وباء الانقلابات العسكرية..!

وباء الانقلابات العسكرية..!
الأحد 14 ماي 2023 - 09:37

باستعراضنا لكرونولوجيا “Chronology” الأحداث والوقائع التاريخية التي وسمت السياسة العامة لدى بعض البلدان؛ بداية أواخر القرن التاسع عشر وحتى بداية القرن الواحد والعشرين؛ سنقف حتما على أهوال وكوارث إنسانية وصور في منتهى الفظاعة؛ أسفر عنها تدخل القوات العسكرية، بالعديد من الدول التي كانت أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية تتجاذبها توترات واحتجاجات عارمة، تدخلات ترمي إلى محاولة اغتصاب السلطة تحت ذرائع شتى، يمكن إيجازها في تبييت نية الطمع والهيمنة على مقدرات البلاد.

وقد أكدت التحليلات السياسية جد معمقة “More deeply” أن انعدام التوافق والانسجام، وأحيانا الثقة بين الكتل السياسية؛ لا سيما المدنية منها والعسكرية، وفي آن هشاشة البناء الديمقراطي؛ يفضي حتما إلى فوضى واضطرابات وارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي، وهي البيئة الطبيعية التي تتحرك فيها الأطماع لاغتصاب السلطة.

ولو عدنا؛ بقليل من التأمل؛ إلى الأنظمة العربية، بدءا بالسلالات الأولى الحاكمة وانتهاء بعهد الدويلات وجلاء الاستعمار عنها، لألفينا “الطابع الدموي” طاغيا على تسلسلها التاريخي السياسي، ومن ثمة، كان مفهوم السياسة من منظور الحاكم العربي؛ مرادفا للقوة والقمع والهيمنة وبسط النفوذ وقمع الحريات العامة والتصفيات الجسدية والنفي.. كان من نتائجها المباشرة توالي الانقلابات العسكرية والتي لم تنج منها بالكاد أي دولة، حتى ولو جاء انقلابها العسكري في صورة “انقلاب سياسي أبيض”.

عسكرة الاقتصاد الوطني

ترسيخا لهيمنة الجيش واقتحامه للقطاعات الاقتصادية، لجأت بعض الأنظمة العربية إلى منح الجيش/العسكر صلاحيات واسعة في خلق شركات إنتاجية وإبرام شراكات متعددة الجنسيات، سواء لتصريف السلع وطنية الإنتاج أو التصدير والاستيراد، ولها نفوذ سياسي واسع النطاق، سواء في المجالس المنتخبة أو المؤسسات التشريعية، وامتد ليشمل القطاعات المصرفية والخدماتية حتى إلى داخل الأسواق الصغرى، تحمل في ظاهر تعريفاتها صفة “مدنية”، لكن في عمقها ومصدرها عسكرية. ولعل أبرز الأمثلة؛ في هذا السياق؛ الجزائر ومصر وسوريا والسودان إلى حين؛ على المستوى العربي؛ ودول غرب إفريقيا التي يحتفظ لها التاريخ الحديث بنحو 200 محاولة انقلاب عسكرية منذ استقلالها.

الأمم المتحدة والانقلابات العسكرية

في العديد من جلسات مجلس حقوق الإنسان، صرح الأمين العام الأممي غير ما مرة “بأن الانقلابات العسكرية ليس لها مكان في عالمنا الحديث”. وأوضح معهد الولايات المتحدة للسلام؛ في وثيقة أعدها سنة 2021؛ “بأن كان هناك 8 ثمانية ملايين لاجئ ومشرد داخلين وعائدين وعديمي الجنسية في غرب إفريقيا، مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو… جراء جحيم الانقلابات العسكرية والتطاحن على السلطة”، ويلاحظ أن التنديد والشجب والرفض هي الصفة العامة التي تتسم بها مواقف معظم الدول والحكومات في أعقاب تولي العسكر زمام الأمور على أرض ملتهبة بالتطاحنات العسكرية.

الانقلابات بين الأبيض والأسود!

شهد العالم الحديث؛ كما لمحنا صورا مروعة لتدخلات الجيش؛ في محاولة الاستيلاء على السلطة، بعزل أو نفي رؤسائه بدول عديدة، منها ما يتم بشكل مفاجئ وبترتيبات محكمة للحيلولة دون إراقة دماء كانقلاب تركيا العسكري سنة 2016، وهو انقلاب يوصف “بالأبيض” لم يعمر أكثر من بضع ساعات.. وتم إفشاله من قبل الجماهير الشعبية التي رفضت الانصياع لأوامر بعض ضباط الجيش التركي، وهناك؛ في المقابل؛ انقلابات عسكرية جعلت من “استعمال السلاح” أداتها الوحيدة في عزل الرئيس أو التصفية الجسدية للمحيطين به، ولخلل في حساباتها، تتمخض عن هذه الانقلابات؛ وبهذه الصور الدموية؛ فواجع وكوارث إنسانية، تنزلق أحيانا إلى فوضى ودمار ونهب، وظهور أطراف أخرى متناحرة، بإيعاز من جهات خارجية أو خلايا لتنظيمات إرهابية كانت نائمة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • حينا بعد حين ...
    الأحد 14 ماي 2023 - 17:13

    الدولة المدنية والتداول السلمي للسلطة لايمارسها الضعفاء أو المتخلفون لأن التغيير يحتاج لتعليم على المواطنة يبتدأ من المنزل الى المدرسة إلى المجتمع . التداول السلمي للسلطة لايكون الا في المجتمعات التي يحس فيها المواطن أن حق جاره واجب وليس منة ، وان إسعاد الآخر أولى من إسعاد النفس ، وأن الوطن أمانة وليس ضيعة لإستعباد البشر . المواطن الحر هو الذي يؤذي حقوق غيره من المواطنين بإنصاف قدر استطاعته ، وهو الذي يكون سعيدا إذا رأى غالبية من تحيط به سعيدة . التوزيع العادل للثروات ومحاربة الفساد وتضييق هامش الهوة بين جحافل الفقراء وذوي الدم الازرق كفيل بأن يقود مجتمعاتنا المتخلفة بعد سنوات إلى إرهاصات ما قبل الدمقراطية . والى ان يحين ذالك اليوم سوف نصيح ارحل اخنوش كما كنا نقول للسابقين قبله وسوف نستمر ونستمر إلى أن تصبح البلاد على الطريق ساعتها سوف لن نحتاج إلا لبعض عمال الصيانة يعيدون التعبيد حينا بعد حين .

  • تعليق 1
    الأحد 14 ماي 2023 - 18:32

    صوت الحق يعلو ولا يعلى عليه ، فالانقلابات العسكرية شهدت الدول العربية نسبة كبيرة منها ، وكلما كانت الديموقراطية هشة في بلد ما إلا وامتدت إليه الأطماع ، لذا وجدنا معظم الأنظمة العربية تحكمها أيادي من حديد حتى لا تنفلت السلطة من بين أيديهم

  • KITAB
    الأحد 14 ماي 2023 - 21:03

    هذه آفة سياسية كبيرة يعاني منها المجتمعات العربية خاصة ، وهي اغتصاب السلطة عن طريق القوى العسكرية ، حينما تجد البيئة السياسية مناسبة ، لكن المتضرر الأكبر منها هي الشعوب سيما حينما تتطاحن قوات مع أخرى موالية لطرف ما ، فتختنق قنوات التواصل والتوافق ، ويشيع النهب والتخريب في كل أوصال المؤسسات ، ولا غرو أن الدول الإفريقية لها قدم راسخة في هذه الظاهرة ، وهي عموماً ظاهرة تكشف هشاشة المؤسسات وجنوح القوات الأمنية إلى القمع وسلب الحريات ، ليت منظمة الأمم المتحدة تصر قرارا تاريخيا بمناهضة كل حركة عسكرية تسعى إلى اغتصاب السلطة ، وفي آن الاتفاق على عدم الاعتراف بشرعية العسكر إذا وصلوا إلى سدة الحكم ، سلمات

  • عسكرة الاقتصاد
    الإثنين 15 ماي 2023 - 10:26

    هذا أمر مهم ، كم هي البلدان التي تحكمها القوات العسكرية تلجأ إلى ترسيخ وغلغلة وجودها داخل البلاد باللجوء إلى جعل كل الأسواق والمؤسسات الاقتصادية تحت سيطرتها ، وهو موجود بالفعل في بعض الأنظمة العربية

صوت وصورة
الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 11:07

الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات

صوت وصورة
أزمة النقل في أورير وتامراغت
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 23:30

أزمة النقل في أورير وتامراغت

صوت وصورة
ملعب هسبريس | لسعد الشابي
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:30

ملعب هسبريس | لسعد الشابي

صوت وصورة
أول الفهم | مصطفى المعتصم
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:00

أول الفهم | مصطفى المعتصم

صوت وصورة
أساتذة التعليم الأولي يحتجون
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 19:15

أساتذة التعليم الأولي يحتجون

صوت وصورة
مضامين التزامات حكومة المنصوري
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 18:38

مضامين التزامات حكومة المنصوري