توجد في كل بقاع العالم، وفي كل الثقافات والحضارات وعبر مختلف العصور، عيون تعتبر مقدسة؛ ولا تخلو منها معتقدات وثنية (عيون واحة سيوة، قرب معبد آمون)، أو ديانات سماوية (زمزم في الحرم المكي قرب الكعبة، عيون موسى الاثنتا عشرة بصحراء سيناء؛ عيون العذراء مريم في مختلف مناطق العالم المسيحي الكاتوليكي، وخاصة “عين العذراء لورد Lourdes بفرنسا”) .
عيون موسى الإثنتا عشرة
عيون موسى، المتواجدة بجنوب سيناء بمصر بمحافظة السويس، يعتقد أنها تعود إلى عهد النبي موسى، وقد سميت بهذا الاسم تأكيدا لما ورد في آية القرآن التالية: “وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ” ﴿البقرة : 60﴾.
اليوم لم يتبق من العيون الاثنتي عشرة سوى خمس فقط، نظرا لعدم الاهتمام بها وصيانتها. وتوجد بجانب كل عين لافتة عليها مجموعة من المعلومات عنها.
من الناحية الدينية تعتبر عيون موسى مزارا دينيا مهما جدا لكونها ذكرت في القرآن، وتفجرت بأمر إلهي استجابة لاستسقاء موسى لقومه الذين طاردهم فرعون في صحراء قاحلة، فتفجرت اثنتا عشرة عينا بعدد أسباط بني إسرائيل.
في هذه الحالة؛ كما في حالة اكتشاف عين / بئر زمزم، وعلى خلاف العيون التي يتم اكتشافها من طرف حيوان أو إنسان؛ تتدخل القوى الغيبية التي تأمر بتفجير العيون (زمزم وعيون قوم موسى).
بالعقل والمنطق العين هي نبع لمياه جوفية تخرج بفعل عوامل طوبوغرافية وهيدروجيولوجية تجمعت لدى طبيعة المكان ( وبلغة اخرى قد تفسر على انها عوامل لقوى خفية خارقة هي التي توحي بالقدسية العقائدية). أما في حالة البئر، ولبلوغ المياه الجوفية، هناك ضرورة لعملية حفر الارض أي بالتدخل البشري ( وهنا صفة القدسية قد تصبغ على البئر بمشيئة الانسان الذي يألف اسطورة خارقة من نسج خياله لغرض في صدر يعقوب). وباختصار؛ قدسية مياه العين هي من وحي الطبيعة، اما قدسية البئر فهي من صنع البشر. وللناس في ما يعشقون مذاهب.
إلى السيد الكاتب المحترم:
قُلْتَ: «وقد سميت [أي الاثنتا عشرة عينا] بهذا الاسم تأكيدا لما ورد في آية القرآن التالية: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ} الآية». ومعلوم أن كلمة «تأكيدا» التي استعملتَها تُعْرَبُ في اللغة العربية مفعولا لأجله، وتأتي لغرض التعليل. والحال أن «الاثنتي عشرة عينا» كانت معروفة بهذا الاسم عند اليهود والمسيحيين قبل ظهور الاسلام بعدة قرون، لأنها وردت في سفر الخروج (27:15) وسفر العدد (33.9) من العهد القديم. وأمر آخر: لا يصح أن نقول «العذراء لورد»، لأن لورد اسم مكان معلوم وليس اسم شخص؛ والأصح: «عذراء لورد»، وإن كان المشهور عندهم هو «سيدتنا»Notre-dame وليس «العذراء». وفي الختام، أين الأنثربولوجيا من كل هذا الحكي الأسطوري؟ والسلام على هسبريس الهمام…