قلب واحد متعدد

قلب واحد متعدد
الأحد 14 دجنبر 2025 - 05:22

لقد أسهم أحمد بوعناني في تأسيس وبلورت النقد الإبداعي والفكري السينمائي من خلال مقالات في مجلة أنفاس Souffles، وكتابات إبداعية في الرواية والشعر، هذا إلى جانب كونه مخرجا وسيناريستيا وصاحب مونتاج ورساما أيضا.

سينمائيا، رام أحمد بوعناني تمثيل عوالم الثقافة الشعبية والشفهية المغربية تعِلّة لتثمين وتعزيز الوجود المغربي في اختلاف الهويات المتعددة جغرافيا والمنصهرة في هوية واحدة وهي “التمغربيت”، فقلب تمغربيت هو من يتمثل الفيلم السينمائي باختلافه وثائقيا أو روائيا، وعموما الإبداعية الإنسانية في شموليتها هي تكتب بالقلب، في المقام الأول الفيلم السينمائي الجيّد هو الذي يؤسس لحلم بصري عند المتلقي كيفما كانت طبقته الاجتماعية، ببساطة كل ابن آدم يتنفس الحياة وأحلامها بالقلب، فمن اللباقة البصرية أن يعزز الفيلم السينمائي حالات نبض هذه القلوب الحالمة أثناء عبورها لحياة دنيا الناس، ومن ثمّة فالمخرج المرحوم أحمد بوعناني رام تمثيل بعض من حالات الحياة المغربية «كحقيقة وطنية» ويؤكد أحمد بوعناني في حوار له يقول: «لقد حالفني الحظ في معالجة الثيمات القريبة جدّا من قلبي». حيث نجد لإي فيلمه الوثائقي السينمائي «الذاكرة 14»، إعادة تلَّفظ حيوات تبدو بسيطة لكنها تلامِس العمق الداخلي للمشاهد، أيضا هي الوثيقة التاريخية البصرية التي من خلالها أفضى إلى إعادة إنتاج حالات المجتمع المغربي وفق زمنيتين: زمنية ما قبل أزمة بدايات القرن التاسع عشر، 1912، وهي زمنية تمثل نسبيا ذاكرة سعيدة في علاقة الذات المغربية بأحلام تؤشر على الارتباط القوّي بالأرض، ثم زمنية ما بعد 1912، وهي زمنية تمثلها الفيلم السالِف ذكره، باعتبارها ذاكرة مُعذبة مُثقلة بالهموم والخوف والخذلان والصراع في تلويناته السياسية الاجتماعية. هذه الزمنية استضاحت أيضا طقوس المظهر الاجتماعي المغربي والفرنسي وهي ما يُمكن أن نقول عنها، إنها «طقوس تواصلية»؛ بمعنى حالات البين-بين، أي حالات الشدة والتوتر والمرونة، فسياقات المرحلة التاريخية عالجها مُبدع المونطاج كآلية رئيسة في اللغة السينمائية بأسلوب قريب جدّا من قلبه وكيف توفق في تجذير صمت الشخصيات الحقيقية من نساء ورجال عايشوا حالات الصراع، بمعنى أن صمت الشخصية المؤطرة في لقطات كبيرة تستبين أدّق تفاصيل الوجه والنظرة، هي التي لامست فينا عِطر اللقطة باعتبار أن الصمت هو «هوية أحلام سينمائية مغربية» وأن هسهسات القلب أوصلها المخرج إلى قلب المتلقي، كيفما كان هذا المتلقي مع أو ضد، لا يهمّ. المهم وكما يقول بوعناني اقتباسا عن أورسون ويلز: «الفيلم حُلمٌ؛ حُلم ربما مُبتذل، بليد، رتيب وعديم الشكل؛ إنه ربما كابوس، لكن الحلم ليس أبدا كذبة».

ماذا يعني بهذا؟ أنا أحبّك فأنا لا أكذب عليك، قد نحلم جميعا أو أنقلك إلى حلمي، لكنّي لا أكذب ولا أبيعك وهم حياة بصرية مُزيّفة. إذن، هي الرغبة في نقل صورة بصرية عادِلة، أي تقطع مع الصورة البصرية الظالِمة التي تثقِل القلب والبصر، وتقدف بالمتلقي في متاهات اللا-حياة. فكل صورة بصرية سينمائية هي شكل تجربة إنسانية وحبكة لغة سينمائية في علاقة مباشرة مع الواقع المغربي وتاريخه وذاكرته وهويته، وهنا اللغة السينمائية هي ما يرتكز على السردية الفيلمية والمونتاج والسيناريو، هذا المثلث يشترط القداسة في تمثيل حالة الإنسان في علاقة بوجوده وما يتطلّع إليه، المخرج هو في المقام الأوّل يكشف لنا عن تحوّلات هذا الواقع المغربي وتظهيرها فنيا مرتكزا على آلية المونتاج بقلق قلبه، ومن تمثل شكل الإيثار السينمائي قد يتمثل صدق اللقطة وعدالة التواصل بالسينما.

القلب واحد، لكن رؤاه متعددة:

«لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» صدق الله العظيم.

هو قلب واحد، لكن أحلام القلب هي عديدة ولا حصر لها. يقول بوعناني: «لقد حالفني الحظ في معالجة الثيمات القريبة جدّا من قلبي». فمن يملك تصوير قلبه في شكل إبداعي قد ينال الحظين: حظ الصورة العادِلة وحظ تمتيع قلب المتلقي، فصحيح أننا نَملِك جميعا نفس القلب لكننا لا نملك نفس الحلم، مثل الذي أسس له المخرج أحمد بوعناني من خلال «السينما العادِلة» وهنا يمكننا أن نقابل هذا المفهوم في تضاد مع «السينما الظالِمة». ومن منظور أحمد بوعناني، يُعتبر الفيلم السينمائي المغربي «حُلماً»، إنه كتابة بصرية بالقلب إنها سردية المُحِبُّ داخل خطاب نسق مُرَّكب باعتبار أن الحلم هو «رحِم تشكُل العملية/ الفعل» وعليه يحض ر اللسان واليد وكلّ الجوارح التي درّبها الإنسان على الحالات العادِلة، ومن الطبيعي هي حلات إنسانية لا تستحضر العدوانية، وهذا شكل الألفة البصرية عنده، فهذه العمليات تتفاعل داخل مسار توليدي بصري وفق مثلث القلب واللسان واليد، ونؤكد على اللسان باعتبار أن الإنتاجية السينمائية البوعنانية (نسبة لأحمد بوعناني) تستضيح لي قوّة اللغة المغربية وهذا شكل قوّة العلاقة بين القلب واللسان، وأكيد ما إن تحضر هاتان القُوّتان بالضرورة والسلاسة مما لا يمكن أن يكون أن تحضر قوّة اليد كمرآة للعقل الإنساني العادِل، فالسينما أقرب من التربية بل هي أداة إبداعية لها. ويؤكد المخرج أحمد بوعناني على أن الفيلم السينمائي كلما تكلّم لغته الأمّ كان قريبا من القلب أو هو القلب المُحِبّ لذاته وللأخر. وعليه، يبدو لنا أنه قريب من العقلانية بالمعنى التّام للواقعية.

الإخراج السينمائي عند أحمد بوعناني كمخرج وصاحب سيناريو ومونتاج أي «الواحد المتعدد» في بناء أفلامه نجد أنه ارتكز على الذاكرة كقوة حافظة للتاريخ الذي عاشه، محكي صورة تاريخ تمغربيت المغربية، إنها ذاكرة بلد-أمّة، هذا الأثر المحفوظ والمنقوش والذي سيبقى فيصبح الماضي معه هو الحاضر الآن، حاضر ذاكرة وذكرى، إنه يعود كصورة، كفيلم كرواية، كرسم كأرشيف، كإعادة تلفظ أحلام تتجدد بالقراءة، وعليه «فأفلام القلب» هي ذاكرة جماعية تنبثق من ذاكرتنا ومن ذاكرة الآخر، لأننا كائنات تواصلية، وأيضا من ذاكرة فردية وطنية في تكاملها وتناغمها أفضت إلى التأسيس لذاكرة مجموعة بشرية في تعدد ثقافتها ولغاتها ولهجاتها واختلاف أمكنتها من الشمال إلى صحراء الجنوب المغربي وجبال الريف والأطلس المتوسط، وأنهار وبحار هذه الأمكنة المغربية.

السينما: ذاكرة القلب.

تعددت تصورات ومجالات اشتغال أحمد بوعناني وهذا أسهم في إنتاجية سينمائية يمكن أن نصطلِح عليها بسينما: «الذاكرة والقلب»، إنه الروائي والشاعر والناقد السينمائي والمخرج، فالصورة البصرية المتحركة سينمائيا بحمولة علاماتها الدالة على حالات المجتمع المغربي أسهمت في صناعة القيّم، بل هي نواة القيّم التي استندت على المعنى بالبصري وباللغة الشعرية البصرية. فالأحلام كتابة ذهنية ترتبط بالقلب، بمعنى أمكنة الحبّ، والسردية الفيلمية عند أحمد بوعناني رامت اللا-فشل في التعبير عن هذا الحب الذي عضدده باللغة الطبيعية والكتابة السينمائية حيث الصورة الثابتة والمتحركة عززت مقصديته ولامست قلب المتلقي المُحب لتمغربياته. فالسرد السينمائي مكون رئيس في الإبداع السينمائي إنه عنصر هام ومهم داخل نسق الكتابة السينمائية بالكاميرا وآليات أخرى تُسهم في تثمين الكاميرا، قلب المخرج الذي يمنحه المخرج للمتلقي أيضا ليبصر ما لا يُرى بالعين. إجمالا السردية الفيليمة هي نسق إستيتيقي حيث إن ذاكرة قلب المخرج هي التي تُوَّجِه الكاميرا، فبدون قلب لا يمكن أن نتحدث عن جمالية اللغة السينمائية ولا على الفيلم السينمائي في كُليّته (سرد، سيناريو ومونتاج).

نختم:

ولا علاقة لنا بقلب اللا-فن، وسنبقي على قلب الإنسان المتعدد الرؤى القيمية، بمعنى أننا أمام حالة توالد رؤى «نسق الحب»؛ ومن قلبِ الحُبّ ما صوّر وركَّبَ وأفصحَ وأضمرَ وجَسد وجَرَّد، وهذا حقل تعقيد التصويرية البوعنانية. رحم الله رجلا أحببته فقط لأني نظرت في أعماله بقلبي، وأحببت قولته، من خلال مطلع قصيدته الشعرية “الذاكرة 14” المتضمنة في ديوانه الشعري “الشبابيك”، يقول:
“سعيد من ترقُد ذاكرته في سلام”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أزمة النقل في أورير وتامراغت
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 23:30

أزمة النقل في أورير وتامراغت

صوت وصورة
ملعب هسبريس | لسعد الشابي
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:30

ملعب هسبريس | لسعد الشابي

صوت وصورة
أول الفهم | مصطفى المعتصم
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:00 2

أول الفهم | مصطفى المعتصم

صوت وصورة
أساتذة التعليم الأولي يحتجون
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 19:15 4

أساتذة التعليم الأولي يحتجون

صوت وصورة
مضامين التزامات حكومة المنصوري
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 18:38 7

مضامين التزامات حكومة المنصوري

صوت وصورة
المنصوري تمد يدها للأغلبية والمعارضة
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 16:44 6

المنصوري تمد يدها للأغلبية والمعارضة