أساتذة يبسطون عوامل هجرة الطلبة من "أم العلوم" في الجامعات المغربية

أساتذة يبسطون عوامل هجرة الطلبة من "أم العلوم" في الجامعات المغربية
صورة: أرشيف
الجمعة 27 شتنبر 2024 - 19:00

بالموازاة مع انطلاق الموسم الجامعي الجديد، أرجع أساتذة مادة الفلسفة هجرة الطلبة المغاربة من هذه الشعبة الجامعية إلى مجموعة من الأسباب والعوامل، من ضمنها آفاق دراسة “أم العلوم” وارتباطها التاريخي بالمناخ السياسي في المغرب، على اعتبار أنها اتخذت في وقت من الأوقات بمثابة “سلاح” لمواجهة بعض التيارات والإيديولوجيات التي كانت تتقوى في المجتمع، بعدما كانت مرفوضة في فترات سابقة لارتباطها بالتيارات الماركسية.

وإلى جانب معطى ضعف آفاق دراسة هذه الشعبة واقتصارها على “مهنة التدريس”، أكد الأساتذة الذين تحدثت معهم جريدة هسبريس الإلكترونية على أهمية العناية بهذه المادة وتدريسها لأبناء المغاربة في جميع مراحل تعليمهم، عوض الاقتصار على المرحلة الثانوية، تماشيا مع الرهانات المجتمعية من أجل تكوين أجيال واعية ومنتجة ومتسلحة بالفكر العقلاني.

في هذا الإطار، قال محمد الأشهب، أستاذ الفلسفة بجامعة ابن زهر بأكادير، إن “هجرة الطلبة المغاربة من شعبة الفلسفة يجد له تفسيرا في مجموعة من العوامل، أبرزها تراجع نسبة توظيف الخريجين من هذه الشعبة خلافا لما كان عليه الحال في أواخر التسعينات وبداية الألفية الثالثة”، مضيفا أن “الطلبة اليوم أصبحوا ينفرون من الشعب والتخصصات التي لا تحمل آفاقا على مستوى سوق الشغل، وهو ما دفعهم إلى التوجه إلى شعبة الإنجليزية التي تضم عددا كبيرا من الطلبة”.

وأوضح الأشهب، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الذين كانوا يلجون إلى شعبة الفلسفة كانوا في أغلبهم من أبناء الطبقات الشعبية، غير أن تقليص نسبة توظيف أساتذة هذه المادة في الثانوي ساهم في هجرها من طرف الطلبة”، مشيرا إلى أن “الفلسفة تم التعامل معها في السياق المغربي كأداة وليس كفكر”.

وزاد شارحا: “الفلسفة حوربت خلال فترة السبعينات لأنها كانت تعتبر فكريا راديكاليا ماركسيا، حيث تم توظيف الإسلام السياسي في محاربتها من خلال تقوية شعبة الدراسات الإسلامية التي كانت تضم جيشا من الطلبة، واستمرت هذه السياسة إلى أواخر التسعينات حيث رأت الدولة أن الحركات الإسلامية تقوت أكثر من اللازم، وفي ظل سياق حكومة التناوب وما بعدها، تم اللجوء مجددا إلى الفلسفة من أجل ضرب الفكر الجذري الإسلامي، لتجد الفلسفة نفسها في قلب حركة المد والجزر المرتبطة بضبط التوازنات السياسية والإيديولوجية”.

وشدد الأستاذ الجامعي ذاته على أن “تهميش مادة الفلسفة في السياق الحالي يمكن ربطه أيضا بتراخي الحركات الإسلامية، وبالتالي ترى الدولة أن لا حاجة لتقوية هذه المادة من أجل مواجهة التيار الإسلامي الذي تراجعت جاذبيته مقارنة بالسابق”، مؤكدا أن “تسييس تدريس الفلسفة والتعامل معها بمنطق سياسي لا يخدم المجتمع في شيء، لأن الأمر يتعلق بفكر وقيم أولا قبل أن يكون مادة، حيث إن الدولة يجب أن تهتم بتدريسها إذا كانت فعلا تملك إرادة سياسية لعقلنة المجتمع على غرار مجموعة من الدول التي تدرسها للتلاميذ في مستويات التعليم الدنيا”.

وبين محمد الأشهب أن “الإصلاح الجامعي الجديد أضاف ثلاث مجزوءات لتدريس الفلسفة لطلبة شعبة الدراسات الإسلامية من أجل عقلنة هذه الأخيرة، وهذا يؤكد أن الدولة مازالت تتعامل مع الفلسفة كأداة لمواجهة النزوعات من هذا النوع”، مشددا على أن “الفلسفة كانت قبل وجود الإسلام والماركسية، وهي تجلٍّ من تجليات الحضارة الإنسانية. وبالتالي، فإن هذا المنطق الأداتي لتدريسها متجاوز، حيث يجب أن يكون رهان التدريس رهانا مجتمعيا لتربية الناشئة على الفكر العقلاني وليس على محاربة هذا الطرف أو ذاك”.

من جانبه، أورد عبد اللطيف بوهرية، أستاذ باحث في الدراسات الفلسفية، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الحديث عن هذا الموضوع يتطلب في الحقيقة دراسات دقيقة. لكن في اعتقادي، فإن تراجع إقبال الطلبة على شعبة الفلسفة في الجامعات مرده إلى مجموعة من العوامل المتداخلة والمترابطة التي لا يمكن فصلها عن بعضها من أجل فهم وضعية الفلسفة والدرس الفلسفي داخل الجامعات المغربية”.

وأوضح بوهرية أن “هذا التراجع يمكن أن يفسر بالعديد من العناصر، منها طبيعة المادة نفسها التي يراها كثيرون معقدة ويزيدها تعقيدا ضعف الإقبال عن فعل القراءة والكتابة اللذين يعدان جوهر العمل الفلسفي، كما يمكن أن يفسر بمحدودية آفاقها، إذ لا تخول لحامل شهادتها الجامعية سوى الترشح لمباريات ولوج المراكز الجهوية للتربية والتكوين، عكس بعض الشعب الأخرى كالفرنسية والإنجليزية”، مضيفا أن “الفلسفة كانت في سياقات معينة مرفوضة لأنها تعري الواقع وترفض الجاهز وتحفز الفكر النقدي”.

وتابع المتحدث بأن “هذه الشعبة فقدت جاذبيتها عكس السابق لما كانت تستهوي العديد من الطلبة وتساهم في إثراء النقاش السياسي من داخل الجامعات، وهو ما أنتج لنا نخبا وخريجين متشبعين بالقيم الفلسفية وبحرية الاختيار، حيث إن تراجع الإقبال عليها انعكس سلبا على مستوى الطلبة ومستوى النقاش، ما أفرز لنا طلبة وباحثين تقنيين وغير منتجين ولا يمتلكون مناعة فكرية واستقلالية تمكنهم من المساهمة في النقاشات المجتمعية”.

وخلص بوهرية إلى أن “اقتصار تدريس مادة الفلسفة على المستوى الثانوي فقط يتطلب من الوزارة الوصية التفكير في آفاق تدريسها وتعميمها على باقي الأسلاك، أسوة بباقي البلدان التي اعتبرت تدريس الفلسفة منهج حياة، عبر الحديث عن تدريسها للأطفال بغية تكوين جيل قادر على التفكير المستقل”، معتبرا أن “كل هذه العوامل مجتمعة ساهمت بشكل أو بآخر في تراجع الإقبال على الفلسفة التي كان يجب أن تدرس للتلاميذ المغاربة منذ نعومة أظافرهم لارتباطها برهان تكوين جيل واع ومنتج للأفكار”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • Philosophie
    الجمعة 27 شتنبر 2024 - 19:24

    الفلسفة تطور العقل وتحول الإنسان من دمدومة إلى فاهم آش واقع ,الحكام الفاسدون تيكرهو الفلسفة حيت تتفضح إستغلالهم للشعب وأنهم قدر ومكتوب وخاص الرضا بالمكتوب وأنو خاصو يصبر لطغيانهم وسرقاتهم

  • عبد الحة العلوي
    الجمعة 27 شتنبر 2024 - 20:05

    الفلسفة و دراستها لا تحتاج إلى شعب في الكليات و هي ليست ام العلوم هناك فلسفة العلوم و ما كتبه بشلار الفيلسوف الذي درس العلوم قبل أن يتوجه علميه الى دراسة العلوم كانت جماعة من التيار الاشتراكي تدرس الفلسفة الجابري امليل واقيدي و كثير منهم و بالأخص في شعبة العلوم الاجتماعية لكن اليوم و بعد ان اصبح هم الشباب التشغيل أراد البحث عن الدراسة التي تقربه الى مناصب الشغل و لا بد من تغيير منهجية الدارسة في الكليات النظرية انها أصبحت تفرخ شباب عاطل و لا تكوين له. مثلا احب الفلسفة لكني تكويني علمي يمكن أن يكون الإنسان نفسه في هذا الميدان للمعرفة فقط اما التقنية في الانتاج و الإبداع لا بد من تكون اكاديمي

  • بنادم
    الجمعة 27 شتنبر 2024 - 20:07

    الفلسفه التاريخ الأدب بكل انواعه ووو مواد ثقافه عامه لا تحتاج إلى الذهاب إلى المؤسسات التعليميه حرام تضيع الوقت في ذلك …الدول تتقدم بالعلوم العلوم العلوم

  • محمد
    الجمعة 27 شتنبر 2024 - 20:52

    حين يتم إحداث صناعة ثقافية كما هي موجودة بفرنسا حيث تصل مداخيل الدولة الفرنسية سنويا من هذا القطاع ما يناهز كل ميزانية دول المغرب العربي مجتمعة خلال عام، و عندما يتم إشراك اللإعلام العمومي في عملية تفعيل النهوض بالشأن الثقافي و الأكاديمي على أرفع مستوى بالمغرب و أن لا يقتصر اكتساب المعرفة على المقرر الدراسي، و حين يتم تشجيع الناشئة على اكتساب و تقوية الفضول العلمي و الرغبة في إطلاق العنان لتطوير المواهب و الشغف المعرفي، آنذاك ستجد أمامك آلاف من الشباب شغوفين و ملمين بأم العلوم التي هي الفلسفة كل همهم هو الظفر بمقعد في الجامعة لدراسة الفلسفة و كل العلوم التي تعتمد على إثارة الفكر و الإبداع.

  • سقراط والهرطقة
    الجمعة 27 شتنبر 2024 - 20:59

    الفلسفة لم تعد تجدي نفعا في سياق عصر الرقمنة وتكنولوجيا المعرفة، بل تساهم في تفريخ العاطلين، وليست لوحدها زد عليها المواد الأدبية عموما، حتى أن اليابان لا تقر هذه المواد في مناهجها التعليمية. سوق الشغل حاليا بمتطلبات جديدة لدرجة أن الحرفيين ذو مستوى تعليمي بسيط يمكنهم الهجرة للعالم المتقدم بسهولة على حاملي شواهد المواد الأدبية .

  • حنان
    الجمعة 27 شتنبر 2024 - 21:26

    اصلا الجامعة يجي اقفالها لان كلية التربية هي من توظف الاساتدة

  • aziz
    الجمعة 27 شتنبر 2024 - 21:59

    في كوريا الجنوبية يرتكز التعليم الاعدادي والثانوي على التدرج في العلوم والتكنولوجيا و جزء مشترك بين الجميع فيما يخص الأدب و التاريخ والفنون و الثقافة والفلسفة وهي مواد ترافق التلميذ طيلة السنوات وهكذا يحصلون على طلبة لهم تكوين تقني و هوية وثقافة و فهم وتفكير . أن يتم حصر التلاميد أو الطلبة في الفلسفة فقط ليس أمر جيدا بالنظر الى فرص سوق الشغل و لكن الاكتفاء في التكوين على العلوم هو أيضا أمر غير صالح.

  • عابر سبيل
    السبت 28 شتنبر 2024 - 00:32

    الهجرة هي الحل في ظل غياب تام لمناصب لخريجي كلية الآداب والعلوم الإنسانية، شخصيا حاصل على شهادة الماستر المتخصص في علم الاجتماع ولم أوفق لحد الان في إيجاد عمل بشهادتي..
    ضيعت وقتي في دراسة تخصص غير مطلوب في سوق الشغل، زيادة على هذا تسقيف السن في مباراة التعليم يدفعني بقوة لإيجاد وسيلة للهرب من جحيم البطالة وما أعانيه معها يوميا.

صوت وصورة
حنان والإصرار على النجاح
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 12:47 3

حنان والإصرار على النجاح

صوت وصورة
التوعية بدور المساعدة الطبية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 10:54

التوعية بدور المساعدة الطبية

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 7

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 10

مبادرة ساكنة لفك العزلة