ظالم يدعي المظلومية

ظالم يدعي المظلومية
الجمعة 16 فبراير 2024 - 23:09

منذ نشأة دولة الجزائر عام 1962 بالحدود التي أريد لها أن تكون مخالفة لأصل المساحة التي كان عليها من قبل ذلك الإقليم، وفي أعقاب الانقلاب الذي وقع على الحكومة المؤقتة للزعيم الوطني فرحات عباس من طرف ضباط الجيش الجزائري بقيادة الهواري بومدين، عمد النظام الجزائري الجديد آنذاك إلى أن يستغل هذا المولود الجديد وأن يتملص ويتنكر من تلك الالتزامات التي كانت الحكومة المؤقتة قد أخذتها على عاتقها تجاه المغرب، بتسوية المشكل الذي كان من ورائه الاستعمار الفرنسي حينما كان يرى في الجزائر وإلى الأبد امتدادا للتراب لفرنسي باعتبارها مقاطعة فرنسية لما وراء البحار. ولخدمة هذه الوضعية المجحفة وأبعادها الجيو ـ استراتيجية عمدت فرنسا آنذاك إلى إلحاق الحيف بنهج خطايا تاريخية في حق الدول المجاورة باقتطاع أجزاء من أراضيها وضمها إلى الكيان الذي أنشأته باريس بشهادة ميلاد أطلقت عليه اسم “الجزائر”.

ولأن الجزائر في حدودها الحالية ما هي إلا صنيعة فرنسا، سارع نظامها على الفور بعد انقلاب عسكري إلى الإعلان عن مبدأ استعماري يعترف فيه بهذه الولادة القيصرية غير الشرعية بادعاء أن الحدود الموروثة عن الاستعمار بأنها مقدسة ولا يجب المساس بها. ولمعرفة بشاعة وهول هذه الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في حق كل من المغرب وتونس وليبيا ودولة ومالي والنيجر، يجب التأكيد على أن جغرافية المنطقة ما قبل مجيء الاستعمار الفرنسي، كانت مساحة إقليم الجزائر عام 1870 محدودة عند ما يسمى حاليا بالعاصمة وضواحيها، أي بحوالي 500 كلم مربع بدلا من المساحة الحالية ذات البطن المنتفخ والتي تزيد عن 2 مليون كلم مربع وهي أكبر مساحة صنعت في القارة الإفريقية على الإطلاق.

من دون شك أن هذه “العجنة” التي عجنتها أيادي الاستعمار ستظل متحكمة في منهجية وسلوكيات النظام على مدى ستة عقود وإلى يومنا هذا من خلال اتباع سياسة معادية لكل دول الجوار المتضررة على قاعدة ما هو متداول وهي أن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. النظام الجزائري يعلم مسبقا أن ما أوكل إليه فهو من باب الباطل وإجحاف بحقوق الآخرين. وللتستر على كل ذلك ينهج اليوم سياسة المظلومية ويحاول أن يوهم الشعب الجزائري الشقيق بأن الجزائر مستهدفة وأن المغرب ودول الساحل كلها دول تريد النيل من أمن واستقرار الجزائر. هذه الادعاءات يحاول النظام الجزائري أن يروج لها لأنه ليست له قاعدة شرعية يمكن أن يقنع بها الناس ويؤطرهم. فالنظام المارق هو وباء على شعبه كما هو وباء على دول الجوار.

هذا النظام الذي يشتكي المظلومية هو الذي يمارس الظلم على أرض الواقع بمحاصرة الدول المعنية في دائرة ضيقة، وإبقائها في دائرة الدفاع عن النفس وعدم السماح لها بالملاحقة والهجوم الذي يخشى النظام الجزائري تبعاته متى تحررت تلك الدول من عقالها ومن انحصارها في مرابضها. فالنزاع الذي افتعله النظام الجزائري على مدى نصف قرن ضدا في استكمل المغرب لوحدته الترابية يندرج في سياق محاصرة المغرب ومنازعته في أقاليمه الجنوبية كي يبقى منشغلا بذلك النزاع، بنية عدم إفساح المجال للمغرب كي لا يمر إلى السرعة القصوى في اتجاه المطالبة بحقوقه التاريخية في أراضيه التي بترت منه وهو ما يعرف بالصحراء الشرقية. وإن كان هذا هو الأساس الذي تبني عليه الدبلوماسية الجزائرية عداءها للمغرب، فهي تحاول كذلك لخدمة هذا الغرض أن تغذي هذا العداء بالباطل والبهتان واتهامه بالتواطؤ مع دول عربية وأخرى لزعزعة استقرار الجزائر.

كذلك هو التعاطي نفسه مع ليبيا، لكن في سياقات مختلفة. ذلك أن النظام الجزائري له قراءات خاصة به في ما يتعلق بالأزمة في ليبيا. ظاهريا يدعي الحياد لكنه يبدي على العكس من ذلك توجسا من تداعيات الأزمة على أوضاعه الداخلية الهشة. كما لا يريد لبعض الأطراف وعلى رأسهم المغرب أن تنجح في مساعيها لرأب الصدع بين الأطراف الليبية المتصارعة اعتقادا منه أن نجاح الوساطة المغربية قد ينعكس سلبا على ما يراه من نفوذ جزائري في المنطقة. الموقف نفسه، يتخذه النظام الجزائري من الأدوار التي تتولاها دولة الإمارات العربية المتحدة. وعلى النقيض من ذلك حاولت الجزائر أن تجد لنفسها مكانا في زحمة الوساطات العربية والأجنبية لكن محاولاتها قوبلت برفض من كل الأطراف الليبية لعدم ثقتها بالأدوار الجزائرية وكذلك بسبب نزاعات مؤجلة مع الجزائر على خلفية استيلاء هذه الأخيرة على أراض ليبية سبق للرئيس معمر القذافي أن طالب بها.

وكذلك بالنسبة لتونس التي يتعامل معها النظام الجزائري بسياسة إما الجزرة أو العصا. فالحاكم الحالي لتونس الرئيس قيس سعيد ليس له أمام الأفق المنغلق إلا أن يكون ذلك الذي يصدق عليه القول “مجبرا أخوك لا بطل” بقبول بيعه للذمم والرشاوى لقطع الطريق عن قيادات تونسية وطنية عصية على أن تكون أداة طيعة في يد نظام الثكنات. وهي قيادات لا تثق هي الأخرى في النظام الجزائري كما هي جاهزة ولها من الوطنية ما يؤهلها بكل جدارة للمطالبة باستعادة الحقوق الشرعية والتاريخية لتونس من الجزائر.

دول الساحل التي تبتز اليوم من طرف النظام الجزائري في أمنها واستقرارها وفي قراراتها السيادية، تعيش مع هذا النظام الجزائري تحديات وتدخلات سافرة في شأنها الداخلي من خلال عمليات تحريض مكشوفة في كل من دولتي مالي والنيجر. البيان الذي أصدرته الخارجية الجزائرية في الشهر المنصرم ردا على “قرار باماكو” بإلغاء العمل بالاتفاق المعروف “بإعلان الجزائر”، يكشف بكل وضوح أن النظام الجزائري هدد بإذكاء نار الفتنة بين الفرقاء الماليين من خلال تسخير بعض شيوخ الطوارق للتمرد على السلطة الحاكمة التي لا يرضى عنها النظام الجزائري. وهو السيناريو نفسه يكاد أن يتكرر بالمشهد نفسه مع دولة النيجر.

كثيرة هي الواجهات التي يجر النظام الجزائري نفسه إليها بنية فرض هيمنته ووصايته على كل هذه الدول لوضعها تحت إبطه. وهي في واقع الأمر صراعات مؤجلة قابلة للانفجار بين لحظة وأخرى مادام هذا النظام يمعن في الاستفزاز والتدخل في الشؤون الداخلية ومادام هناك امتناع يظهره ذلك النظام في تصحيح الأخطاء التاريخية. ولمواجهة هذه التحديات وهذه الإشكالات وجب على دول المنطقة المعنية أن توحد سياساتها تجاه الغطرسة الجزائرية وأن تنسق المواقف في ما بينها، من خلال التوجه إلى المنتظم الدولي وفي مقدمتها محكمة العدل الدولية لاستعادة الحقوق التي سلبت من أصحابها ظلما وعدوان في الحقبة الاستعمارية، والتي تتسبب في أزمات تطال كيانات الدول لوجود اختلالات إثنية وعرقية ممزقة الأشلاء على حدود الدول.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • عبدالله
    الجمعة 16 فبراير 2024 - 08:05

    الظلم ظلمات ماذا جنت الجزاءر من وراء هذا سوي المشاكل ولن لم تسلم ما في ذمتها ستعيش المشاكل إلى يوم يبعثون وستهدم وستخرب ولن تكون دولة ابدا ولن تنعم بالاستقرار في وجودها ابدا لأنها تعيش ليس على أرضها لها خزي في الدنيا وعذاب اليم في الآخرة وسكنون شرانيين إلى الابد

  • Lamya
    الجمعة 16 فبراير 2024 - 08:55

    هذه المشاكل كلها من مخلفات الاستعمار صنع وزرع كيانات لكي تبقى تتصرف نيابة عنه كالعسكر الجزائري و اقتطاع الاراضي من دول الجوار و اعطاءها له لتكون هناك صراعات و نزاعات مستمرة يستغلها المستعمر لكي لا تقوم لهم قائمة و لا لاتحاد المغاربي

  • Amaghrabi
    الجمعة 16 فبراير 2024 - 09:42

    اعتقد ان دولتنا والحمد لله تسير بخطى واثقة نحو مستقبل يملأه التقدم والرخاء والسلم والسلام وان حاضرنا يدل على الانتصار سيكون للدولة المغربية التي تبني سياستها على الاحترام والتعاون الصادق وان الجزائر حاضرها يدل على الانهزام والدمار لان العصابة العسكرية لا تبني ولا تترك عقلاء الجزائر يبنون بلدهم بالطرق السلمية والاحترام وبالتالي فالجزائر فاشلة سياسيا لان شعبها مكتوفي الايدي اليوم ويبحث عن الوسيلة التي تقضي على السياسة الاستبدادية التي كانت نشأتها مع المقبور بوخروبة الى ان قامت المذبحة الاولى في اواخرالثمانينات وما زالت العصابة تزيد طغيانا وفسادا ولا توجه شعبها نحو السياسة التي تبني ولا تهدم وانما السياسة التي تقهر شعبها اولا وتعاكس مصالح جيرانها ثانيا وبالتالي هذا الاسلوب المتخلف يؤدي حتما الى السقوط والفشل والكوارث السياسية والعياذ بالله

  • شر لابد منه
    الجمعة 16 فبراير 2024 - 19:05

    أنا في الحقيقة أشفق على دولة الجزاءر وشعبها.وأعاتب الدولة المغربية على تصرفاتها والطريقة التي تعامل بها دولة الجزاءر،المغرب يقتل شعبا كاملا ويخرب دولة بكاملها،ما هكدا يتعامل العقلاء مع أحمق.
    كان على المغرب أن يتصرف في بداية الصراع(1975) ، لو قام بحرب في تلك الفترة ما وقعت الجزاءر في هدا المستنقع ،وما أنفقت أزيد من 500 مليار دولار ،وما قتل العسكر الحاكم في الجزاءر أزيد من ربع مليون جزائري وأخفى أزيد من 40 ألف. الجزاءر وصلت اليوم إلى نقطة ألا عودة،ومصرة على الإنتحار.حكم العسكر شبيه بحكم فرعون،نهايته الغرق هو وقومه.
    واليوم ليس بيدنا حيلة.الجزاءر تريد الصحراء الشرقية،ولكن المغا،بة يريدون إسترجاع كل أراضيهم.

  • Amaghrabi
    الجمعة 16 فبراير 2024 - 19:49

    الاخ الكريم المعلق رقم 4 يذكرني بمثل ريفي وربما مغربي “صاحب الكرش العريضة يأكلها كاملة او يتركها كاملة” لان هذا المثل ينطبق على العصابة العسكرية الجزائرية التي عوض ان تحمد الله وتعمل من اجل نشر السلم والسلام في المنطقة المغاربية اصبحت تعمل من اجل نشر ثقافة العداوة وعدم الاستقرار ولها مزيدا من الاطماع في اراضي جيرانها رغم انها اخذت اكثر من حقها واخذت ما ليس لها وبالتالي فاجلا ام عاجلا ستترك الارض كلها وتصبح الجزائر مرتعا وللتقسيم التعسفي واليوم نعيش حالة القبائل التي تتمرد على العصابة وتريد ان تكون دولة في شمال الجزائر ولو صغيرة

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50 2

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 16

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 2

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟