"عند الغسق" .. "بوليس ستالين" يرفع منسوب الدراما إلى مستوى الجحيم

"عند الغسق" .. "بوليس ستالين" يرفع منسوب الدراما إلى مستوى الجحيم
الأحد 28 مارس 2021 - 02:55

أيّ مصيبة أن يكون بلد ما جارا لروسيا؟ أيّ شقاء أن يكون فلاح ليتواني جارا للرفيق جوزيف ستالين؟ هذا الجوار معطى جغرافي يرفع منسوب الدراما التاريخية والفردية إلى مستوى الجحيم في فيلم “عند الغسق” (2020) للمخرج الليتواني شاروناس بارتاس.

في الفيلم، يطبق الجيش الأحمر طريقة خاصة للبحث عن المشتبه فيهم: يشعل النار في البيوت فيخرج كل من فيها… بينما كانت الدعاية السوفياتية تجلجل عن تحرير البروليتاريا كان بوليس ستالين يسحق الفلاحين وينهب ما يسدون به جوعهم… فيلم تاريخي يجِد امتدادا في هذه اللحظة التي يسمم فيها الرفيق السابق فلادمير بوتين خصومه في 2021، حتى أن الرئيس الأمريكي الهادئ جون بايدن وصف بوتين بالقاتل. هكذا، يصير واضحا للمتفرج مدى امتداد ماضي روسيا العنيف في حاضرها.

“عند الغسق” فيلم من السينما المستقلة عن قانون السوق ومنطق العرض والطلب. فيلم سينمائي، أي بعيد عن أسلوب وإيقاع أفلام التلفزيون. وقد عُرض ضمن فعاليات الدورة الأولى للمهرجان الدولي للسينما المستقلة بالدار البيضاء من 27 إلى 31 يناير 2021، وحصل على الجائزة الكبرى للمهرجان “أنفا الذهبية”.

ويكشف هذا الفيلم عن مدى تطور سينما دول البلطيق وسينما أوروبا الشرقية عامة؛ وهي السينما التي سحقها الجار الرهيب زمنا طويلا، حين أجبرها على أن تكون أفلامها واقعية اشتراكية فصارت مجرد بروباغوندا ميتة.

في الفيلم شعْب تحْت الخوف والجوع. وهذا ما جعل كآبة الشخصيات مبرّرة فنيا ومُعْدية نفسيا. للوصول إلى هذا التأثير، أخذ المخرج وقتا كافيا لكي يقدم كاتالوغا ثرِيا من الوجوه التي تئن تحت سلطة ساحقة دون أي إمكانية للتمرد والمقاومة… وجوه بئيسة تتعرض للاستجواب من ضابط بوجه سمين يلمع كأنه مدهون بالزبدة… عنف مركب يفرز الدموع في العيون.

تَحقق ذلك بفضل سرد يتغذى من التجربة التاريخية أكثر من الخيال، فيلم “غروب” ليتواني لحظة مقتطعة من تاريخ دموي في حضن الجار الروسي، لحظة مقتطعة يدل فيها الجزء على الكل.

يقدم المخرج شخصيات في سن الخمسين، يعني أنها عاشت مآسي النصف الأول من القرن العشرين، شخصيات بوجوه عابسة، خطوط جبين منكمشة، حملت تجاعيد الوجوه همّا راسخا تحت إضاءة معتمة في بلد لم تشرق فيه لا شمس السماء ولا شمس الحرية، إضاءة تجعل اللقطات كلوحات زيتية.

يقدم الفيلم أجواء وإضاءة داكنة وإيقاعا تواصليا بطيئا، وهذا سيسبب الملل للمتفرج الشاب الذي لا يعرف ولا يعنيه ما جرى.

حكاية شاب وعجوز يجمعهما المصير نفسه، سرد خاتر مسترخ وليس مسلوقا، مسترخ أكثر مما يجب ويسبب الملل… إيقاع رتيب يليق بزمن منطقة نائية معزولة لا يقع فيها شيء إلا إذا هاجمها جنود الرفيق الدموي ستالين. كان هناك من تعايش مع القهر، وكان هناك من لاذ بالصلاة وأيقونة المسيح، وكان هناك من حاول أن يقاوم؛ لكن كيف يمكن للنملة أن تخرج من تحت بطن الفيل؟

لا بد من معجزة تاريخية وقد تأخرت أربعين سنة، حتى 1990. وخلال تلك الفترة، كان المتهم الليتواني يخرج من مكتب التحقيق محمولا… الأب والابن في السجن… بطل إيجابي حارب وانهزم يتصرف بكرامة، لم يفقد إنسانيته، أب يحب أن يساعد ويتوقع مستقبلا أفضل لابنه؛ لكن توالي الأحداث يبرز أن حاضر الأب هو نفسه مستقبل الشاب. والنتيجة فهذا شاب لا يعكس مزاجه العكر سنه، يمشي وذراعاه ملتصقتان بجسده كأنه جثة… يواجه تحديا. لقد خسر جيل الشيوخ الصراع ضد روسيا، وهو يلقي على جيل الأحفاد عبئا رهيبا لمواجهة قياصرة الرفاق.

نجح المخرج في تصوير البؤس والخوف دون ضجيج… وجوه حول مائدة فيها صحون فارغة… نجح في تحدي جعل المزاج البشري مرئيا للكاميرا، وذلك دون موسيقى تصويرية تُملي معنى معينا، وليس صدفة أن الفيلم قد كان ضمن أفلام المسابقة في مهرجان كان 2020.

يبدو أن القصة التي يصورها الفيلم قد تكرر وقوع مثيل لها. وهي قد جرت منذ سبعين سنة، فرويت مرارا. لذلك، صقلها التكرار والتقادم، فوصلت الحبكة إلى كاميرا المخرج طازجة. والنتيجة فيلم طبخ على مهل وليس فيلما مسلوقا غلي في ماء.

هذا نقيض حبكة مسلوقة مصطنعة ركيكة يخترعها سيناريست غير قصاص، مفبركة يصوغ شخصيات مفبركة بلاستيكية تخضع للوصاية ولا تملك استقلاليتها. ولمحاولة تقويتها، يتم السرد بإقحام فرضيات نفسية تقودها بدل أن يترك المخرج شخصياته لتواجه قسوة الواقع… وهنا يتخذ مسار الأحداث توجها مفتعلا، مسارا مقصودا.

في هذا السياق، يقول لوسيان غولدمان: “كل انتصار للنوايا الواعية سيكون مميتا للعمل الأدبي [والفني] الذي تتوقف قيمته الاستتيقية على المقياس الذي يعبر فيه، رغم وضد النوايا والقناعات الواعية للكاتب، عن الكيفية التي يحس هذا الكاتب من خلالها وينظر عبرها إلى شخصياته” (البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، ص: 17). عندما يكون أثر الاختراع على الحبكة واضحا فإنها تصير مجرد تلفيق يضعف التشويق.

يبدو أن القصة التي صورها فيلم “عند الغسق” قد تكرر وقوع مثيل لها، لذلك يقدم المخرج شاروناس بارتاس مختبر أحاسيس إنسانية تعطي صورة عن المجتمع الذي تجري فيه الأحداث…

هنا يصير القبح الاجتماعي كاشفا عن جمالياته المؤثرة… هذه حبكة حقيقية متلاحمة مقنعة أثمرت شخصيات حية فيها لمسة من الخام تجعلها أقرب إلى الواقع، وقد ترك المخرج شخصياته تصوغ منظورها من موقعها على الأرض حتى لو هزمت. تتخذ الأحداث منحنيات عنيفة؛ لكنها متولدة من تربة شخصيات تحاول العيش، ولا تعكس نظريات نفسية واجتماعية جاهزة.

الفن الأكثر مصداقية هو الذي يؤثر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • محمد الميسي
    الأحد 28 مارس 2021 - 03:11

    نحليل خاتر، غير مسلوق.
    من المفيد لطلاب معاهد السينما في المغرب مشاهدة أفلام أوروبا الشرقية والاستفادة من تجربة هذه البلدان في تقديم أفلام انسانية تحكي عنا.
    تحياتي السي محمد.

  • خالد
    الأحد 28 مارس 2021 - 08:47

    المرجو ذكر الاسم الاصلي للفيلم وليس ترجمته. لا يمكننا البحث عن فيلم الغسق بل لابد من ذكر اسمه الحقيقي دون ترجمة حتى نتمكن من إيجاده و مشاهدته

  • حسناء
    الأحد 28 مارس 2021 - 10:02

    االفلم اسمه sutemose بالفرنسية au crépuscule للمخرج sharunas bartas

  • الطائر الحر
    الأحد 28 مارس 2021 - 10:56

    الروس وأمريكا قتلوا شعوب العالم أشعلوا نار الفتنة، وجزؤا العالم إلى معسكرين يتناطحا ليتقاسموا الغنائم و يزكوا الفتنة. أمريكا قتلت وزالت تقتل كل من يعرضها.

  • إحاحان
    الأحد 28 مارس 2021 - 17:24

    ملامح الممثل الذي يرتدي قبعة الفرو الروسية تشبه ملامح أهل حاحا.

  • متتبع لهسبريس
    الأحد 28 مارس 2021 - 19:14

    قد تكون لحظة طلب المساعدة من أصعب اللحظات الاجتماعية التي يتحرج منها الإنسان. يدفع الحرج الكثير منا للامتناع عن طلبها، نخاف فقدان السيطرة أو الوقوع في موضع ضعف، أو أن تتحول علاقاتنا لعلاقات أخذٍ وردٍ، ندين فيها للآخر بمقابل لخدمته لنا. ومع هذا لا يمكن ان نجزم بان الفن الأكثر مصداقية هو الذي يؤثر لان التاثير اضحى صناعة لا يعتمد عل المادة والفيلم الذي بين يدينا هو احد لافلام التي دوما تلاقي رواجا كمثيله من افلام النازية او الهنود الحمر والحرب الفيتنامية وكل دكتاتورية العالم ستالين لم يك دكتاتورا او قاتلا من وجهة نظره وانصاره المستفدين من قيام نظامه فهو يعمل وفق اليات الظرورة والظروف يبحث عن الوسيلة الناجحة التي تريحه في اسرع وقت وهو صاحب القبعة العسكرية والقصة ستتكر هنا او هناك في عالم همجي او متحضر ونراه نحن وفق الهالة والبروباگاندا المرافق والمصاحب لها وحسب قوتها فبوتين او ستالين اوصدام او بوش او معمر لافرق بينهما وكل عمل وفق ظروفه وامكاناته وما يراه الاصوب لان العالم البشري منذ نزول ادم الة الارض ليس هناك ديمقراطية او دكتاوترية نحن من نضع المعايير بناءاعلى خلفيات فقط

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 5

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | عصام الشرعي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 3

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 6

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 5

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي