هل إسبانيا عنصرية؟

هل إسبانيا عنصرية؟
الإثنين 18 ماي 2026 - 17:07

هذا السؤال، المطروح مباشرة بصيغته الحادة في العنوان، كما طرح على، يحتاج إلى كثير من التمحيص وإعمال الفكر؛ فالسؤال عن كون إسبانيا عنصرية أم لا ليس سؤالاً يمكن أن يكون جوابه أبيضا أو أسودا.

فإسبانيا، خلافاً لبعض الصور النمطية، ليست دولة بُنيت على الفصل العنصري أو على التمييز المؤسسي بوصفه قانوناً. لكنها، مثل كثير من المجتمعات الأوروبية، بل وحتى غير الأوروبية، تعيش تناقضاً واضحاً بين خطاب ديمقراطي وحقوقي من جهة، وممارسات تمييزية يومية يتعرض لها بعض الأجانب من جهة أخرى.

والإنصاف يقتضي القول إن إسبانيا ليست دولة عنصرية في جوهرها، لكن ذلك لا ينفي وجود مواطنين إسبان يمارسون العنصرية في تعاملهم مع الأجانب، أو قوى سياسية تتخذ من الخطاب العنصري أداة لتحقيق أهداف انتخابية أو اجتماعية. والمشكلة ليست فقط في وجود هؤلاء، بل في طريقة تعامل المجتمع معهم، وفي تحوّل العنصرية من مواقف فردية معزولة إلى خطاب سياسي يجد من يغذّيه ويطبع وجوده في المجال العام. كما ينبغي عدم الخلط بين العنصرية وبين الخوف التاريخي العميق من المغرب والمغاربة.

بين الواقع والإحصاء: ماذا يقول الإسبان عن أنفسهم؟

تشير دراسة لمنظمة «أوكسفام إنترمون» إلى أن 79% من الإسبان يعترفون بأن المهاجرين يندمجون ويساهمون في الاقتصاد، بينما يمنح الإسبان أنفسهم معدل 2.5 من أصل 10 فقط من حيث العنصرية، في حين يقيّمون مجتمعهم بـ5.9 من 10. وهذا يعني أنهم يعترفون بوجود المشكلة دون اعتبارها سمة عامة للمجتمع. كما عبّر 73% منهم عن قلقهم من تنامي العنصرية، وهو مؤشر على وعي داخلي متزايد.

هذا التناقض يعكس الحالة الإسبانية بدقة: مجتمع لا يريد أن يكون عنصرياً، لكنه يسمح أحياناً لخطاب الكراهية بأن ينمو تحت عينيه.

شهدت السنوات الأخيرة أحداثاً مؤلمة، من بينها اعتداءات في مرسية بتحريض من حسابات يمينية متطرفة، وإهانات عنصرية في الملاعب ضد فينيسيوس جونيور، وتدنيس مسجد في طليطلة برسومات نازية، إضافة إلى أحداث بلدة توري باتشيكو صيف 2025، التي تحولت إلى مواجهة بين جماعات متطرفة ومهاجرين.

هذه الوقائع توحي بوجود تمييز حقيقي ضد الأجانب، وتؤكد أيضاً أن الأمر لم يعد مجرد “حالات فردية” حين تجد تلك الممارسات من ينظمها ويحرّض عليها. لكن، في المقابل، هناك ملايين الإسبان الذين وقفوا ضد هذه الممارسات، وجمعيات مدنية يصعب حصرها، ومؤسسات قضائية أصدرت أحكاماً ضد المعتدين، كما حدث في قضية اللاعب عمر الهلالي.

إسبانيا ليست عنصرية، لكن عنصرييها، على قلتهم، أصبحوا أكثر تنظيماً وجرأة.

خصوصية العنصرية في إسبانيا: الماضي الأندلسي وصورة “المورو”

للعنصرية في إسبانيا خصوصية تاريخية وثقافية. فالعلاقة المعقدة مع الماضي الأندلسي، وصورة “المورو” المتجذرة في الذاكرة الجماعية، ما تزال تؤثر، بوعي أو بغير وعي، في تمثلات جزء من المجتمع تجاه العرب والمسلمين.

لهذا فإن بعض أشكال الرفض لا ترتبط فقط بالهجرة، بل أيضاً بتاريخ طويل من الصور المتبادلة والخوف المتراكم.

وهذا الإرث يفسر لماذا يكون المغاربة، وهم أكبر جالية أجنبية في إسبانيا، في قلب الاستهداف الشعبوي كلما حدثت أزمة اقتصادية أو أمنية. فوفقاً لأحدث معطيات المعهد الوطني للإحصاء في إسبانيا، يقيم حالياً نحو 970 ألف شخص يحملون الجنسية المغربية، مما يجعل الجالية المغربية الأكبر في البلاد. وإذا أضيف إليهم الإسبان من أصل مغربي الذين حصلوا على الجنسية الإسبانية، فإن العدد يتجاوز 1.1 مليون شخص من المولودين في المغرب أو المنحدرين من أصل مغربي المقيمين في إسبانيا، أي أكثر من عدد سكان بعض الدول العربية.

اليمينان في إسبانيا: التقليدي والشعبوي العابر للحدود

لا يمكن فهم تصاعد العنصرية في إسبانيا دون التمييز بين نوعين من اليمين:

الأول هو اليمين التقليدي المحافظ، الذي كانت تمثله تاريخياً بعض أطراف الحزب الشعبي والتيارات الكاثوليكية المحافظة. هذا اليمين يركز على الهوية الإسبانية المسيحية، ويدافع عن التقاليد والقيم الوطنية. وعنصريته، حين تظهر، تكون غالباً دفاعية، مرتبطة بالخوف من الذوبان الثقافي، وأقل صخباً وعنفاً.

أما الثاني فهو اليمين الشعبوي العابر للحدود، الذي يمثله حزب «فوكس» بشكل أساسي. وهذا اليمين الجديد ليس وطنياً بالمعنى الكلاسيكي، بل جزء من تيار أيديولوجي عالمي ينسجم مع نظائره في فرنسا وإيطاليا وألمانيا والمجر. إنه يستبدل مفهوم “الوطن” بفكرة “الحضارة المسيحية الغربية” المهددة من الإسلام والهجرة.

خطابه ليس دفاعياً، بل هجومياً وشعبوياً، إذ:

يربط المهاجرين مباشرة بالجريمة وانعدام الأمن.

يحوّل القاصرين غير المرافقين إلى مادة دعائية.

يستثمر الخوف من الإسلام لصناعة “عدو مشترك” يوحّد قاعدة انتخابية عابرة للحدود.

هذا اليمين هو الذي منح شرعية لخطاب كان يُعتبر من المحرمات، وساهم في تطبيع لغة إقصائية داخل الإعلام والسياسة.

الوجه الآخر: إسبانيا المتضامنة

لكن إنصاف الحقيقة يقتضي أيضاً الاعتراف بأن إسبانيا تمتلك:

منظومة قانونية تُعد من الأكثر صرامة في أوروبا ضد جرائم الكراهية.

هيئة مستقلة للمساواة في المعاملة أُنشئت سنة 2025.

مجتمعاً مدنياً حياً يقاوم يومياً خطاب الكراهية.

تجربة اندماج واقعية نجح فيها أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين في الوصول إلى الجامعات ومراكز القرار.

إسبانيا ليست دولة “أبارتايد” رغم بعض الحملات المرتبطة بموقف الحكومة الإسبانية من بعض الأحداث العالمية الحالية مثل قضتي فلسطين وإيران، وليست دولة عنصرية في دستورها أو قوانينها أو حتى في ممارساتها الإدارية. لكنها تعيش أزمة هوية على غرار كثير من الدول الأروبية وإن كانت أقلها: هل ستتمكن من حماية نموذجها التعددي، أم ستسمح لخطاب الكراهية بأن يحدد مستقبلها؟

الخلاصة: المشكلة ليست في وجود العنصرية فقط

العنصرية موجودة في إسبانيا، كما هي موجودة في كل مكان إذا استثنيا مملكة أفلاطون. وهي حقيقة يواجهها المهاجر العربي واللاتنيني و الإفريقي يومياً. لكنها ليست قدراً محتوماً، ولا سمة جوهرية للمجتمع الإسباني.

المشكلة الحقيقية تكمن في:

تحويل الحوادث العنصرية إلى “حالات فردية” لتبرير الصمت.

صعود يمين شعبوي عابر للحدود جعل من الكراهية برنامجاً سياسياً.

تمييع المسؤولية بين مؤسسات تريد محاربة العنصرية وسياسات حدودية متناقضة.

إسبانيا ليست عنصرية، لكنها تعاني أحياناً من الصمت، وأحياناً أخرى من تصاعد خطاب الكراهية.

والسؤال الحقيقي ليس: هل إسبانيا عنصرية؟ بل: هل ستنتصر إسبانيا المتضامنة والتعددية على إسبانيا الخائفة التي يحرّضها اليمين الشعبوي؟ العنصرية ليست قدرا، لكنها أيضا لا تختفي لا بتضخيمها ولا بالصمت عنها، بل بطرقها للنقاش العمومي العقلاني وبالمقاربة المتعددة الجوانب والأبعاد بما في ذلك البعد الاجتماعي والتربوي والإعلامي والسياسي والقانوني والقضائي.

-جامعة الأوطونوما

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • MC
    الثلاثاء 19 ماي 2026 - 00:19

    “El fascismo se cura leyendo y el racismo se cura viajando”
    “الفاشية تُعالج بالقراءة، والعنصرية تُعالج بالسفر ”
    Unamuno

    “In a racist society, it is not enough to be non-racist. We must be anti-racist”
    ” في مجتمع عنصري، لا يكفي أن تكون غير عنصري. يجب أن تكون مناهضاً للعنصرية.”
    A Davis

    “Le racisme est bien l’infirmité la plus répugnante parmi les diverses laideurs de l’humanité”
    ” العنصرية عاهة مقززة حقاً، وهي أقبح عيوب الإنسانية.”
    M Claire

    أستاذي،
    أحييك على هذا التحليل العميق والمنصف الذي يضع الإصبع على الجرح، فتشخيصك الدقيق للتناقض الإسباني بين بيئة ديمقراطية حاضنة وصعود شعبوي عابر للحدود يمثل عين الحقيقة، وأرى شخصياً أن الرهان الحقيقي اليوم لا يقع على عاتق القوانين وحدها، بل في قدرة الوعي المجتمعي والمنظومة التربوية على تفكيك “فوبيا المورو” التاريخية وصناعة حصانة فكرية تحمي الأجيال القادمة من الانجرار خلف لغة الإقصاء الاستعراضية، لتبقى إسبانيا المتضامنة هي الأصل دائماً.
    “لا يمكن لظلام الكراهية العابرة أن يحجب نور التعددية المتجذرة في أرضٍ غذّتها شمس الأندلس”.

    ALHOCEIMA

  • amaghrabi
    الثلاثاء 19 ماي 2026 - 06:17

    أعتقد أن العنصرية غريزة بشرية وتوجد كذلك عند الحيوان لان الشخص يخاف على مصالحه ويخاف على من ينافسه في مهنته وومصادر رزقه وحتى وسائل رزقه تراه يراقب من ينافسه في حرفته ويحمل حقدا باطنا وظاهرا لمن ينافسه في تجارته ويحقق نجاحا أفضل منه وربما توجه الى وسائل خبيثة انتقامية للقضاء على مصالح منافسه وفي البعض الاحيان يقضي عليه جسديا وهذه غريزة نفسية يحملها البشر والحيوان ولكن والحمد لله اصبح الدول المعاصرة راقية في تدبير هذه الافة قانونيا واداريا واجتماعيا لان اتحاد الدولة والمنظمات الحقوقية التي تراقب هذه الافة باستمرار وتقاومها عاطفيا وقانونيا لكي لا تظهر علانية في المجتمعات الراقية التي تعمل نخبها على تحقيق مبدأ المواطنة الذي يحافظ على جميع الحقوق البشلرية وبالتالي في الدول الغربية هذه العنصرية تبقى محاصرة

  • زيدون
    الجمعة 29 ماي 2026 - 17:46

    ليست عنصرية إلا مع ما يسمونه بالمورو، هنا توقف وتنهد لترى بقايا القرون السالفة عالقة في مخاخهم كدرن لا ينمحي عند الكثيرين خاصة الدغماء الشعبية المتخلفة ثقافيا. هذه لا زالت في ثقافة حروبها الصليبية تماما .

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ23 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45

سعر الدجاج بـ23 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32

صقور السعودية في سماء مراكش

صوت وصورة
لشكر وحكومة المنصوري
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:57

لشكر وحكومة المنصوري

صوت وصورة
جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:37

جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء