أزمة “تسليم المجرمين” في الفضاء السيبراني
لم تعد المهددات الكلاسيكية للأمن القومي تنحصر في اختراق الحدود الجغرافية، بل انتقلت الثقالة الأمنية إلى “المجال الخامس” للحروب؛ الفضاء السيبراني. وفي الوقت الذي يواجه فيه المغرب فواعل غير دولاتية (Non-State Actors) وتشكيلات تخريبية تدير عملياتها من خلف الشاشات في عواصم أجنبية، تبرز آلية “تسليم المجرمين” كأعقد إشكالية قانونية-أمنية تواجه السياسة الجنائية المعاصرة للمملكة. إن ملاحقة قراصنة البيانات، والمحرضين الرقميين، وأباطرة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، تتطلب اليوم تجاوز القوالب الإجرائية التقليدية نحو “دبلوماسية أمنية وقضائية استباقية”.
مأزق الإقليمية الشكلي وتفتيت الأثر الرقمي
تكمن معضلة القانون الخاص اليوم في اصطدام مبدأ “إقليمية النص الجنائي” مع سيولة الجريمة الرقمية؛ إذ يمكن لهجوم سيبراني استهدف بنية تحتية وطنية حيوية أن يُدار من دولة “أ”، باستخدام خوادم وسيطة في دولة “ب”، وتنفيذ مادي في دولة “ج”. هذا التفتيت المتعمد للأثر الرقمي (Digital Footprint) يضعف فاعلية الإنابات القضائية ومساطر التسليم الكلاسيكية، خاصة عند اصطدام القضاء المغربي بعقبة “ازدواجية التجريم”، حيث تفتقر بعض الاتفاقيات الثنائية القديمة لتوصيف دقيق لجرائم الحروب السيبرانية الهجينة وغسيل الأموال عبر الأصول المشفرة.
التوظيف السياسي لحق اللجوء وتحصين الجناة
تتحول العقبة من تقنية-قانونية إلى استراتيجية صرفة عندما تتخذ العناصر التخريبية من بند “الجريمة السياسية” أو “حق اللجوء” في بعض الدول الغربية درعاً للإفلات من العقاب. وهنا يبرز الدور المحوري لذكاء الدولة الأمني والقضائي؛ إذ يصبح لزاماً على الأجهزة الوطنية صياغة مساطر توقيف دولية بالغة التعقيد، قادرة على تفكيك الأبعاد الجنائية المحضة للفعل (كالابتزاز المالي، أو قرصنة المعطيات السيادية، أو الإرهاب الفكري التوجيهي) لانتزاع قرار التسليم من قضاء الدول الحاضنة، وقطع خطوط الرجعة على الخطاب التبريري للجناة.
أدوات حسم السيادة القضائية: نحو مقاربة أمنية-تشريعية
إن بسط السيادة الكاملة للمملكة على مجالاتها الحيوية يستوجب تحديث آليات التعاون الدولي وفق ثلاثة محاور استراتيجية:
ملاءمة المسطرة الجنائية مع عقيدة الأمن السيبراني: مراجعة مقتضيات قانون المسطرة الجنائية المغربي لتتوافق كلياً مع المقتضيات التقنية لاتفاقية “بودابست”، وصياغة ملاحق أمنية مرنة تلحق بالاتفاقيات القضائية الثنائية لمواكبة ديناميكية الجريمة الرقمية.
مأسسة المعاملة بالمثل الزجرية: تفعيل قنوات التنسيق الفوري بين المديرية العامة للأمن الوطني (مكتب الإنتربول) والنيابة العامة لتسريع تبادل الأدلة الرقمية الجنائية، والاعتماد على مبدأ “المعاملة بالمثل” كأداة ضغط دبلوماسي وقانوني في غياب الاتفاقيات الثنائية.
توطين الفقه القانوني : تشجيع البحث الأكاديمي في سلك الدكتوراه لربط القانون الخاص بالعلوم الجيوسياسية والرقمية، لتخريج جيل من “المحللين القضائيين” القادرين على صياغة مذكرات توقيف دولية محصنة تقنياً وقانونياً لا تترك ثغرة لرفض التسليم.
إن العدالة السيادية لم تعد تقف عند حدود المراكز الحدودية، بل تصنعها كفاءة الاختراق القانوني العابر للقارات؛ والرهان الحقيقي أمام صناع القرار في المغرب اليوم يكمن في دمج القوة التشريعية بالقدرة الأمنية لتأمين الجبهة الوطنية وملاحقة مهددي الاستقرار أينما وجدوا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.