نقاشات الديمقراطيين المسيحيين في أوروبا

نقاشات الديمقراطيين المسيحيين في أوروبا
الثلاثاء 7 يوليوز 2015 - 12:24

يخطئ أنصار التيار الديني،حينما يؤاخذون على الفكر السياسي الأوروبي،موقفه السلبي من الحركات الأصولية الإسلامية،بينما جغرافية القارة العجوز نفسها، حسب قولهم،تزخر بتوجهات دينية محافظة أو يمينية تقليدية،جعلت من العقيدة المسيحية،مرجعية وغاية،لتفعيل مشاريعها السياسية.فلا يوجد اليوم بلد أوروبي،سواء كان صغيرا مثل لوكسمبورغ أو كبيرا في حجم ألمانيا،تنعدم لديه هيئات حزبية مسيحية،تنتج يوميا أشكالا من الممارسة السياسية، وتشارك في تعبئة الرأي العام.بل، الأفق العام،ينحو طبيعيا صوب السند الديني،مقابل تراجعات كبيرة للتيارات اليسارية الكلاسيكية والجديدة،منذ سقوط المعسكر الشرقي، ثم التغيرات القيمية الانقلابية، التي عاشها العالم مع هزات العولمة.الشاهد:أن أكبر مجموعة داخل البرلمان الأوروبي،منذ عام1999،ليس سوى حزب الشعب الأوروبي،صاحب المرجعية الديمقراطية المسيحية.

تأويل كهذا لدعاته،ينطوي على تقديرات فضفاضة وسريعة، تتغافل في أغلب الأحيان قصدا،عن الكنه والجوهر،والنقاش الأساس،ويبرره فقط منطق “المظلومية” الانفعالي،بناء على الشعار البكائي الجاهز :لماذا هو حلال عليهم، وحرام علينا؟.أما واقع الحال،من مختلف النواحي التاريخية والمعرفية،يؤكد وجود فارق نوعي هائل،بين الجماعات الأوروبية السياسية المتدينة،ثم حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي،من ناحية الاجتهادات التفكيرية، قصد استيعاب تاريخي للمقدس، وحدود الناسوت واللاهوت، وأساليب العمل،والأهداف،والإحاطة المعرفية الدقيقة بمفهوم المعاصرة،وملاحقة الأسئلة الحضارية،التي لاتتوقف الأجيال على طرحها،إلخ.

سواء وقفنا بنشأة الأحزاب الديمقراطية المسيحية،عند لحظة الحرب العالمية الثانية، بعد هزيمة الفاشيين والنازيين، وتطلعهم أيضا في ذات الآن لمجابهة زحف الأحزاب الشيوعية.أو، صعدنا به قليلا، عند نهاية القرن التاسع عشر،نتيجة سعي الحركات الكاثوليكية آنذاك، إلى التنبيه لوضعية البؤس التي يعانيها العمال جراء حركات التصنيع،وضرورة المبادرة لتحسين أحوالهم.أو، طوينا أكثر مسافات التاريخ، فتوخينا التحليق حتى القرون الثلاثة الأولى لنشأة المسيحية،بغية الحديث عن الاهتمام بإقامة ملاجئ ومساكن للمسنين والعجزة والغرباء…،وما كرسته كل تقاليد العمل الكنسي الشعبي في أوروبا.إذن، بغض النظر،عن إشكالية التأصيل،يظل عموما الإطار العام، لعمل الأحزاب الدينية المسيحية،هو المواطنة الديمقراطية بمقتضياتها الوجودية والحقوقية والاقتصادية.

نعم،يسعون إلى تعزيز مبادئ الأخلاق المسيحية، بين ثنايا الحياة العامة الأوروبية،لكن مع احترام حقيقي للديمقراطية،بحيث يقبلون أحيانا تشريعات إيتيقية قد تناقض روح المسيحية،إذا تبين لهم أنها تستجيب لحقوق آخرين،وتحتمها مقتضيات ومبادئ المواطنة.على سبيل التمثيل،رغم إيمان الديمقراطيين المسيحيين الألمان،بمركزية الأسرة في البناء المجتمعي،وامتثالهم لمفهوم الزواج كما حددته نصوص وتشريعات المسيحية،فإنهم مع ذلك،يحترمون الاختيارات الشخصية،لمن تبنى لنفسه شكلا آخر مختلفا لمؤسسة الزواج غير تصورها التقليدي.في المقابل،لا يتنازلون قيد أنملة، أو بالأحرى لايبدون أي تسامح، مع أبسط اختلال ولو طفيفا،قد يمس من قريب أو بعيد،ثوابت الكرامة الفردية والمسؤولية الاجتماعية والعدالة وحقوق الإنسان وفق التصور الليبرالي،في إطار المحافظة على الأخلاق والقيم المسيحية،مع استلهام مستمر لمرتكزاتها التأسيسة:الشفافية والأمانة والدفاع عن العدالة والمساواة.

يكفي أن نذكر في الوقت الراهن، نموذجا باهرا على المستوى الدولي،اسمه ألمانيا،يدير شؤون أجهزته بكل نجاح، الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، بزعامة سيدة بروتستانية تمتلك كل مقومات القيادة، هي أنجيلا ميركيل. حزب،يدعو إلى تطبيق مبادئ الديمقراطية المسيحية،وتمثل الفهم المسيحي لمسؤولية البشر أمام الله.لكن،مرجعيته الدينية تلك،لا تمنعه بتاتا،كي يضم إلى صفوفه مناضلين ملحدين،ثم يجلس الكاثوليكي إلى جانب البروتستانتي،ومتدينين بديانات مختلفة غير المسيحية،بل مسلمين،لاسيما من أصول تركية،وتدرج أسماؤهم ضمن ترشيحات قوائم الحزب الانتخابية.

الديمقراطيون المسيحيون،لايلوحون ولو همسا،بمشروع بناء الدولة الدينية أو تأكيدهم على أن المسيحية هي الخلاص النهائي للبشرية،كما أنهم لايكفرون أحدا، ولا يقذفون جماعة بالزندقة والمروق عن الدين،ولايخطر على بالهم قطعا، مصادرة الحريات الشخصية.بالتالي،حينما تجري مقارنة سريعة بين نوعية تلك الأنساق، والتحول إلى ملاحظة الضحالة التي هيمنت على يومياتنا،ينتابك ضحك هستيري.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • pourququoi le mensonge
    الثلاثاء 7 يوليوز 2015 - 21:02

    le majorite des membres du cdu disent que l'islam n'appartient pas a l'allemagne meme s'il y a 4 millions de musulmans

    je ne dit pas les derives de ces membres sur l'islam ,il y en a plein

    la pologne avec leur parti chretien accepete juste des chretiens d'orient

    sans parler de l'ump et ses derives

    tu connais vraiment rien sur le sujet

    sans parler de ces associations en egypte par exemple ,qui sponsorise les partis laiques dans presque tous les pays musulmans

    l'islam politique fait partie de l'islam ,si t'es pas musulman tu peux partir un billet aller simple en allemagne

    la meme chose en italie , en espagne

    en europe ,se sont plus les socialistes et les verts qu'on une vision humaniste et non descriminatoire
    par rapport aus musulmans

    et qui les considerent comme des vrais citoyens

  • Aziz aus Wuppertal
    الجمعة 10 يوليوز 2015 - 18:05

    بإعتباري أقيم منذ 2003 بألمانيا أتمن ماكتبه صاحب المقال. تحليل صائب يدل لى إحاطة بمجريات الحياة السياسية الألمانية.
    فيما يخص صاحب التعليق رقم 1 أعقب:
    نعم قد يكون عدد المشلمين بألمانيا 4 ملايين أو أكثر من 84 مليون نسمة . لكن لاتنسى أن معظمهم أجانب أو ذو أصول أجنبية ومنهم من لا ويتوفر على الجنسية الألمانية…
    نعم ال CDU يصرح أن الإسلام لاينتمي لألمانيا…والمقصود بذلك الإنتماء التاريخي والثقافي رغم ذلك تتمتع هذه الأقلية بجميع حقوقها الدينية والمدنية، حقوق لا توفرها الدول الإسلامية لرعاياها من جاكارتا إلى طنجة.

صوت وصورة
بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 20:19

بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"

صوت وصورة
نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 17:54

نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع

صوت وصورة
خصاص الكتب يرهق الأسر
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:48

خصاص الكتب يرهق الأسر

صوت وصورة
احتفالية في بيت المنصوري
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:42

احتفالية في بيت المنصوري