وزارة الذكاء الاصطناعي ليست ترفا؟

وزارة الذكاء الاصطناعي ليست ترفا؟
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:45

ما إن أعلنت تشكيلة حكومة فاطمة الزهراء المنصوري حتى تساءل بعضهم في مختلف السياقات والمنصات، بنبرة لا تخلو من سخرية، عن جدوى وزارة تحمل اسم «الذكاء الاصطناعي». غير أن نظرة إلى ما تفعله الدول التي سبقتنا تكشف أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا الآن؟ بل: لماذا تأخرنا إلى الآن؟

لم تكد مراسيم تعيين الحكومة الجديدة تنتهي يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 حتى امتلأت خانات التعليق على هذا المنبر بعبارات الاستغراب: ما حاجة بلد ما يزال يبحث عن حلول لمعضلات التشغيل والصحة والتعليم إلى وزارة «للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة»؟ وذهب بعضهم إلى عدّ إسناد هذا القطاع إلى وزير، مع وزيرة منتدبة لديه، ضربا من تبذير المال العام.

ليس القصد هو الاستخفاف بهذه الأصوات؛ فهي تعبّر في جانب منها عن تعب مشروع من حقائب تستحدث ثم لا يرى لها أثر. لكنها، في جانبها الآخر، تصدر عن تصوّر يحسب الذكاء الاصطناعي ترفا تقنيا تنشغل به الدول الغنية بعد أن تفرغ من مشاكلها، والحال أنه صار أداة لحل تلك المشاكل نفسها. وأطروحتي في هذا المقال بسيطة: إن تخصيص وزارة كاملة لهذا القطاع ليس سفرا في الثقب الأسود وغرق في المجهول، بل استدراك لتأخر تراكم لعقود، وإن الدول التي تتصدر المشهد اليوم لم تبلغ ما بلغته إلا لأنها جعلت الملف شأنا مؤسساتيا قبل أن يكون شأنا تقنيا.

اقتصاد يعاد رسمه

قبل استعراض التجارب للقارئ الكريم، تجدر الإشارة إلى حجم الرهان. فقد قدّرت مؤسسة «برايس ووترهاوس كوبرز» منذ 2017 أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف إلى الاقتصاد العالمي نحو 15.7 تريليون دولار في أفق 2030، ثم قدّرت «ماكنزي» سنة 2023 أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده قد يضيف ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار سنويا، أي ما يقارب أن يضاف إلى العالم كل عام اقتصاد دولة متقدمة بأكملها.

وليست هذه الأرقام مجرد تكهنات استشارية؛ ففي أكتوبر 2024 منحت مناصفة جائزة نوبل للكيمياء لمطوّرَي نظام «ألفافولد» الذي مكّن، بواسطة الذكاء الاصطناعي، من التنبؤ ببنية البروتينات، وهي مسألة استنزفت جهود المختبرات نصف قرن، وفي الأسبوع ذاته منحت جائزة نوبل للفيزياء لرائدين من رواد الشبكات العصبية الاصطناعية. ومنذ ذلك الحين صارت الجزيئات الدوائية المصممة بمساعدة الخوارزميات تشق طريقها نحو التجارب السريرية، واختصرت مراحل بحثية كانت تستغرق سنوات اختصارا ملموسا.

معنى ذلك أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعا بين القطاعات، بل صار بنية تحتية تمر عبرها الصحة والفلاحة والصناعة والعدالة والتعليم. ومن يتعامل معه بوصفه ملفا ثانويا يدار من مكتب في زاوية وزارة أخرى، إنما يقرر سلفا أن يظل مستهلكا لما ينتجه غيره.

الخليج: حين تسبق المؤسسة النتيجة

لنبدأ بالإمارات، لأنها تقدم الجواب الأوضح على سؤال المستغربين. ففي أكتوبر 2017 عيّنت أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي في العالم، وكان شابا في السابعة والعشرين من عمره. يومها تساءل كثيرون أيضا عن جدوى المنصب، لكن ما تلاه كان أبلغ من كل جواب: استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي في أفق 2031 أعلنت سنة 2017 وصدرت وثيقتها المفصلة سنة 2019، وفي السنة نفسها أحدثت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أول جامعة للدراسات العليا والبحث متخصصة كليا في هذا الحقل، ثم نموذج لغوي وطني («فالكون») دخل منافسة النماذج العالمية، ومشاريع ضخمة لمراكز البيانات بشراكة مع كبريات الشركات الأمريكية. وخطت الإمارات خطوة لافتة حين أعلنت أن «المنظومة الوطنية للذكاء الاصطناعي» ستصبح، ابتداء من يناير 2026، عضوا استشاريا في مجلس الوزراء وفي مجالس إدارة الجهات الاتحادية. لم يكن الوزير غاية في ذاته، بل نقطة ارتكاز لمسار امتد قرابة عقد.

أما السعودية، فقد اختارت صيغة مختلفة توصل إلى المقصد نفسه: هيئة وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي («سدايا») أحدثت سنة 2019 ويرأس مجلس إدارتها ولي العهد، بما يعنيه ذلك من وضع الملف في أعلى هرم القرار، ثم شركة «هيوماين» التي أطلقها صندوق الاستثمارات العامة سنة 2025 لتغطية سلسلة القيمة كاملة، من مراكز البيانات إلى النماذج اللغوية العربية. وأعلنت المملكة سنة 2026 «عاما للذكاء الاصطناعي»، وتجاوز عدد المستفيدين من مبادرة «سماي» للتكوين في البيانات والذكاء الاصطناعي مليون مواطن. والحصيلة، حسب ما نقلته تقارير عن تقرير التنمية في العالم الصادر عن البنك الدولي لسنة 2026، أن المملكة صارت ضمن الوجهات العشر الأولى عالميا في جذب الاستثمار الخاص في هذا المجال.

الدرس المشترك بين التجربتين واضح: لم تنتظر الدولتان أن تنضج السوق ثم تتدخلا، بل أنشأتا المؤسسة أولا، فكانت المؤسسة هي التي صنعت السوق والكفاءات معا.

أوروبا: الدولة الرقمية ومنطق السيادة

قد يعترض معترض بأن الخليج يملك وفرة مالية لا نملكها. فلننظر إذن إلى إستونيا، البلد الصغير الذي لا يتجاوز سكانه مليونا وثلاثمائة وستين ألف نسمة، والذي خرج من الحقبة السوفياتية مطلع التسعينيات بإدارة متهالكة. راهنت إستونيا منذ منتصف التسعينيات على برنامج «قفزة النمر» لإدخال الحواسيب والإنترنت إلى كل المدارس، ثم بنت إدارة رقمية تكاد تخلو من الورق، تتبادل فيها المؤسسات المعطيات عبر منصة موحدة. ويمثل قطاع تكنولوجيا المعلومات اليوم أكثر من 9 في المائة من القيمة المضافة في اقتصادها، حسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وحين ظهر الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تتجه إلى منعه في المدارس كما فعلت دول أخرى، بل أطلقت سنة 2025 برنامج «قفزة الذكاء الاصطناعي» لتكوين التلاميذ والمدرسين على استعماله استعمالا نقديا، بتمويل يتقاسمه القطاعان العام والخاص مناصفة. واللافت أن المنظمة نفسها نبّهت إلى تراجع إنتاجية العمل في إستونيا قياسا إلى المتوسط الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يؤكد أن التحول الرقمي مسار لا يقبل التوقف، وأن من يتوقف يتراجع ولو كان رائدا.

وفي فرنسا، الأقرب إلينا “ثقافيا وإداريا”، بدأت القصة بتقرير أعدّه عالم الرياضيات سيدريك فيلاني سنة 2018 فتحوّل إلى استراتيجية وطنية، ثم بلغت ذروتها في قمة باريس للعمل حول الذكاء الاصطناعي في فبراير 2025، حين أعلن عن تعهدات استثمارية خاصة بقيمة 109 مليارات يورو، جاء جزء كبير منها من مستثمرين أجانب في مقدمتهم الإمارات، وهو دليل على أن وضوح الرؤية العمومية يجذب الرساميل. وفي الفترة نفسها أحدث معهد وطني لتقييم أمن الذكاء الاصطناعي وسلامته. لكن الأهم من الأرقام هو منطق السيادة: فقد أبرمت وزارة الجيوش الفرنسية في يناير 2026 اتفاقا إطاريا مع شركة «ميسترال» الناشئة التي لم يتجاوز عمرها ثلاث سنوات، حتى لا تبقى قراراتها الحساسة رهينة نماذج أجنبية. فرنسا لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة إنتاجية فحسب، بل بوصفه مسألة استقلال وطني.

آسيا: حين يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة

إذا كانت أوروبا والخليج قد ركّزا على الإدارة والاستثمار، فإن الصين واليابان تقدمان صورة عن المرحلة المقبلة، حين ينتقل الذكاء الاصطناعي من الشاشات إلى الآلات.

تستحوذ الصين اليوم، حسب الاتحاد الدولي للروبوتات، على 54 في المائة من الروبوتات الصناعية المركّبة سنويا في العالم، وقد تجاوزت كثافتها الروبوتية في المصانع ألمانيا واليابان. وجعلت خطتها الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030) مما تسميه «الذكاء المتجسد» أولوية صناعية، وأطلقت وزارة الصناعة وهيئة الأصول العمومية في يونيو 2026 برنامجا يستهدف إدماج عشرة آلاف روبوت بشري الشكل في المصانع والمستودعات والمستشفيات قبل نهاية السنة. وقد تابع العالم سباق نصف ماراثون للروبوتات في بكين، ورأى كيف هزّ نموذج «ديب سيك» مطلع 2025 الأسواق المالية الأمريكية حين أثبت أن نموذجا منافسا يمكن أن يبنى بكلفة أدنى بكثير مما كان يعتقد.

أما اليابان، رائدة الروبوتات تاريخيا، فتقدم درسا من نوع آخر: درس الاعتراف بالتأخر. فقد اعتمدت سنة 2025 أول قانون خاص بالنهوض بالذكاء الاصطناعي، وأحدثت «مقرا استراتيجيا» يرأسه رئيس الوزراء لتنسيق السياسة بين الوزارات كافة، ثم صادقت في دجنبر من السنة نفسها على خطة أساسية تقرّ صراحة بأن البلاد متأخرة عن نظيراتها في الاستثمار والاستعمال، وتستهدف رفع نسبة استعمال الذكاء الاصطناعي لدى المواطنين إلى 50 في المائة ثم 80 في المائة. ويتحدث باحثون يابانيون عن «هزيمة رقمية» لا ينبغي أن تتكرر في مجال الروبوتات الذكية. فإذا كانت اليابان، بكل رصيدها التكنولوجي، ترى نفسها في موقع من يحتاج إلى الاستدراك، فبأي منطق يعدّ استحداث وزارة مغربية للقطاع ترفا؟

المغرب: من الوزارة المنتدبة إلى الوزارة الكاملة

ليس المغرب طارئا على هذا الملف. فقد أحدثت سنة 2021 وزارة منتدبة للانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، وأطلقت استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، ورقمنت أزيد من ستمائة خدمة عمومية، وظهرت معاهد «الجزري» في عدد من الجهات، وطرح هدف تكوين مائة ألف كفاءة رقمية سنويا. غير أن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن المغرب يحتاج إلى أكثر من خمسة وأربعين ألف متخصص في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات في أفق 2030، وهو رقم يكشف حجم الهوة بين ما تحقق وما يلزم.

من هذه الزاوية، يبدو الانتقال من وزارة منتدبة لدى رئيس الحكومة إلى وزارة قائمة الذات تطورا منطقيا لا قطيعة. فالوزارة المنتدبة تنسّق، أما الوزارة الكاملة فتملك ميزانيتها وأدوات تدخلها وقدرتها على حمل القطاعات الأخرى على الانخراط. وأما وجود وزيرة منتدبة مكلفة بإصلاح الإدارة، فليس ازدواجا، بل فصل بين ورش تقني بالغ التخصص وورش إداري يمسّ آلاف الموظفين والمساطر، وكلاهما يحتاج إلى من يتفرغ له.

الوجه الآخر: مخاطر لا يجوز التهوين منها

غير أن الدفاع عن الوزارة لا يعني التبشير الساذج بالتكنولوجيا. فقد قدّر صندوق النقد الدولي سنة 2024 أن قرابة 40 في المائة من الوظائف في العالم معرّضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وأن النسبة ترتفع إلى نحو 60 في المائة في الاقتصادات المتقدمة. وتنضاف إلى ذلك مخاطر التزييف العميق الذي يهدد الثقة في الصورة والصوت والخبر، والتحيز الخوارزمي الذي قد يقصي فئات بأكملها من قرض أو وظيفة أو خدمة، والمراقبة الشاملة التي تتهدد الحياة الخاصة، فضلا عن الكلفة الطاقية الهائلة لمراكز البيانات، وتركّز القوة التكنولوجية في يد عدد محدود من الشركات والدول. ولم يتردد بعض رواد هذا المجال، ومنهم أحد الحائزين على نوبل الفيزياء أنفسهم، في التحذير علنا من خطر فقدان السيطرة على أنظمة قد تتجاوز قدرات صانعيها.

وهنا بالضبط تتجلى ضرورة الوزارة. فالدول التي أحسنت الانتفاع بالذكاء الاصطناعي هي نفسها التي بادرت إلى تأطيره: الاتحاد الأوروبي بقانون يصنّف الاستعمالات حسب درجة خطورتها، واليابان بحكامة مرنة تراجع قواعدها باستمرار، وفرنسا بمعهد وطني لتقييم أمن النماذج.

والمغرب، الذي يتوفر على قانون لحماية المعطيات الشخصية ولجنة وطنية لمراقبتها، يحتاج إلى جهة تحوّل هذه الأدوات المتفرقة إلى سياسة متكاملة تحمي المواطن دون أن تخنق الابتكار. ولا يستطيع قطاع موزّع بين مكاتب متفرقة أن يحقق هذا التوازن الدقيق.

كلفة الغياب أعلى من كلفة الحضور

ليس السؤال إذن هل نحتاج إلى وزارة للذكاء الاصطناعي، بل هل نملك ترف ألا تكون لنا واحدة. فكل سنة يتأخر فيها البلد عن بناء كفاءاته وبنياته وتشريعاته تعني مزيدا من التبعية لنماذج تصمَّم بلغات وقيم ومصالح غير لغاتنا وقيمنا ومصالحنا، ومزيدا من الكفاءات التي تهاجر لأنها لا تجد مشروعا وطنيا يحتضنها.

ومع ذلك، فإن إحداث الوزارة ليس سوى البداية، وسيحكم عليها بما تنجزه بعدد الخدمات التي تصبح أيسر على المواطن، وبالكفاءات التي تكوَّن وتستبقى، وبالقواعد التي تصون الحقوق، لا بما يقال في الخطب. ومن حق المواطنين، بمن فيهم المتشككون اليوم، أن يحاسبوها على هذا الأساس. أما أن يستكثر على المغرب أن يضع هذا الملف حيث وضعته الإمارات قبل تسع سنوات، وحيث تضعه اليابان والصين وفرنسا اليوم، فذلك هو الترف الحقيقي: ترف من يظن أن الزمن ينتظر المتأخرين.

-أستاذ بالتعليم الثانوي بتطوان، باحث في القانون العام وحقوق الإنسان

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:21 3

حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تطلق "دار عوالم الكتاب"
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:08 1

أكاديمية المملكة تطلق "دار عوالم الكتاب"

صوت وصورة
المزواري يتسلم قطاع الصيد البحري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 10:30 3

المزواري يتسلم قطاع الصيد البحري

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 4

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟