سعيد يقطين يقترح "مأسسة اختصاص السرديات"

سعيد يقطين يقترح "مأسسة اختصاص السرديات"
صورة: مواقع التواصل الاجتماعي
الجمعة 4 يونيو 2021 - 10:31

قال الأكاديمي المغربي سعيد يقطين إن أي تأخر في مأسسة اختصاص السرديات “لا يمكن إلا أن يجعلنا ندور في حلقة مفرغة تتصل بالنقد الأدبي والثقافي بالطريقة التقليدية التي اشتغلنا بها لمدة طويلة جدا”.

وفي محاضرة حول “تاريخ السرديات وجغرافيتها” نظمها مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، وسيرها الباحث الحبيب الناصري، قال يقطين إن شغله الشاغل هو “السرديات”؛ لأنه يريد “تحفيز الباحثين والدارسين وفرق البحث والمختبرات والمراكز على أن تهتم جيدا بهذا الاختصاص، خاصة من المشتغلين بالأدب؛ فالسرد في كل شيء الآن، والسرديات، باعتبارها علما للسرد، صارت مُمَؤسسة في أغلب، أو كل، الجامعات العالَمية المتقدمة”.

ويذكر الباحث أن السرديات “لم تعد مرتبطة بجغرافية معينة، بل صارت عالَمية (…) لها دوريات ومواقع، ومراكز ومختبرات وجامعات، يتفاعل فيها الباحثون مع بعضهم، ويخلقون موضوعات جديدة لتطوير الفهم للسرد (…) في التراث الإنساني”، وهو ما لم يكن ليتحقق “لولا قيامها على أسس علمية”.

ويضيف سعيد يقطين: “البعد العلمي للسرديات هو الذي جعلها تتطور، أما النقد فلا يمكن أن يتطور؛ فالناقد يشتغل اليوم بكيفية، وغدا بكيفية أخرى (…) وينتقل من البنيوية إلى النقد الثقافي وغيره (…) دون أن تكون هناك سيرورة”، قبل أن يزيد: “كلياتنا لا تحتضن تخصصات علمية، بل مواد، فندرّس السرد العربي والرواية، تماما كما ندرّس الأدب العباسي أو الأندلسي، فيأخذ الطالب معلومات ويجتاز اختبارات، ولا نعلّمه الأدوات، والوعي بالسّرد بقوانينه ولا نجعله يفكّر فيه”.

ويدافع يقطين عن السرديات “باعتبارها مشروعا للتفكير، وتطوير دراساتنا الأدبية وغير الأدبية”، ويتحدث عن كتابيه الصادرين في أواخر الثمانينيات: “تحليل الخطاب الروائي” و”انفتاح النص الروائي”، قائلا إن الأول داخل في إطار السرديات الكلاسيكية، فيما يندرج الثاني والكتب التي تلته في “السرديات ما بعد الكلاسيكية”.

ويوضح المحاضر أن عمله لم يكن له أن يتطور ويأخذ هذا المسار “لولا اقتناعه بالمرحلة البنيوية”، التي كانت ترجمة كتبها والتفاعل معها، بالنسبة للعرب، أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات؛ فاختار “السرديات”، وعمل على الاستفادة مما أنجز فيها، وتطويرها من خلال الاشتغال على السرد العربي الحديث والسرد العربي القديم، وهو ما جعله ينفتح على “السرد حيثما وجد”، في الحكايات الشعبية، والتراث الشعبي، والغناء الشعبي، وأخيرا في الثقافة الرقمية.

ويذكر الأكاديمي أن “السرديات”، في مجالنا، مازالت إلى الآن شغل المهتمين بالأدب، بينما يهتم بها في الجامعات العالَمية: “الباحثون في الإنسانيات، وفي العلوم الاجتماعية، وفي الحقوق، والطب، والإعلاميات، والاقتصاد”، فـ”من يطورون السرديات اليوم ليسوا من كانوا يشتغلون بالسرد الأدبي الذي كان أساس ميلاد هذه السرديات”.

“وإذا كان نقدنا الأدبي يستفيد في مرحلة سابقة من علم الاجتماع وعلم النفس، وكنا نعتبر علم الاجتماع الأدبي وعلم النفس الأدبي والأنثروبولوجيا الأدبية مناهج أدبية، علما أنها في الحقيقة فروع لعلوم مختلفة عن الأدب، صار من الممكن الآن بالنسبة إلى الباحث الحديث عن سرديات نفسية، وسرديات اجتماعية، وسرديات رقمية… وهي سرديات يشتغل بها باحثون جاؤوها من اختصاصات غير سردية”، يردف يقطين.

ويشرح سعيد يقطين أن رسالته هي أن “السرديات لا ينبغي أن تظلّ، فقط، موضوعا نُدرّسه في بعض الكليات”، أو “منهجا من المناهج”، كما يعتبرها البعض، نُسخره لتحليل النص السردي؛ لأن “السرد في كل شيء، قديما وحديثا، ويتصل بالحياة الأدبية والحياة العامّة، والاهتمام بهذا العلم والعمل على تطويره سيقدم مساهمة جليلة لتطوير دراساتنا في مختلف العلوم، لا الأدبية فقط، بل في تخصصات عديدة، خاصة الإنسانيات والاجتماعيات والدراسات الإسلامية…”.

ويبرز الأكاديمي في هذا السياق ما تقدمه السرديات من “إمكانيات مهمة جدا في فهم التحقُّقات السردية التي نجدها في أي خطاب من الخطابات التي يُنتِجها الإنسان”، وبالتالي “رهان الدراسة الأدبية، وما يمكن أن تقدمه للاختصاصات الأخرى، رهين بأخذها العلوم الأدبية بصفة عامة، وبالأخص السرديات والسيميائيات”.

ويعود المتحدث إلى تكوّن “السرديات” قائلا إنها “علم حديث”، ومصطلحها، في حد ذاته، وليد سنة 1969، اقترحه تزفيتان تودوروف، ويعني به “العلم الذي يدرس السّرد”، في المرحلة البنيوية، بعدما كان هناك من يسميه “النظرية السردية” و”بويطيقا النثر” و”بويطيقا السرد” و”الدراسات السردية”، وما شابه ذلك.

ويسترسل يقطين شارحا: “السرديات كعلم ظهرت في المرحلة البنيوية، التي كانت ‘إبدالا معرفيا’ كان له دور كبير في الدراسات الأدبية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وأدت في الأدب إلى ظهور علمين أساسيين، هما ‘البويطيقا’ و’السيميوطيقا’، ويهتم أولهما بجمالية الخطاب الأدبي والثاني بالمعنى أو الدلالة”.

ويذكر الأكاديمي ذاته أن هذا جاء في مرحلة “البنيوية” التي قالت إن الدراسات الخارجية، في كل الظواهر الاجتماعية والإنتاجات الإنسانية، دفعتنا إلى أن نمارس تأويلا عليها، ونشتغل عليها بكيفية فيها الكثير من حضور مواقفنا الفكرية والمعرفية؛ “فنادوا بضرورة فهم هذه الظواهر في ذاتها، وفهم البنيات في ذاتها”.

هذا “الإبدال المعرفي”، جاء، وفق المحاضر، في الخمسينيات والستينيات، في ظل تطور الرواية، وتطور الوسائط الجماهيرية والعلاقات الاجتماعية وظهور خطابات متعددة، ما جعل السرد “يحتل مهمة كبيرة جدا، أدبيا وغير أدبي”؛ فاهتمت السرديات والدراسات السردية ليس فقط بالرواية والقصة القصيرة، بل بأنواع سردية “كانت تعتبر هامشية”، مثل الرواية البوليسية، ونصوص من الثقافة الشعبية القديمة، والسينما، باعتبار أن “السرد موجود في كل شيء”، بتعبير رولان بارت.

وبما أن العلوم “تتولّد عن الحوار بين المختصّين الذين تجمع بينهم خلفيات معرفية مشتركة”، كانت فرنسا موئل الحركة البنيوية، لأن باريس أتاحت فرصة للباحثين الفرنسيين من جهة، وللباحثين القادمينة خاصة من شرق أوروبا، الذين ساهموا في الإثراء، حَسَبَ يقطين.

ويضيف المحاضر: “هذا التصور أدى إلى ظهور علم السرديات، والحديث عن دراسة الخطاب السردي، وليس القصة، بتمييز بين المادة الحكائية والخطاب الذي هو الطريقة التي تقدَّم بها هذه المادة (…) لأن الخطاب هو الذي يختلف به كاتب عن آخر، ومبدع عن آخر، وإنسان عن آخر، حتى ولو كانت المادة الحكائية مشتركة؛ فكان العمل هو فهم الخطاب في حد ذاته، مكوناته، والعلاقات الموجودة فيه، والقوانين التي يمكن أن نستخرجها منه… وصارت السرديات علما قائما بذاته، له موضوعه، وأسئلته التي يؤجّل طرحها”.

هذه الأسئلة المؤجلة بدأت تظهر، وفق مداخلة الأكاديمي، في الثمانينيات، حيث طفت على السطح “مباحث توسع السرديات، أي تتجاوز الحدود المتصلة بالخطاب، إلى القارئ والسياق والمجتمع، وكل ما تم السكوت عنه أو تأجيله في المرحلة البنيوية”، لتظهر بعد ذلك في سنة 1999 “السرديات ما بعد الكلاسيكية”، المصطلح الذي اقترحه ديفيد هيرمان (…) منطلقا من أن ما تأسس في المرحلة البنيوية سرديات كلاسيكية، يقدرها، ويصفها بالتراث الكلاسيكي، الذي عليه العماد في تطوير السرديات في المرحلة “ما بعد الكلاسيكية”. وهي المرحلة المستمرة إلى الآن.

ويعرّج يقطين على “تطوير السرديات ما بعد الكلاسيكية”، في جغرافيتين، هما: أمريكا الشمالية وألمانيا؛ حيث “عاد الباحثون إلى تراثهم ما قبل البنيوي في دراسة السرد، محاولين بيان أثر الثقافة الأمريكية في السرديات”، قبل أن يجدد التذكير بأن “السرديات” نتاج سيرورة منذ “الشكلانيين الروس” في العشرينيات، وجاءه باحثون من اختصاصات أخرى، في عدد من أنحاء العالم، يُكَوِّنون أنفسهم في هذا العلم؛ “وبذلك يمكن أن يطوروا اختصاصهم وهو يضيف إليه هذه السرديات”.

ويرى الأكاديمي سعيد يقطين أن هذا المسار: “هو ما يمكن لدراستنا الأدبية، خاصة الأكاديمية، أن تتبناه؛ لأنه هو الذي سيجعلنا، من جهة، ننخرط في المشروع الفكري العالمي، ونضيف إليه، بعد الاستفادة منه، ومن جهة أخرى يمكن أن يجعل دراساتنا الأدبية قابلة للتطور ومعانقة السرد حيثما وجد، في كل جوانب حياتنا، اليومية والأكاديمية والعادية؛ فالسرد موجود وسيظل موجودا، ويبقى السؤال هو بأي أداة وتصور يمكن أن نشتغل؟”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • متابعات
    الأحد 6 يونيو 2021 - 10:01

    التاريخ وإشكالية التجربة المدوّنة

    1. هل التاريخ هو خلق أدبي ، ويفسر دائماً من خلال بقاياه النصية التي يمكن فهمها من خلال طبقات التفسير للحدث التاريخي ؟ .أم أن التاريخ هو ما وقع من أحداث تنقل كما هي ولا يدخل فيها جوانب أدبية وغيرها من الأشياء التي تدفع بالأفهام المختلفة التي تناقش الفلسفة التي تكمن وراء الحدث التاريخي وكيفية نقله الى القارئ الذي قد يكون هاو لقراءة التاريخ ، أو يكون مهتماً بدراسته وغير ذلك .
    2. وهل التاريخ لحظات تتوزع بين الرمز والنص والفعل والسرد ؟أم هو كل قائم بذاته يجعل المتفحص له يراه بالطريقة الذاتية التي تتشكل بوعيه لحظة قراءته دون النظر الى هذه التقسيمات التي من الممكن أن تضمر بداخلها مسارات لتغلغل الأيديولوجيات المختلفة لحظة تبني كل واحدة منها لقراءته على وفق ما ترغب فيه .
    3. وهل التاريخ هو تفسير سلطات غير برئية من تدوينه ؟ ،أم هو من يرغم السلطات على تشكيل مساراتها على وفق ما هو مدون فيه ؟ . ومن هي السلطة المعنية بتدوينه ؟ هل هي السلطة المنتصرة في لحظة وقوع التاريخ ؟، أم هي السلطة الآنية التي تروي وتسرد الحدث الآن؟.

    محمد كريم الساعدي

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 7

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | عصام الشرعي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 3

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 6

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 5

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي