حراك الريف.. صرخة الاعتراف والإنصاف (4): مصالحة معطوبة

حراك الريف.. صرخة الاعتراف والإنصاف (4): مصالحة معطوبة
الأحد 20 ماي 2018 - 00:05

هذه الحلقات الرمضانية عبارة عن تأملات وقراءة أولية لبعض جوانب حراك الريف، وهي مستوحاة من نبض وزخم الحراك، الذي حظيت بفرصة ملاحظة وتتبع بعض لحظاته والإصغاء الهادئ إلى إيقاعات هزاته وارتداداتها، ونقل شهادات حية من قلب الريف لشباب شاركوا أو تعاطفوا مع الحراك.

المصالحة التاريخية المعطوبة

العنف المادي ضد الريف رافقه عنف رمزي من خلال وصم الريفيين بنعوت قدحية وإخضاع المنطقة لترهيب نفسي ولعقاب جماعي، وبذلك تعمقت الهوة بين مناطق الريف والمركز. وتتحالف مخلفات الإرث التاريخي الثقيل وحصار الجغرافيا وقهر السياسة والتهميش الاقتصادي لتأجيج مشاعر القهر النفسي والإحساس بالظلم، مما خلق ويخلق شرخا واسعا من “عدم الثقة” بين الدولة وأهل الريف. مستوى ثقة شباب الريف بالدولة ضعيف جدا، فهي تتجسد لهم في “العسكرة” و”الحكرة” والقمع والاعتقال. ورغم كل المتغيرات التي عرفها تاريخ النظام السياسي بالمغرب، فإنه من الصعب إقناعهم بذلك، فهم يؤمنون بمنطق أن “كل شيء يتغير لكي لا يتغير أي شيء”.

وكان لافتا للانتباه أن الكثير من شباب الحراك يستذكرون بقوة المقولة الشهيرة بمنطقة الحسيمة لحكيم الريف عبد النبي (عَدُنْبي نَسوقْ) (كان يطوف بأسواق إمزورن، بني بوعياش والحسيمة): “المنجل هو المنجل عينه وإن استُبدل مقبضه” (أَمْجَارْ يَقِمْ ذَمْجَارْ، بَدْرَنَاسْ فُوسْ وَاهَا). ولم يفلح عامل الزمن، ولا تصالح الملك محمد السادس مع المنطقة وزيارتها في أول عهده بالحكم عام 2000، ولا مسلسل المصالحة والإنصاف في التخفيف من الشحنة الشعورية الطاردة للسلطة المركزية بتاريخها ورموزها. ووصفات هيئة الإنصاف والمصالحة لم تنجح في معالجة الجروح الغائرة، وكان قدر جلسة الاستماع العمومية، التي نظمتها الهيئة بالحسيمة في 3 ماي 2005، أن تكون الوحيدة في العالم التي تقام في الليل الحالك والناس نيام، وهو ما يؤكد عسر وحساسية ملف المصالحة التاريخية مع الريف.

إلا أن انعقاد الجلسة في حد ذاته يمكن اعتباره إنجازا تاريخيا هاما لبداية طريق المصالحة مع الريف. وجاء تقرير الهيئة عام 2005 ليؤكد عجزه عن الاقتراب من الأسئلة الحارقة للريف، وفشله في إرساء المصالحة التاريخية مع الريف، وحتى التوصيات بخصوص الريف وجبر الضرر الجماعي (إنجاز دراسات أكاديمية حول أحداث 58-59، إعادة الاعتبار المعنوي لمحمد بن الكريم الخطابي، إنشاء متحف الريف، تأسيس مركز الأبحاث محمد بن عبد الكريم الخطابي، إعادة كتابة تاريخ المنطقة،…) لم تر النور إلى حد اليوم، وكأن الحقيقة التاريخية والذاكرة الموشومة تأبى المصالحة، وها هي الحروق تعود من جديد، فينفجر المكبوت التاريخي والسيكولوجي وجدانيا وسلوكيا، عقب المشهد الصادم المتمثل في طحن “محسن فكري”.

فشلت هيئة الإنصاف والمصالحة في تجاوز عقدة الظلم التاريخي وتحقيق المصالحة مع أهالي الريف

ويعتبر شباب الحراك أن مقاومة الظلم والاحتقار ورفض الخنوع وضرورة إعادة الاعتبار للرموز التاريخية هي قضية وجود وقضية حياة لا يمكن التنازل عنها، فيرددون شعار: “هل نحن أحياء أم أموات، حقنا مفقود” (ما نَموثْ مَنْ دارْ، رْحَقْ ناغْ إوَدارْ).

ويعتقد الكثير من شباب الحراك بوجود عداء وجودي تاريخي أزلي للسلطة المركزية ضد أرض الريف وقيمه، وأن خصوصيتهم الهويايتية تجعلهم محل وصم و”شيطنة” تصل حد التشويه والتحريض، هذا ما تزكيه النعوت والتهم النمطية الجاهزة في حق الريفيين، والتي انتعشت خلال الحراك، وأضيفت إليها أوصاف جديدة على مستوى التعليقات الواردة في المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي: “المتمردون”، “مساخيط الملك”، “خداعين سيدنا”، “الأوباش”، “أولاد السبنيول”، “الانفصاليون”، “الخونة”، “لمعقدين”، “راسهم قاسح”، “معصبين”، “عملاء الخارج”، “الفتانون”، “العنصريون”، “تجار المخدرات”، “المهربون”، “لَمْغَنْدَفْ”، “سْخُونْ الرَّاسْ”، “الخوارج”، “الشيعة”، “الخارجون عن الدين”، “أكراد المغرب”، “الفوضويون”، “المتمردون”، “المحرضون”، “العنيدون”، “المتغطرسون”،… وبشكل عفوي فيه نوع من التحدي يرد الشباب على كل النعوت بشعار قوي باللهجة الريفية: “قولوا عنا ما شئتم أن تقولوا، الريف أرضنا، نحن هنا باقون” (إنيمْ خاخْ مِمَّا ثَخْسَمْ أَتِنيمْ، أَريفْ ثَمورْثْ نَّغْ، نَشينْ ذا إِغا نَقِمْ). إنه عشق الأرض “ثَمُورْثْ” والارتباط بها حد العبادة بلغة أوغوست مولييراس Auguste Mouliéras. وفي المخيال الرمزي التشبث بالأرض وقيمها واجب يصل حد القداسة لأن الأرض تمثل الأم، التي لا يمكن بتاتا التخلي عنها أو تقليل الحب الواجب لها.

البناية المخصصة لتكون مقرا لمتحف الريف

وتصدح أغنية الأجداد “رَجْذوذْ نَغِ” لفرقة تواتون “المنسيون”، أشهر الفرق الموسيقية الملتزمة بالريف، بعشق الأرض لدى الإنسان بالريف :

“ثَمورْثْ أَذْ يَماثْ نَغْ؛ أَسّْثْ بَدْرَمْ إِسَمْ

ثمورث أَذْ يَماثْ نَغْ غاكُمْ أَتَزْنْزَمْ”.

(الأرض أمنا؛ إياكم أن تغيروا اسمها

الأرض أمنا؛ إياكم أن تفرطوا فيها).

*أستاذ حقوق الإنسان والعلوم السياسية بجامعة محمد الأول بوجدة، عضو الجمعية الدولية لعلم الاجتماع وعضو عامل بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية، مهتم بديناميات ما بعد الحراك العربي وبسوسيولوجيا حقوق الإنسان والفئات الهشة والمهمشة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • ait hdifa ouryaghal
    الأحد 20 ماي 2018 - 02:48

    تحيه أستاذ سعيد
    الدولة، و حراس معبدها لم يجيدوا قراءة الشخصية " الجماعية" الهوياتية للريافة. ..و زادت الطين بلة بالتقسيم الجهوي ذو البعد الأمني في التقسيم الجهوي الأخير ….
    لا مصالحة الا في إعادة الاعتبار لتاريخ المنطقة و رجالاته و أبناءه. ..كل الريف مجتمعا …

  • سبارتاكوس
    الأحد 20 ماي 2018 - 12:16

    فعلا أستاذنا السعدي إنها مصالحة معطوبة وولدت ميتة ، لقد أراد المخزن أن يسوي قضية التصالح التاريخي مع الريف بأقصى سرعة ممكنة ، أراد أن ينهي ويقبر المشكلة لا أن يحلها. لقد اعتمد على أشباه اليساريين بالحسيمة ليقدموا له الوصفة التي تريحه ، فتحولت المصالحة لفرصة لمراكمة الريع الحقوقي والجمعوي والسياسي لما يسمى نخبة الزلزال المشؤومة ، وأضاعت الدولة فرصة تاريخية لتحقيق مصالحة حقيقية مع الريف كما أضاعت أموال ضخمة دفعت من جيوب المواطنين. لكن التاريخ لا يرحم أحدا ها هو ملف المصالحة التاريخية يعود بإلحاح من جديد ويجب على الدولة هذه المرة أن تبتعد عن الجمعيات الحقوقية والأحزاب السياسية الانتهازية لترسي مصالحة حقيقية مع الريف عبر إنشاء هيئة حقيقة ومصالحة يشرف عليها أخيار الريف وما أكثرهم بعيدا عن السياسيين الانتهازيين.

  • نزار
    الأحد 20 ماي 2018 - 16:11

    هل بالفعل عقدت جلسة الاستماع العمومية للانتهاكات الجسيمة بالحسيمة في الليل بعيدا عن أعين الناس أو وهم نيام ؟ اعتقد أن كاتب المقال على خطأ لأنه وبحكم تخصصي في موضوع العدالة الانتقالية في مختلف التجارب العالمية يمكن أن أوكد لكم أنه يستحيل إجراء جلسة عمومية في الليل وبعيدا عن الناس لأنه في الأصل الجلسة العمومية هدفها هو الاستماع إلى شهادات شفوية عن الانتهاكات يقدمها الضحايا أمام الرأي العام المعبر عن تعددية المجتمع ، والغاية هي رد الاعتبار للضحايا واسترجاع كرامتهم ولكن أيضا تقريب معاناتهم من الرأي العام والمواطنين لتقوية فهمهم لأحداث الماضي. لقد رجعت إلى الموقع الرسمي لهيئة الإنصاف واطلعت على بعض صور الجلسة ويبدو لي أن الجلسة عقدت في وضح النهار. إذا كانت فعلا قد عقدت بالليل فسيكون كارثة فلا يمكن أن تتم المصالحة خفية وفي الكواليس هذا مناف لكل معايير العدالة الإنتقالية . أرجو من كاتب المقال أو المطلعين على الموضوع إفادتنا وجزاكم الله خيرا.

  • الطلحاوي
    الأحد 20 ماي 2018 - 18:38

    كنت حاضرا في ذلك اليوم المشؤوم 3 ماي 2004 حين كان الخاسر الأكبر هو كرامة الريف وتاريخه الشامخ وتم الإمعان في إذلال عبد الكريم الخطابي الذي لم يشر له تقرير الهيئة بتاتا ، لقد اختطفوا الجلسة كان من المقرر أن تنطلق بعد الزوال لكن نظرا لاحتجاجات الشباب داخل القاعة أعلنوا عن تأجيلها ولكن مهندسوا المصالحة بالريف والذين تمت مكافئتهم بمناصب عليا في الدولة دبروا الأمر بالليل حيث عقدوا الجلسة بالليل وتحت حراسة أمنية مشددة وبعد أن كان الناس يغطون في النوم ، وكانوا يختارون وفق أهوائهم من يدخل ومن لا يدخل للقاعة. إنها قمة الخبث الحقوقي ، ان نتصالح مع الريف في الخفاء وكأننا لصوص ، مهزلة بكل المعايير، حاول الجميع التستر عليها ولكن هيهات هيهات التحراك المبارك قادر على فضح كل شيء .

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 7

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 21

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 6

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن