أعيد صياغة السؤال بشكل أكثر وضوحا. هل سيصوت المغاربة على الأحزاب والأفراد الذين يقدمون القضية الفلسطينية على القضايا الوطنية في الانتخابات المقبلة؟ وهؤلاء البكّاؤون على القضية الفلسطينية أصبحوا معروفين، يشار إليهم بالبنان. منهم صدأ متبقٍ من ضجيج القومية العربية، أقصد هذا اليسار المريض بالتزام إيديولوجي قديم، يعتقد معه أن هذا الالتزام قادر على منحه مصداقية أخلاقية دالة على ضمير إنساني لا يموت. هو حال اليسار وحال نسبة كبيرة من الكتاب المغاربة، الذين لعب اتحاد كتاب المغرب بعواطفهم فجعلهم ملتزمين بما لا يلزم، منذ أن وضع حزب يساري مغربي يده على هذا الاتحاد.
ومنهم هؤلاء الذين يخلطون أوراق الدين بالسياسة، ويجعلون القضية الفلسطينية خامس أركان الإسلام وفريضة غائبة يجب إحضارها واستحضارها في كل صلاة وكل خطبة وكل زعم سياسي. أشخاص وأحزاب، كلها خرجت إلى الشوارع ضد التطبيع بمنهجية ليّ الدراع، وقد رشَحَ الكثير من خطاباتهم المعادية للتحول الاقتصادي الوطني الهائل بعداء واضح لبلادهم ولقضية وحدتنا الترابية. حاصروا ميناء طنجة المتوسط وهو يعرفون القفزة التي حققها هذا الميناء وما يجاوره من استثمارات في صناعة السيارات وغيرها، وهم يعرفون ما وراء الأكمة.
هؤلاء وغيرهم هم الذين عادَوْا تنظيم كأس العالم وفضلوا عليه العودة إلى دعم المواد الأساسية، هم الذين يعادون بناء الطرق السيارة والقطار فائق السرعة والملاعب والسياحة وغيرها. وقد ترجم جيل زد المزور هذا التوجه بأمان.
هي جماعة معينة من المغاربة الذين ينوون ممارسة حقهم الانتخابي في الشهر المقبل، لكي يدخلوا البرلمان أو يسيطروا على الجماعات المحلية في الانتخابات الجماعية، فكيف يكون حال المغرب إذا أصبحت فلسطين أغلبية في البرلمان والجماعات المحلية؟
كارثة الكوارث. هذا الضجيج المعادي لمصالح الوطن لن يبقى محصورا في الشوارع والشبكات الاجتماعية وإنما سيصبح شرعا رسميا في مؤسساتنا التشريعية والجماعية.
الأحزاب والأشخاص يستعدون هذه الأيام للانتخابات، ويظهر أن معيار الاستقامة والنزاهة لا يلفت إليه الأنظار، وكأن التزكيات خرجت عن السيطرة وهربت عند من يستطيع أن يضمن مقعدا في البرلمان. فقيرا أو غنيا مشهورا أو مغمورا، صاحب سوابق أو ولدته أمه في خرقة بيضاء، لا يهم. ونحن بذلك نواجه خطرا متعددا، خطر الغارقين في صدأ اليسار الجامد وخطر القوميين من اليسار واليمين وخطر تجار الدين بجميع ألوانهم، المشاركين والمتبرئين من العمل السياسي على حد سواء. إذا لم ينتبه الناخب المغربي إلى هذه الأخطار فإنه ليس من المستحيل رؤية أنصار حماس أو حزب الله أو إيران أو البوليساريو يوجهون أسئلة شفهية إلى وزير الخارجية أو الداخلية أو رئيس الحكومة نفسها حول التطبيع ومعاداة مؤيدي قضية فلسطين المقدسة، حتى ولو كانوا كوبيين أو كوريين شماليين أو غيرهم.
لقد رأينا منعدمي الحس الوطني يخرجون بلا حياء إلى الشوارع والطرقات حاملين أعلاما أجنبية وقضايا غريبة عن وطننا، هؤلاء الذين من شدة ولائهم لقضايا ما وراء البحار يعتبرون الكلام عن الصحراء المغربية من المحرمات لأنه توأم للتطبيع في إيمانهم الراسخ، فلا يجهرون به أبدا.
إذا أحس المرشحون للانتخابات أن قضية فلسطين ينظر إليها السواد الأعظم من المغاربة بعطف قومي ديني معتدل دون طبالين ولا غياطين ولا حناجر مبحوحة ولا كوفيات منافقة، فإنهم سيُغَيّبون هذه القضية ريثما يضمنون مقعدا في البرلمان. وحين يتمكنون من هذا المقعد سيرجعون إلى المزايدة على هذه القضية كما كانوا من قبل. فهل سيصوت المغاربة على المغاربة أم على الفلسطينيين؟
تصوير المظاهرات والاحتجاجات ضد التطبيع أو ضد بعض السياسات الاقتصادية وكأنها دليل على «خيانة الوطن» أمر خطير. المواطن في المجتمع الديمقراطي له الحق في الاحتجاج وانتقاد الحكومة، حتى عندما يختلف معها في قضايا استراتيجية أو اقتصادية. والأكثر هو أن يُتَّهم من يطالب بأولوية أكبر للصحة والتعليم والمواد الأساسية، أن يُتَّهم بمعاداة المغرب.
الاختلاف حول الأولويات لا يعني العداء للمغرب ومعارضة سياسات الحكومة ليست خيانة.
المغاربة الذين يساندون فلسطين وكأنهم خطر على الدولة أو «فلسطين داخل البرلمان»، فإنه لا ينتقد الأفكار وإنما يخوف المواطنين من مواطنين آخرين. كما هو الشأن في كل الدول الديموقراطية يُفترض في البرلمان المغربي أن يمثل تعدد الآراء . وإذا انتخب المواطنون نوابا يريدون مساءلة الحكومة حول التطبيع أو فلسطين أو السياسة الخارجية، فهذا ليس احتلالا للبرلمان من طرف قضية أجنبية، بل ممارسة للعمل البرلماني. الديمقراطية لا تعني أن يوافق الجميع على رأي واحد، بل أن يتمكن المختلفون من التعبير عن مواقفهم داخل البرلمان.
الوطنية لا تعني تأييد خيارات اقتصادية وسياسية معينة، ومن يختلف معها يصبح موضع اتهام بعدم الوطنية. من حق المغربي أن يرى أن مصلحة بلده تكمن في سياسة مختلفة. يمكن لشخص أن يؤيد التنمية الاقتصادية ويطالب في الوقت نفسه بالعدالة الاجتماعية. ويمكنه أن يدعم بعض علاقات المغرب الدولية ويعارض أخرى. ويمكنه أن يكون وطنيا وأن ينتقد الحكومة بشدة. الوطنية ليست ملكية حصرية لأي تيار سياسي. ومن يتوفر على قدر من الوطنية يجب أن يحترم حق المغربي في الاختلاف، لا أن يشكك في وطنيته.
السؤال الحقيقي ليس: «هل يصوت المغاربة للمغاربة أم للفلسطينيين؟» بل: لماذا يطلب من المغربي أن يُلغي ضميره؟ يمكن للمغربي أن يحب بلده ويدعم فلسطين، وأن يعارض التطبيع دون أن يكون كارها لوطنه، وأن يهتم بالمشاكل الداخلية وفي الوقت نفسه يهتم بما يحدث خارج المغرب. الديمقراطية تقوم على تعدد الآراء، لا على تصنيف المواطنين إلى «وطنيين» و«خونة». ومن يحب وطنه لايخوف الناخب المغربي من خصومه الأيديولوجيين ؛ بل يقنعه بالحجة والبرهان، إذا كانت له حجة وبرهان.
اتعجب لمن مازال بالمغرب يناهض التطبيع والاسبوع الماضي جلست منظمة السوء حماس مع المخابرات الاسراءيلية وعلنا وتداولتها قصاصات الاخبارولو بعد حين بعدما كانت السبب في تدمير غزة من طرف المجرم نتنياهو.لذا اتساءل هل هو دفاع عن الفلسطنيين ام طارت معزة ضد الحكم بالمغرب.
عندما يصور المقال المغاربة الذين يساندون فلسطين وكأنهم خطر على الدولة أو «فلسطين داخل البرلمان»، فإنه لا ينتقد الأفكار وإنما يخوف المواطنين من مواطنين آخرين.
كما هو الشأن في كل الدول الديموقراطية يُفترض في البرلمان المغربي أن يمثل تعدد الآراء . وإذا انتخب المواطنون نوابا يريدون مساءلة الحكومة حول التطبيع أو فلسطين أو السياسة الخارجية، فهذا ليس احتلالا للبرلمان من طرف قضية أجنبية، بل ممارسة للعمل البرلماني. الديمقراطية لا تعني أن يوافق الجميع على رأي واحد، بل أن يتمكن المختلفون من التعبير عن مواقفهم داخل البرلمان.
كل من عرف عليه انه يقول : ” غزة قبل تازة ” لا يستحق اصوات الناخبين المغاربة الوطنيين المحبين لبلدهم مهما كانت اتجاهاته السياسية ولا برامجه الانتخابية !