا تفرز حكومة منسجمة، ولا حتى الإنجازات اليومية، والتي تهم حياة المواطنين لا تأتي من النخب السياسية والمسؤولين على تدبير الشأن العام المحلي والجهوي. ولعلنا لا نعدم الامثلة على ذلك، يكفي أن نتتبع مختلف التدخلات التي يقوم بها الفاعل الملكي في العديد من المدن، لابراز هذا المعطى، لعل آخرها ما نطالعه في الاخبار الرسمية من تدشينات وبرمجات ومخططات، متعلقة بجهة الدار البيضاء الكبرى، وقبلها في جهة طنجة الكبرى.

أما على المستوى السياسي العام، فإن التعيين الملكي للسيد العثماني، بدلا من السيد بنكيران والتشكيلة الحكومية التي تضم من بين ما تضم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، كل ذلك يؤكد أن خيار التغيير من داخل المؤسسات القائمة، يبقى جد محدود، إن لم نقل معدما. ومعنى ذلك، أن القرارات الاستراتيجية والبعيدة المدى والمتوسطة ، بل وحتى الآنية، لا يقوم بها الفاعل السياسي الحزبي، كيفما كان حجمه ونوعية حضوره في المشهد السياسي، بل إن المخزن هو من يهندس كل تلك الأمور. أما وظيفة الأحزاب السياسية، فهي وظيفة تأثيث المشهد السياسي، والزعم بأننا في المغرب نشكل استثناء في المنطقة الشرق أوسطية والمغرب الكبير، وبأننا نعيش دمقرطة حقيقية. ولعل الأمر المؤثر في هذا التوصيف، أننا بعد ما عشنا مرحلة انتقالية مع دستور 2011، ووصول حزب العدالة والتنمية بقيادة الزعيم السيد عبد الاله بنكيران لتسيير الحكومة المغربية، وبعد كل تلك المسارات التي قطعتها بايجابياتها وسلبياتها، فإننا نشهد انتكاسة في هذا المسار، من حيث العودة القوية للتحكم إلى الواجهة وامتلاكه لكل المبادرات والقرارات.

كل ذلك يجعلنا نستخلص أن المهيمن الحقيقي في المشهد السياسي المغربي، هو الفاعل الرسمي، والذي لا يخدم سوى مصلحة المتحكمين في الموارد الأربعة التي يقع حولها الصراع (الثورة، السلطة، المعرفة والقيم). وأن هيمنته دليل على أننا لا زلنا في مرحلة السلطوية، لكن بإخراج جديد، أو ما يمكن تسميته “بالنيو-سلطوية”. حيث تعمل الدولة العميقة على تكريس الوضع الاستاتيكي (Statu quo). ويمكن القول، أننا بتنا نعيش في حلقة مفرغة (Cercle vicieux )، وأن “دار لقمان لازالت على حالها”. و لهذا فإننا نتساءل: ما هي الخيارات المطروحة على الفاعل السياسي المغربي(على الأقل البعض منها) اليوم في ظل هذا الوضع؟ و هل يمكن التفكير في مسارات أخرى، للعمل السياسي بدلا من التغيير داخل المؤسسات؟ وما هي شروط ذلك؟

بداية لا بد من الاقرار أن هناك صعوبة في إقناع جزء من النخبة السياسية بهذا الأمر، نظرا لكونه أصبح مستبدا بالعقيدة السياسية التي تقول بأن “التغيير لا يكون إلا من داخل المؤسسات القائمة”، وبأن كل الخيارات الأخرى التي جربت في المغرب ولم تعط أكلها، وبالتالي لا يمكن المغامرة بشيء غير محسوب العواقب. وعندما أصف هذه القناعة بالعقيدة السياسية، فإنني أقصد ما أقول. فالعقيدة والعقائد جزء منها لا يتم بناؤه انطلاقا من العقل والمنطق، بقدر ما يبنى على العواطف والميولات والرغبات حتى، ويصبح راسخا لدرجة يصعب معها الحديث عن إمكانيات أخرى، ولهذا يمكننا أن نستدعي مقولة “فرنسيس بيكون والتي يتحدث فيها عن” الاوهام المذهبية” والتي تتسلل لعقول الناس من خلال المعتقدات السياسية، التي يروج لها قادة الاحزاب والمنظرين والباحثين، وهذه الاوهام تخلق عوالم وهمية في بعض الاحيان، وتصبح مع مرور الزمن تقليدية وتخضع للتصديق الضمني. ولعل مقولة التغيير من داخل المؤسسات أو التغيير في ظل الاستقرار، وغيرهما والتي أطلقها السيد بنكيران في مرحلة سابقة قبل وصول حزبه للحكم، تندرج في هذا السياق. وقد وجدت لها من ينظر لها ويقعد لمنطلقاتها الايدولوجية. لكن اليوم نعتقد أن هذه المقولات والمنطلقات قد تعرضت لصدمة قوية وتحتاج إلى مراجعات وإلى وقفة نقدية.

من جهة، وحتى نوضح ما نقصده بالتغيير من خارج المؤسسات، أو بالبراديغم الجديد للعمل السياسي، فهو لا يعني الثورة ولا يعني الانتفاضة على الأوضاع، ولا يعني إشهار السلاح في وجه الخصوم السياسيين، بل إنه عمل سلمي وحضاري ووطني ونضالي راق منتهجا الاساليب الديمقراطية في العمل السياسي، من حيث أنه يمارس عملا سياسيا لكن وفق قواعد جديدة، تتمثل أساسا في ثلاثة مبادئ: الهوية/ التعارض/ الكلية” كما طرحها (آلان تورين)، ورغم أن البعض قد يعترض علينا في استلهام هذا النموذج من مفهوم الحركات الاجتماعية، إلى الفاعل السياسي، فإننا نومئ للتعريف المتعارف عليه للحركات الاجتماعية، والتي تتضمن من بين ما تتضمن الفاعل السياسي، الذي يفتقد للتمثيل الرسمي، حيث نقرأ في هذا المفهوم: ” الجهود المنظمة التي تبذلها مجموعة من المواطنين كممثلين عن قاعدة شعبية تفتقد إلى التمثيل الرسمي، بهدف تغيير الأوضاع، أو السياسات، أو الهياكل القائمة، لتكون أكثر اقترابا من القيم التي تؤمن بها الحركة” أو حتى الحزب السياسي أو الهيأة النقابية أو الجمعوية.، لكن بشرط أن لا تكون ممثلة في المؤسسات القائمة، حيث تفقد تلقائيا كل قدرة على التفاوض والنضال والاستماتة، وتصبح مع مرور الوقت إلى هيأة تابعة كليا للدولة ولمشروعها، وهو ما حصل للعديد من الاحزاب السياسية المغربية، ويحصل بشكل أو بآخر لحزب العدالة والتنمية. لذا فنحن ندعو إلى تجديد في البراديغم الحاكم للرؤية التغييرية لكي يتم الاستعاضة عنه بأفق أرحب واستشرافي.

وبالعودة إلى تحديد تلك المقومات، نجد أنها تتحدد فيما يلي:

– مبدأ الهوية: يكون التعريف واعيا، ولكن النزاع هو الذي يشكل وينظم الفاعل،

– مبدأ التعارض: يمكن الفاعل من أن يعين خصمه لأن رهان النزاع ما هو في آخر المطاف إلا النموذج الثقافي”.

– مبدأ الكلية: تستطيع الحركة الاجتماعية تقديم مشروع مضاد أو اقتراح بناء مجتمع آخر، وعليه فالرهان بالنسبة لمبدأ الكلية هو الهيمنة على نسق الفعل التاريخي”.

إن هذه النمذجة الثلاثية، تمكننا من فهم أشمل للعمل السياسي الجديد، الذي يتأطر ضمن حركة اجتماعية قوية ومتجذرة. فمبدأ الهوية، يصف لنا ما يطرحه الفاعل السياسي من مفاهيم ورؤى وتصورات أو بلغة “فيبر” رؤية للعالم، تريد أن تقول إننا نحن الفاعلين السياسيين لنا وجهة نظرنا الخاصة للتغيير، وبالتالي فإننا نسعى لكي نحقق هذا الهدف في نضالنا المستمد من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، والدمقرطة الحقيقية للمجتمع.

أما فيما يخص مبدأ التعارض، فيمكن افتراضه –على الأقل نظريا- في المسار النضالي للفاعل السياسي عبر التاريح، إذ شكل الخطاب والممارسة والفعل السياسي الملتزم، رؤية نقدية للأوضاع وللمسلكيات وللذهنيات والعقليات التي تحط من قيمة العمل السياسي أو تبخيس قدره، وبالمقابل إبراز التعارض مع السلطوية والتسلط. والاحتفاظ بحق الاعتراض متى تعرضت إرادة الشعب وخياراته وتطلعاته للسطو أو السلب. ولنا في حالة حركات التحرر الوطني سابقا خير مثال. وأيضا حركات المطالبة بالمساواة بين البشر، وبين الجنسين، وضمان حماية البيئة، أمثلة حية ومتجددة عن نوعية هذه المطالب ومنهجية النضال المستميت من أجل تحقيق كل ذلك، بدون تجزئ أو التفاف.

وأخيرا، فإن مبدأ الكلية، والذي يعني الشمول في الرؤية والهدف والخطاب والممارسة والفعل، وذلك عبر النهل من الرؤية الكونية ومن مبادئها العليا، والتي تهدف إلى إقامة مجتمع منصف وعادل، ويتمتع أكثر من ذلك بحس للعدالة والانصاف.

إننا عندما نتحدث عن بعض الخصائص التي وجب أن يتمثلها الفاعل السياسي اليوم في المغرب المعاصر، إنما بغرض فهم التحولات التي تجري في شرطنا المغربي، والمتمثلة أساسا في استفراد الدولة والتقنوقراط في حسم كل القضايا المصيرية والمتوسطة والقريبة المدى للمجتمع المغربي، وبالتالي نخشى أن نصل إلى حالة من العجز الكبير الذي سيشل فعالية المجتمع بكل فئاته وتشكيلاته الاجتماعية والسياسية والنقابية والجمعوية. إذ ما دامت الدولة تفعل كل شيء فما المبرر لوجودنا؟ وما الداعي لاجراء الانتخابات تلو الانتخابات؟ وما الداعي لتمثيلية الاحزاب وبقية الهيئات النقابية والجمعوية؟

أو من خلال تعميق حالة اللاثقة في المؤسسات الدولانية، بل حتى المؤسسات الحزبية والنقابية والجمعوية، مما يفضي عمليا إلى حالة من القطيعة بين المجتمع والدولة من جهة، وبينه وبين مؤسساته الوسيطة. لذا فإن الأمر يقتضي من كل الاحزاب السياسية -وخصوصا تلك التي لا زالت تتمتع بمصداقية لدى الشعب-، إلى وقفة نقدية مع الذات والآخر واللحظة التاريخية، علها تقدم الأجوبة عن المآزق الوجودية التي باتت تداهمها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • الزبير
    الثلاثاء 4 أبريل 2017 - 19:05

    رفعا لكل لبس أو سوء فهم…

    في السياسة، حيث يجب في بعض الأحيان معالجة علاقات معقدة للغاية وطنية و دولية، بين الطبقات و تعبيراتها السياسية، يكون من الحماقة أن نعد وصفة جاهزة، أو قاعدة عامة تستخدم في كل الأحوال …

    عبد الرحيم بنصر

  • الرياحي
    الثلاثاء 4 أبريل 2017 - 21:20

    طيلة خمس سنوا ما فتأت الناس تذكركم بحجمكم الحقيقي وأنتم تنفون وتدافعون على المخزن ألم يقل بن كيران "عيطو على الدولة" ليسكت بعض المصفرين وهو ما يفضح النوايا الخبيثة لهذا الرجل.قلت الرجل أصبح يتبجح بصداقاته الجديدة إلى أن أعتقد أن له قرابة وما فتأ يردد من هنا وهناك قلت قال قالت أمي … بشيء من الإفتخار واليوم إنقلبتم عن المخزن والي نعمتكم ففي بعض شهور أو سنوات سترجعون لأكل البيصارا مع "خوتكم" اللذين إنقلبتم عليهم ومديتم أياديكم لجيوبهم الفارغة أصلا.لماذا لم تكتب ما كتبت يوم 8 أكتوبر أو 9 أكتوبر ..؟
    مقال يفضح البيجيدي ونفاقه الأحرب وأحواله الغير المستقرة وتصرفه حسب الطلب والمصلحة وما سيجلبه من ريع وغنائم ها هو "بن عرفة يطلب وزير الدولة "ولماذا البكاء

  • صديقك يا رشيد
    الثلاثاء 4 أبريل 2017 - 23:03

    السياسة في المغرب لا شيء سوى إعادة سيناريوا الأول بثوب آخر فقط يعني التخطيط المسطر هو هو والمشكل العثماني في المكان المناسب نظرا لتحظره وثقافته العاليه إنسانيا ديمقراطيا
    بن كيران كانت له إيديولوجية إسلامية محبوكة بالنزعة للغة الواحدة والتفكير الواحد هذا ونحن نعرف نواياه تجاه اللغة الأمازيغية لغة الهوية والشعب
    تحياتي لك سي رشيد

  • سلوى
    الثلاثاء 4 أبريل 2017 - 23:45

    أعتقد أن المخزن يريد جر العدالة والتنمية لمعركة كي يجهز عليهم مثل ما حصل في مصر فتعيين والي الرباط وإعفاء الرميد وإهانة بنكيران هو الطعم الذي فطن له الحزب وقبل بالإهانة مقابل استمراره في الوجود نسأل الله أن يجنبنا الفتن …

  • مراد
    الأربعاء 5 أبريل 2017 - 00:10

    جميل جدا أن يقرأ المرء لقيادي من العدالة والتنمية والابن البار لحركته الراشدة حركة التوحيد والإصلاح بهذا النفس الرؤيوي الواضح، والتحليل الواقعي للمشهد واللحظة

  • سباحة ضد التيار
    الأربعاء 5 أبريل 2017 - 00:20

    رهانك على حزب العدالة والتنمية رهان خاطىء ومطلوب منك التمعن في خطه المذهبي وبرنامجه السياسي وقارنه مع ماجئت به من افكار لاساتدة محترمين وسترى انك في واد والواقع السياسي المغربي في واد اخر

  • ما هي الاسس التي ...
    الأربعاء 5 أبريل 2017 - 00:40

    … تبنى عليها المجتمعات ؟
    لا أحد ينكر بأن كل إجتماع بشري لا يمكن أن يقوم إلا على موارد المعاييش ، فحيثما توفرت الأرزاق إجتمع الناس ، فلا إجتماع في الصحاري أو القطبين المجمدين.
    وبعد أن انتقلت البشرية من المجتمعات الرعوية الزراعية إلى مجتمع البحث العلمي و الإبتكارات والصناعات و الخدمات ، و صار هذا النموذج في الإجتماع هو السائد في العالم ، فليس له من بديل.
    وقع الخلاف في أواسط القرن التاسع عشر ، حول أساليب تدبير شؤون المجتمع الصناعي ، بين مذهبين : المذهب الرأسمالي الليبيرالي ، والمذهب الإشتراكي الشيوعي.
    وبعد سقوط جدار برلين و سقوط الأنظمة والمذهب الإشتراكي ، لم يبق إلا أسلوب المذهب الرأسمالي و اقتصاد السوق وتشجيع المبادرة الحرة.
    في الديموقراطيات الغربية ليس هناك حزب من الأحزاب المتناوبة على السلطة يدعو إلى استبدال النظام الليبيرالي القائم ، حيث أن الخلافات بين حزبي المحافظين و العمال في بريطانيا أو الجمهوري و الديموقراطي في الولايات المتحدة ، ليست جوهرية.
    بينما نلاحظ ان مذاهب الأحزاب عندنا متناقضة وقد يقوض بعضها التوازنات القائمة إذا مكنتها الإنتخابات من الوصول إلى الحكم.

  • ما هو مشروع المجتمع
    الأربعاء 5 أبريل 2017 - 01:49

    … الذي يريد كل فاعل سياسي بناته؟
    مشروع المجتمع الذي تسعى الدولة المخزنية الى بناءه في المغرب واضح فهو شبيه بمشاريع المجتمعات الحداثية التي تسعى كثير من الدول بناته مثل الصين و الهند و البرازيل وكثير من بلدان العالم مجتمع اقتصاد السوق و الحريات الفردية كما هو عليه الحال في البلدان الغربية المتقدمة. و هو مجتمع العولمة مجتمع القرن 21.المتوافق مع المصنوعات و التكنولوجيات المبتكرة الحديثة و العلوم و المعارف المتداولة عالميا.
    السؤال المطروح هو : ما هو مشروع المجتمع الذي يقترحه الفاعلون السياسيون المعارضون لدولة المخزن؟.

صوت وصورة
خصاص الكتب يرهق الأسر
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:48

خصاص الكتب يرهق الأسر

صوت وصورة
احتفالية في بيت المنصوري
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:42 6

احتفالية في بيت المنصوري

صوت وصورة
شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 18:46 7

شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح

صوت وصورة
المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية
الخميس 24 شتنبر 2026 - 15:48 11

المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية

صوت وصورة
بوعياش: ضعف المشاركة إنذار
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:37 8

بوعياش: ضعف المشاركة إنذار

صوت وصورة
ندوة حزب الأصالة والمعاصرة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:33 11

ندوة حزب الأصالة والمعاصرة