عيون الماء (11) .. الماعز وراء اكتشاف عيون واد بوكمّاز

عيون الماء (11) .. الماعز وراء اكتشاف عيون واد بوكمّاز
الأحد 27 ماي 2018 - 00:05

عيون واد بوكمّاز

تؤكد جان رييو (Jeanne RIAUX) أن الماعز، في مجمل مجال واد بوكَمّاز، هو المكتشف للعين، إذ تقول:

“على طول الواد، كل المجالات السوسيوهيدروليكية المستطلعة توجد فيها قصة ميتية مشابهة لأسطورة رّباط – إباقالّيون. على سبيل المثال، نجد أن الماعزة هي التي اكتشفت أيضا العين”.

وفيما يلي، ثلاث روايات مختلفة لأسطورة اكتشاف عين ماء من طرف ماعزة، بواد بوكَمّاز، وقد قمنا بترجمتها، من الفرنسية إلى العربية، من مصدرها الذي هو عبارة عن أطروحة جامعية.

الرواية الأولى: تأسيس قرية رّباط

“ذات يوم، وفد راع شاب من “مكان آخر”. حسب بعض روايات الأسطورة، أتى هذا الراعي من شعبة أيت حكيم من المكان المسمى “أولسويكَ”. بالنسبة إلى البعض، لقد قدم من الجبل الفاصل بين إباقالّيون وأيت حكيم: أدازّن. في كل الحالات، لقد أتى من منطقة جافة لا تُنبت شيئا. اقترح هذا الراعي خدماته على سكان إباقالّيون الذين قبلوا ذلك، فأصبح راعيا للقبيلة، كل صباح يذهب مع قطيع أيت إباقالّيون، ويقوده ليرعى في الغابة بأعالي القرية.

وأثناء عودته، ذات مساء، لاحظ الراعي بأن لحية إحدى مواعزه (جمع ماعزة) متلألئة بنقط الماء. وفي اليوم التالي، قرر أن يتعقب الماعزة، فرأى، بأعالي الواد (في المجال الترابي الحالي لأرض رّباط)، الماعزة تحفر الأرض فيتدفق الماء. احتفظ الراعي بسر الاكتشاف. وبعد مرور زمان، استدعته قبيلة أيت إباقلّيون، واستفسرته عن الأجر الذي يرغب في الحصول عليه مقابل خدماته التي قدمها للقبيلة طيلة هذه السنوات، فطلب الراعي المجال الغابوي الموجود بأعالي القرية، فقُبل طلبه. وقد استقر الراعي في هذه الأرض، وتزوج وأصبح له أبناء. كما أتى أيضا بأشخاص من المكان الذي أتى منه.

“كانوا رعاة، لكن حين اكتشفوا العين، أصبحوا مزارعين”. انتظم القادمون الجدد في مجموعتين احتلت كل منهما نصفا من القرية: أيت علي أو حامي وأيت أوخيبو. وحسب الأسطورة، فأسلاف أيت علي أو حامي هم أيت الحسن (أحيانا يذكرون كذرية الراعي)، أيت أولعيد (الذين قد ينحدرون من منطقة ورزازات)، أيت تمكَّونت (منحدرون من امرأة تنتمي إلى إمكَّونن). مجموعة أوخيبو تشكلت من طرف أيت بنعيسى (الذين قد يكونون منحدرين من قلعة مكَّونة)، أيت إشّو، وأيت باها. كل واحد من هؤلاء الأسلاف أسس أسرة وبنى منزلا. هكذا أنشئت قبيلة أيت رّباط، منقسمة إلى مجموعتين متميزتين إلى حدود الساعة”.

الرواية الثانية:

“يحكى أن راعيا كان يرعى معزه قرب العين. كانت إحدى مواعزه تختفي دائما من أجل الشرب في مكان ما، تحفر بقوائمها إلى أن تجد الماء. وذات يوم تعقبوا تلك الماعزة وحفروا حيث كانت تحفر، فاكتشفوا العين. لهذا ينعت البعض “أغبالو ن أيت إمي” بـ”أغبالو ن تاغاطت” (أي عين الماعزة).

الرواية الثالثة:

“حسب مسني إغيرين وأيت أوهام، قد يكون بوتخوم هو المؤسس لإغيرين. كان له راع يسمى أشنيض. وذات يوم لاحظ أن ماعزة، كانت قد ابتعدت عن القطيع، عادت مبللة الوجه بالماء، في حين أن أقرب نقطة ماء، آنذاك، تبعد كثيرا عن المنطقة التي يرعى فيها القطيع. فلجأ الراعي إلى حرمان الماعزة من الماء لمدة معينة. بعد ذلك قادت الماعزة العطشى الراعي، الذي تعقبها مسافة بعيدة، نحو غابة كثيفة تنبعث منها عين ماء غزيرة. وبذلك تكون عين أيت أوهام قد تم اكتشافها من قبل سلف أيت أوهام بفضل ماعزة سلف أيت إغيرين. وحين عاد الراعي إلى إغيرين، أخبر مشغله باكتشافه. وفي غمرة الفرح بهذا الخبر، زوج بوتخوم ابنته للراعي. وبعد فترة من الزمان، وبموافقة صهره، ذهب الراعي ليستقر في الأراضي الموجودة في الضفة اليسرى، أسفل العين الجديدة مباشرة. وبذلك تأسس مدشر أيت أوهام.

وقد عقد كل من بوتخوم وأشنيض اتفاقا أوليا بموجبه تؤول كل أراضي الضفة اليمنى إلى بوتخوم، وكل أراضي الضفة اليسرى إلى أشنيض، فحفروا بعد ذلك ساقية في كل ضفة من أجل سقي حقول كل مدشر (…). فاستمرت ذرية بوتخوم وأشنيض في العيش بوئام إلى أن شَكّل كل من إغيرين والمدشر التابع له إكَلووان وحليفه إفران قبيلة أيت علي. وحينما تحالفت مداشر إغيرين وإكَلووان وإفران لتشكيل حلف أيت علي، احتلت كل الأراضي الغابوية المهمة في المنطقة، ومنعت الدخول إليها على المداشر الأخرى. الشيء الذي ترتب عنه حرمان كثير من المداشر، من بينها أيت أوهام، من حطب التدفئة في فصل الشتاء القارس. وانطلاقا من هذه الوضعية، تبادرت إلى ذهن أيت أوهام، ولأول مرة، فكرة استعمال ماء السقي كوسيلة للضغط على إغيرين للحصول على الحطب. وبذلك قاموا بقطع التزويد بالماء عن قنوات السقي لكل من إغيرين وإكَلووان، فقام هذان المدشران بغزوات متعددة من أجل استعادة العين، لكن دون جدوى.

تجدر الإشارة إلى أنه في الوقت نفسه تم إرسال بعض المقاتلين من طرف أيت أوهام، الذين حلّوا في مكان مقابل لإغيرين من أجل تحذيرهم من هجومات مباغتة (…). حين أصبحت النزاعات بغير جدوى بين المدشرين، تم الاتفاق على التفاوض. وعلاوة على ذلك، وفي الوقت نفسه، يقال إنهم أصبحوا كلهم تحت تهديد قبيلة أيت عطا القوية، التي تقترب بخطورة من الواد. وبعد مفاوضات عسيرة توصل المدشران إلى اتفاق يحدد حقوق الماء بالنسبة إلى إغيرين في كل ساقية، وحقوق أيت أوهام في غابة إكيسّ الموجودة في عالية أيت أوشي. بعض المسنين يذهبون إلى أن هذه الاتفاقات تمّ تدوينها على جلد التيس ولا تزال في ملك أسرة أشنيض أيت أوهام”.

*باحث في الأنثروبولوجيا

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • المجيب
    الأحد 27 ماي 2018 - 01:56

    من خلال سلسلة المقالات حول عيون الماء والتي بلغت 11 حلقة، نلاحظ ان هناك اختلاف كبير بين المشرق والمغرب في ما يخص اكتشاف او تفجر منابع المياه. فالمشرقيون يربطون تواجد هذه الينابيع بظواهر ميتافيزيقية: الملاك جبريل في حالة بئر مريم ( الناصرة) وحالة بئر زمزم ( مكة)، وكذلك الامر الالهي في حالة عيون موسى( سيناء). اما في المغرب فاكتشاف عيون الماء هو مرتبط بالحيوانات: الماعز بالنسبة لعيون واد بوكماز، والكلاب بالنسبة لعيون دادس وعين المكرت-ئغرم، والابل بالنسبة لعين أكلو-تارودانت، والبغل بالنسبة لعين أسردون. فكيف يفسر هذا التباين بين المشرق والمغرب بالمفهوم الانتروبولوجي؟؟ ( ملحوظة: في واحة سيوة وهي نقطة فاصلة بين الشرق والغرب هناك نوع من التلاقي بين المعبود الاله آمون والكبش الحيوان!!).

  • الحسين أيت باحسين
    الإثنين 28 ماي 2018 - 00:27

    أريد أن أتقاسم مع المحترم "المجيب" التساؤل حول كيفية تفسير، من وجهة نظر أنتروبولوجية، هذا التباين بين المشرق والمغرب بصدد اكتشاف عيون الماء، بحيث يربط المشارقة هذا الاكتشاف بظواهر ميتافيزيقية، بينما يرتبط عند المغاربة بالحيوانات والرعاة؟
    من بين الدلالات الممكنة لهذا التباين كون "الصراع العقائدي" لدى المشارقة هو صراع بين "طقوس القربان" و"طقوس المعمودية" أخذا بعين الاعتبار مختلف أبعاد هذه الطقوس ودلالاتها ورمزيتها، بدءا بالصراع بين قابيل وهابيل مرورا بالصراع بين الأسينيين (إحدى الفرق اليهودية في فترة الهيكل الثاني الذين رفظوا طقوس القربان واختاروا المعمودية للتكفير عن الخطيئة الأولى) واليهود الأممين (المحتلون للهيكل والذين تبنوا طقوس القربان وجمعوا بين الدين والسلطة) وانتهاء بالانفصال بين المسيحية كاستمرار للأسينية المعمودية وبين الفرق اليهودية الأخرى التي جمعت بين السلطتين الدينية والسياسية.

  • الحسين أيت باحسين
    الإثنين 28 ماي 2018 - 00:48

    ما بالنسبة للمغاربة، من سيوة إلى المغرب الأقصى، فالصراع الأبدي المرتبط بعيون الماء، هو صراع بين "النمط الترحالي – الرعوي" وبين "النمط الاستقراري – الزاعي"؛ أم "تقل" إحدى الأساطير التي تُحكى عن اكتشاف عين ماء بوادي بوكمّاز بالمغرب: "إنهم كانوا رعاة متنقلين، لكن حين اكتشفوا العين أصبحوا مزارعين مستقرين" ؟
    وأما بالنسبة ل"واحة سيوة وهي نقطة فاصلة بين الشرق والغرب هناك نوع من التلاقي بين المعبود الاله آمون والكبش الحيوان" (كما ينص "المجيب" على ذلك واصفا بعمق كبيرخاصية شخوص تلك الواحة وطقوسها)؛ إذ أن الأسطورة تجمع في آن واحد الصراع بين النمط الترحالي – الرعوي وبين الصراع بين النمط الاستقراري – الزاعي (واحة سيوة بين تواجدها في قلب الصحراء الممتنعة على كل راغب خارجي على الاستيلاء عليها: فقدان كتيبة جيش فارسي وهي زاحفة نحو سيوة للاستيلاء عليها)؛ كما تجمع بين السلطة الدينية والسلطة السياسية (تظافر السلطة السياسية لشيشونق الفرعون والسلطة الدينية لابنه في معبد آمون بسيوة؛ إضافة إلى الزيارة الرسمية للأسكندر المقدوني لمعبد آمون المشهورة لكي يبارك آمون حملته العسكرية).

  • المجيب
    الإثنين 28 ماي 2018 - 02:20

    شكرا للاخ الحسين ايت باحسين على اجوبته؛ فالموضوع ممتع ومتشعب.. واذا سمحت تحضرني ايضا اسئلة تكميلية لا ادري هل بامكانها ان تدخل في تحليلك الانتروبولوجي وهي ارتباطات بعض الطقوس التقديسية التي تحوم حول بعض الاطعمة الأساسية في المغرب والمشرق وأعني بذلك ثقافة الكسكس( او القمح) على امتداد المنطقة المغاربية الى حدود غرب دلتا النيل ( سيوة) في مقابل ثقافة الأرز المنتشرة شرق دلتا النيل وما وراءها. فالى اي مدى لعب هاذين النوعين من الحبوب ( القمح والأرز) دورا في انتقال المجموعات البشرية إن هنا أو هناك من نمط عيش الترحال الى نمط العيش المستقر حول منابع المياه( عيون وانهار)؟؟ باختصار، يبدو لي ان النبش في تاريخ منابع المياه بموازات مع النبش في تاريخ زراعة القمح والارز سيكون غنيا بالدروس الانتروبولوجية والاتنوغرافية. مرة اخرى شكرا لاهتمامك وتناولك هذا الموضوع الشيق.

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30 2

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36 1

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 10

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري