هل يعيد النظام الجزائري شبح فرانكو إلى إسبانيا؟

هل يعيد النظام الجزائري شبح فرانكو إلى إسبانيا؟
الأحد 2 ماي 2021 - 23:12

شكل تناقل خبر استقبال المملكة الإسبانية لمتزعم مليشيات البوليساريو مفاجأة دبلوماسية من العيار الثقيل. الخبر سيتأكد بعد مرور سويعات قليلة، فقد خرجت وزيرة الخارجية الإسبانية على مضض، لتؤكد بالفعل، وبشكل مقتضب، استقبال المعني بالأمر داخل التراب الإسباني لداوعٍ إنسانية.

بالموازاة مع النتائج الحتمية لهذا الحدث على العلاقات الثنائية بين المملكتين الجارتين، يبدو أن الصورة الوردية التي حاولت الدولة الإسبانية تسويقها للعالم منذ 1975 ستهتز بشكل كبير، وستعيدها إلى أجواء القرن الماضي، عندما حكم الجنرال فرانكو إسبانيا بقبضة من الحديد، وأدخل البلاد في حرب أهلية طاحنة. هو وضع يشبه إلى حد كبير نمط الحكم السائد حاليا في الجارة الشرقية. فهل بات القادة الإسبان يحنون إلى هذا الزمن البائد؟

هناك خمسة محددات رئيسية تجعل الدولة الإسبانية في ورطة حقيقية أمام الرأي العام الداخلي والدولي، وتؤكد بما لا يدع المجال للشك أن عسكر الجزائر وضعوا هذه الدولة الأوربية المتقدمة، التي من المفروض أنها تحترم المواثيق الدولية وحقوق الإنسان، في موقف لا تحسد عليه.

المحدد الأول ذو طبيعة قانونية. ما يثير الاستغراب والحيرة بالفعل كيف قبل رجال الدولة الإسبان باستقبال شخص يحمل جواز سفر مزورا من أجل دخول التراب الإسباني، ألم تكن هناك حلول أخرى أقل خرقا للقانون الدولي؟

ما يزيد الطين بلة أن إسبانيا الملتزمة باتفاقيتي شينغن وأمستردام، الخاصتين بتنقل الأفراد داخل الفضاء الأوربي، خرقت هذا القانون، أو شاركت بالفعل في خرقه مع الفاعل الرئيسي، وهو للأسف الشديد لا يعدو أن يكون دولة ثانية هي الجزائر التي اعتادت على ذلك. الفاعل والشريك، حسب جميع القوانين العالمية، يتحملان القسط نفسه من المسؤولية، ويعاقبان بالتالي العقاب نفسه.

المحدد الثاني ذو طبيعة حقوقية، ويرتبط ارتباطا وثيقا بالمحدد الأول. فكيف سمح الإسبان بدخول شخص يصنف مجرما حسب القضاء الإسباني، المشهود له بالنزاهة والاستقلالية على المستوى الدولي. السؤال المطروح في هذا الصدد هو: هل تم إقناع القضاء كذلك بالمبرر الإنساني لعدم الاعتقال، مع العلم بعدم وجود أي من مبررات الإعفاء لهذا السبب، أم أن صناع القرار نهجوا أسلوب المناورة أيضا مع قضاء وطنهم؟. هناك سؤال ثان يفرض نفسه بإلحاح، هو: هل كان الدخول بوثائق مزورة يرمي إلى إخفاء الحقيقة عن القضاء، وبالتالي تفادي الحرج أمام الرأي العام الداخلي في قضايا التعذيب والاغتصاب، أم كان يستهدف حجب الخبر عن المغرب تفاديا لاندلاع أزمة دبلوماسية، وهو سؤال يحيلنا إلى المحدد الدبلوماسي.

تتجلى معالم المحدد الدبلوماسي في انعكاسات الحدث على مصداقية إسبانيا لدى المملكة كحليف استراتيجي ذي مصداقية. ففي الوقت الذي يجسد المغرب التزامه بالشراكة الإستراتيجية مع الجار الشمالي، مع ما يستتبع ذلك من جهود كبيرة، شكل هذا الحدث، في نظري المتواضع، خيانة حقيقية لهذه الشراكة الإستراتيجية. ألم يكن حريا بصناع القرار أن تكون لهم الجرأة الكافية، على الأقل، لمصارحة المغرب قبل ذلك بالحقيقة لحفظ ماء الوجه. فتفسير هذا الأمر لا يخرج عن احتمالين اثنين: إما أنه بالفعل خيانة للمبادئ والمصالح المشتركة بين البلدين وكسر للثقة المتبادلة، وإما استخفاف واستهتار بقوة الأجهزة الاستخباراتية للمغرب. احتمال يقودنا إلى المحدد الثالث، وهو المحدد الأمني.

لعل معالم المحدد الأمني تضعنا أمام تناقض صارخ، فإذا كانت الحكومة الإسبانية، وجل دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، تراهن على نجاعة وقوة الاستخبارات المغربية، نجدها في المقابل تتورط، بالتعاون مع الجزائر، في عملية استخباراتية لإخفاء عملية إدخال شخص من التراب الجزائري إلى التراب الإسباني. فهل كانت الحكومة الإسبانية بأجهزتها الأمنية تتوقع فعلا فشل الأجهزة الأمنية المغربية في كشف خيوط هذه العملية، مع العلم أن هذه الأجهزة ذاتها هي التي ساعدت نظيرتها الإسبانية في كشف وتوقع مخططات إرهابية من الداخل الإسباني؟

المحدد الخامس والأخير ذو طبيعة أخلاقية. فالإسبان يدركون تمام الإدراك أن المعني بالأمر، بالموازاة مع ملفه القضائي الثقيل بالجرائم حسب القضاء الإسباني، يعتبر المسؤول الأول عن احتجاز آلاف الأشخاص داخل مخيمات تنعدم فيها أبسط شروط الحياة الكريمة، كما يعتبر أداة طيعة في يد نظام عسكري يمارس ساديته على هؤلاء المحتجزين بكل وسائل الترهيب والتعذيب خوفا من العودة إلى البلد الأم. ألم تشكل الداوعي الإنسانية لكل هؤلاء سببا لتدخل الحكومة الإسبانية، أم أن للإنسانية أبعادا خاصة لدى وزيرة الخارجية الإسبانية.

من الواضح إذن أن الجزائر ورطت الحكومة الإسبانية في قضية حساسة، وربما هو درس جيد للدول الأخرى، التي مازالت تعتقد أن النظام الجزائري يرتكز على مبادئ الدولة المدنية بعد الانتخابات الأخيرة. الحقيقة الثابتة، التي تم تكريسها اليوم، أنه مجرد نظام عسكري يتبنى عقيدة بائدة تعود إلى سنوات الحرب الباردة، وفي سبيل تنفيذ هذه العقيدة، ينهج أسلوب العصابات والجريمة المنظمة كما هو الشأن في هذه القضية، وربما ما خفي كان أعظم.

قد يقول قائل إن المصالح الإستراتيجية للدولة الإسبانية كانت الدافع وراء ذلك. كيفما كانت طبيعة المصالح، التي حتما لم تكن لدواع إنسانية فقط، وبغض النظر عن طبيعة الصفقة التي تم إبرامها بين عسكر الجزائر وصناع القرار بإسبانيا، فعلى الجميع أن يتحمل ثمن اختياراته. ويبدو أن انعكاسات هذا الملف ستكون مؤثرة على الداخل الإسباني من خلال المحددات سالفة الذكر، لكن انعكاساتها ستكون أكثر تأثيرا، على المديين المتوسط والبعيد، في علاقتها بالمحيط الإقليمي، في حال ما لم تتمكن من اتخاذ مواقف حاسمة في القضايا المشتركة مع المغرب، خاصة أن المغرب مازال في مرحلة الاستفسار وتجميع المعلومات وتحليلها قصد اتخاذ القرارات المناسبة.

إبراهيم غالي إسبانيا النظام الجزائري فرانكو

‫تعليقات الزوار

3
  • متتبع
    الإثنين 3 ماي 2021 - 08:10

    نقال في الصميم.
    اتمنى من الجارة إسبانيا ان تدرك عواقب الانجرار نحو اوهام العسكر الجزائري، وبالتالي خسارة حليف استراتيجي قوي مثل المغرب.

  • بشير
    الثلاثاء 4 ماي 2021 - 07:10

    المغرب عضو في الاتحاد الافريقي الى جانب الجمهورية الصحراوية ، وكانت هذه الجمهورية
    من بين الدول الموقعة على قبول المغرب في هذا الاتحاد ، ويحتج على استقبال اسبانيا
    لنفس الشخص الموقع له من بين اعضاء الاتحاد ، مهزلة سياسية

  • حارسة البوابة الجنوبية لأروبا
    الخميس 6 ماي 2021 - 16:34

    قبل إغلاق الحدود الوهمية مع سبتة ومليلية المحتلتين كان المغاربة يعانون الأمرين في العبور. وقد كانوا يتعرضون لمختلف أنواع الإهانات من طرف الشرطة الإسبانية من دفع وضرب وتقطيع لجواز السفر والرمي به في وجههم. وقد كان الكثيرون يمنعون من الدخول بدون مبرر حتى مع توفر الفيزا. في المقابل يتواطؤون مع دولة ويقومون باستقبال مبحوث عنه بهوية مزورة. لن تبقى أية مصداقية لهذه الصلطات في أعين الاتحاد الأروبي التي تطالبها اسبانيا دائما بالمزيد من الدعم المالي لأنها تحرس البوابة الجنوبية لأروبا من الهجرة والإرهاب.

صوت وصورة
مساعدات مغربية لفلسطين
الأحد 16 ماي 2021 - 01:45 4

مساعدات مغربية لفلسطين

صوت وصورة
مغاربة ضد العدوان الإسرائيلي
الأحد 16 ماي 2021 - 01:33 1

مغاربة ضد العدوان الإسرائيلي

صوت وصورة
مقهى الوداية في حلة جديدة
السبت 15 ماي 2021 - 22:56 2

مقهى الوداية في حلة جديدة

صوت وصورة
تهيئة حديقة الجامعة العربية
السبت 15 ماي 2021 - 22:48 7

تهيئة حديقة الجامعة العربية

صوت وصورة
أخنوش وأعداء النجاح
السبت 15 ماي 2021 - 20:16 141

أخنوش وأعداء النجاح

صوت وصورة
جنازة الفنان حمادي عمور
السبت 15 ماي 2021 - 19:33 5

جنازة الفنان حمادي عمور