تأكيدا على توجهها السينفيلي، تعرض منصة نتفليكس أمريكية المنشأ وعالمية الأفق أفلام الناقد والمخرج الفرنسي فرونسوا تروفو. لقد أحب الأمريكيون أفلام هذا المخرج منذ البداية، وهذا ما قوى شهرته، فمن تحبه أمريكا يحبه العالم. وقد وجدت تفسيرا للهوى الأمريكي في قول الكاتب الألماني كارل كراوس: “يحبّ الأمريكيون كلّ ما ليس لديهم، وعلى وجه الخصوص الآثار القديمة ومظاهر الحياة الداخلية”.
وفي هذا السياق صور تروفو “الجلد الناعم” 1964 و”الليل الأمريكي” 1973، كما صور باريس والحياة الداخلية وأمتع كما فعل من قبل في فيلمTirez sur le pianiste 1960.
في أفلام تروفو رجال يفعلون أشياء جميلة لنساء جميلات في علاقة ثلاثية (زوج زوجة وعشيقة). فبفضل معرفة سوسيولوجية ونفسية عميقة بالنساء كان تروفو ماهرا في صحبة وفي تصوير النساء الحداثيات في باريس، وهي المكان الملائم لتصوير الحياة الحميمية لنساء المدن المتحررات… وهو لا يسرد حكايات باردة سبق للمتفرج سماعها، لأنه ملها ولن يتفاعل معها…
كان تروفو يهتم بالإخراج كما عرفه تاركوفسكي في كتابه “نحت الزمن”. الإخراج (لاميزأونسينMise en scène)، “هو مخطط أو تصميم مؤلف من تنظيم وتوزيع الممثلين في اتصالهم ببعضهم البعض ومع المحيط أو المنظر… يتتبع الحياة والذاتية المميزة للشخصيات وحالتها السيكولوجية”.
كان هناك حرص كبير على الأسلوب في الموجة الجديدة. لكن رغم ثقافته المفاهيمية تتميز أفلام تروفو بسرد منساب، سرد يحترم منطق الأشياء والوقائع التجريبية المُعاشة، سرد يسترشد بالحدس الفطري الذي يصطاد المتفرج.. سرد يلتقط الحياة في طبيعتها دون تدخل ودون قصدية تنظيرية.
صور تروفو أفلامه بين 1959 و1983، وهي فترة سينما المؤلفين المناضلين، لكن تروفو لم ينجرف مع تيار النضال وحافظ على الحياة الحميمية لشخصياته؛ في أفلامه توالي أحداث غير مباشر، غير قصدي، يسيل في مجرى طبيعي بأقل تدخل ممكن، وبصفر افتعال…
هذا عن معايير النوع الفيلمي الذي فضله الأمريكيون لدى تروفو. أما على صعيد المنجز الفيلمي فقد اشتهر تروفو بفيلمي “أربع مائة ضربة” 1959 و”الطفل المتوحش” 1970.
يحكي الفيلم الأول قصة طفل من أسرة باريسية فقيرة، يعنفه والده وتهمله أمه، وقد ربته جدته، لذا لا ينسجم مع والديه، طفل ينام قرب الباب… تزداد هامشيته حين يكتشف أن أمه حاولت إجهاضه فيهجر المدرسة ويلوذ بالشارع، حيث فوجئ بأمه في وضع أغضبه… لاحقا حين سأله المعلم عن سبب تغيبه أجاب “ماتت أمي”.
في الفيلم لمسة من سيرة المخرج الذاتية، فقد عاشت أسرة تروفو في شقة مساحتها 35 مترا، وقد ربته جدته وقضى ليلة كطفل في مخفر للشرطة… فيلم مشحون بنظرة اتهام تجاه الكبار الذين يفتقدون البراءة… ينتهي الفيلم بترافلينغ يمتد لأكثر من كيلومتر في رحلة الطفل جريا نحو البحر… دون أن يرى الأفق.
طبعا حظي الفيلم باحتفاء نقدي كبير، خاصة أن تروفو كان مفضلا لدى الأب الروحي أندري بازان. وقد حضر مؤسس النقد السينمائي الحديث بازان اليوم الأول من تصوير “أربع مائة ضربة”. وبفضل هذا الفيلم حصل تروفو على جائز الإخراج في مهرجان كان 1959، ومن هنا بدأت شهرته العالمية وتوالت المقالات. وهذه حالة تظهر فوائد النقد السينمائي على المدى الطويل بالنسبة للأفلام التي يرحب بها النقاد ويطرونها، وتترسخ سمعة مخرجيها كمراجع سينمائية عالمية.
الفيلم الثاني يحكي عن طفل تربى في الغابة مع الحيوانات، يذكرنا هذا بقصة حي بن يقظان للفيلسوف ابن طفيل. يتولى رجل تربية طفل متوحش وتعليمه. متوحش أي غير ناطق…وهذا تأكيد على أن التربية جهد ومثابرة للاكتساب وليست معطى جاهزا؛ فالطفل لا يولد ناضجا مؤدبا بل يجب الاشتغال عليه لصقله. التربية فن طبعا.
من رواد “سينما المؤلف”، وهذا اتجاه فني يرفض السينما التجارية التي تتملق الجمهور، ويحاول أن يقدم أفلاما تفكر عميقا في الوجود البشري، وتختبر مختلف الأشكال الفنية في السرد والإخراج؛ ومن هذه الزاوية فالمخرج الفرنسي معلم كبير للسينما، والسينما هي ديوان العصر.
تروفو الناقد ومنظر السينما
تعزز موقع تروفو في المشهد السينمائي العالمي كمنظر سينما. وأعتقد أن المخرجين الذين يملكون ثقافة سينمائية ومقاربة مفاهيمية للسينما يحصلون على اعتراف كبير.
كان تروفو سينيفيليا كبيرا، وقد كانت له شجاعة إجراء حوار طويل مع مخرج أفلام تحقق نجاحا تجاريا هائلا. حاور تروفو ألفريد هتشكوك الذي كانت النوادي السينمائية تخجل من عرض أفلامه بناء على وهم أنه لا يليق بسينما المؤلف النخبوية أن تحقق أرباحا في شباك التذاكر.
على مستوى الكتب اشتهر تروفو بكتابين يعتبران مرجعين أساسيين في النقد السينمائي؛ الكتاب الأول هو “أفلام حياتي” 1973، ويحلل فيه الأفلام التي شاهدها وأثرت فيه، وفيه أيضا يُعدد أحلام الناقد السينمائي وهي أن يعيش مرحلة إبداع الفيلم أثناء الكتابة عنه وأن يكون وسيطا بين الفيلم والجمهور ليفسر له ما رأى، كما يحلم بالتعرف على المخرج الذي يبدع وهو يضع نفسه مكان الشخصية لا مكان المنتج أو الجمهور…
في الكتاب الثاني “متعة العينين” 1975 نتعرف على تروفو الناقد السينمائي الذي انتقل إلى الإخراج وترك النقد، نتعرف من خلال تعاليقه على الأفلام على مدى دقة الملاحظة لديه حين يعلق على قصص الأفلام وأداء الممثلين والطريقة التي يحرك بها المخرجون الكاميرا…
لقد كان فرانسوا تروفو سينمائيا عاشقا للأدب، وهذا ما مكنه من اقتباس الكثير من أفلامه من القصص والروايات… على صعيد النقد السينمائي أنجز تروفو كتابات تنظيرية تتناول معايير الأفلام وأصنافها وكتابة تحليلية تتناول فيلما محددا… وهو يقول إنك تصنع فيلما عندما يكون لديك شيء لتريه [لتعرضه للمشاهدة] لا لتقوله… لقد سار على نهج بازان في تجاوز الحديث عن موضوع الفيلم فقط، لأن ذلك سيؤدي إلى نسبة الفيلم لكاتب السيناريو.. بينما الحديث عن الإخراج، عن إدارة الممثلين والكاميرا والديكور والإضاءة… يؤدي إلى نسبة الفيلم إبداعيا لمخرجه، ومن ثمة ترسخت قيمة المخرج المؤلف.
تروفو من رواد “سينما المؤلف”، وقد خصصت المجلة الأدبية الفرنسية الشهيرة “ماغازين ليتيرير” ملفا للراحل (العدد 549 نونبر 2014). وقد شمل الملف ثلاث مقالات تتحدث عن أفلام المخرج وكتبه. حمل الملف عنوانا دالا هو “تروفو كاتب السينما”، وذلك في إشارة إلى أن المخرج كان مؤلفا أيضا؛ وقد كانت أفلامه وكتبه مراجع أساسية لتكوين عشاق الفن السابع.
يُعرّف الملف بتروفو الذي أحب الأفلام والكتب..كان في مرحلة تكوينه يشاهد ثلاثة أفلام يوميا ويطالع ثلاثة كتب في الأسبوع، وقد مكنه ذلك من ثقافة سينمائية وأدبية رفيعة انعكست على جودة إبداعه.
والنتيجة أن أفلام تروفو لا تشيخ، وهو يصعد على منصة نتفليكس بعد أفلام أورسن ويلز ووثائقي عنه. وهذا الاختيار تأكيد على موقع تروفو في المشهد السينمائي العالمي.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.