قتل بن لادن، وانتهت الأسطورة المرعبة للأمريكان،انتهى الشبح الذي طاردهم عشر سنوات،هكذا ظن الغرب ومعه الولايات المتحدة الأمريكية، لقد استشهد الأمير المجاهد، ولم ولن تنتهي الأسطورة ، هكذا ظنها أنصار أسامة بن لادن وحماس، واستنكر الإخوان بمصر، بل جزم تنظيم القاعدة بأن الفكر التكفيري لن ينتهي، والأسلوب الجهادي سيبقى قائما دائما في نشر هذا الفكر.
فهل انتهى الفكر التكفيري بنهاية الأسطورة أم لا زال مستمرا ؟ وهل القضاء على تنظيم القاعدة يكون بالقتل أم بالحوار؟ الجواب يقتضي بنا العودة إلى الجذور التاريخية والمصادر النظرية التي تؤطر هذا الفكر وتغذيه بشكل مستمر، والضامنة له النجاح والاستمرار بل حتى الانتشار، في غياب الحوار وما يقتضيه من تحقيق للكرامة والعدالة الاجتماعية.
بعودتنا إلى الكتب التاريخية واللاهوتية نجد بدور هذا الفكر مغروسة في أول نفس بشرية، وفي العصور الطوطمية والعشائرية، كما نجد هذه البدور تنمو و تترعرع مع تطور المصادر الدينية ، التي شكلت منهلا من مناهل الفكر التكفيري، ناهيك على ما خلقه الفقر والظلم والاستبداد بالمال والسلطة من أسباب ساهمت في نمو هذا الفكر واستمراره.
فالصراع بين قابل وهابل الذي انتهى بأول عملية قتل في الوجود، تؤكد وجود نزعة الشر في النفس البشرية والرغبة في القتل ، كما تؤكد نزعة الخير أيضا، فالمقتول لا يريد أن يبسط يده ليقتل قاتله، لأن الخير المغروس في قرار نفسه غلب شرها، والقاتل ساد الشر على الخير المغروس في نفسه، كما أن العصور الطوطمية والعشائرية نحت نفس المنحى، فبين الخير والشر ظلت الأرواح تزهق والدماء تراق ، فجاءت الرسالات، فاختلفت التأويلات، فمن الخروج على موسى إلى قصة صلب عيسى، ثم الخروج على محمد ،حين قال له ذو الخويصرة اعدل يا محمد ، فقال : ويحك أتقول هذا وأنا رسول الله . فانصرف ذو الخويصرة : فقال رسول الله : “سيخرج من ضئضئي هذا أناس يصلون صلاتكم، ويصومون صيامكم، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. والمروق هو الخروج، وصدق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد خرج من ضئضئ ذو الخويصرة أناس قتلوا عثمان وعلي، وكانت لهم صولة وجولة، بل قامت لهم دولة أيضا بالمشرق، ولازالت بدورها مستمرة في اليمن مع الإباضية، وفي أفغانستان مع الطالبان، تنمو وتترعرع عبر خلايا تنظيم القاعدة بجميع أنحاء المعمور.
إن فكر تنظيم القاعدة يشكل، وباقي الخلايا السلفية الجهادية، استمرارا للمروق وللخروج الفكري الذي أسسه ذو الخويصرة، بحيث إن هذا الفكر يلقى منهله في التأويلات المتشددة، وكذا القراءات المتطرفة للنصوص الدينية. “فلا حكم إلا لله” و ” من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” وفي آية “الظالمون”، وفي أخرى “الفاسقون”.
فأنصار القاعدة يرون بأن الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد والأوحد الكفيل بتنظيم حياة الناس. وهذا أمر فيه نقاش، فنصوص الشريعة محدودة، ووقائع الناس غير محدودة، فكيف للمحدود أن يشمل اللامحدود؟.
لقد وجد هذا الفكر استمراره في سوء التوزيع العادل للثروات و للسلط ، وفي انتشار الفقر والجهل بأمور الدين، وانتحال أشباه الدعاة والعلماء صفة العالم والداعية، وغيرها من الأسباب التي تضمن لهذا الفكر استمراره وانتشاره.
فما العمل للقضاء على هذا الفكر الأسطوري؟ هل نقتل تنظيم القاعدة وجميع الخلايا الإرهابية ؟ أم نحاور هذا الفكر” الظلامي”، ونكشف له النور الرباني والهدي المحمدي الذي تزخر به النصوص الإسلامية؟ هل نصغي إلى نفس الإنسان ونلبي حاجياتها الطبيعية والروحية؟ أم نصغي إلى صوت الرصاص ونحرم الإنسان من الحق في الحياة الذي تنادي به المواثيق الدولية ؟ .
إن القضاء على هذا الفكر يقتضي من المسؤول الأول على تحريضه، ترك أفغانستان والعراق، والعودة بجيوشه إلى أرضه، وكفى الله المومنين القتال، ثم العمل بكل صدق على إعادة التوازن الاقتصادي العالمي إلى وضعه العادل والطبيعي، فخمس العالم ينعم بالثروة ،وأربع أخماسه يرزحون في الفقر. وبعدها يكون الحوار قد استجمع شروطه وأركانه ، وساعتها يمكن تحقيق نجاحه مع المتطرف باسم اللغة أو العرق أو باسم الدين .
إن أسامة و ذو الخويصرة و تشيكفارا ماتت أجسادهم ، أما أرواحهم وأفكارهم فهي في كل بلد تزرع ثورة شبابية جديدة، تطالب بعدالة اجتماعية، وبالحق في الكرامة والعمل والسكن والأمن الروحي والمادي للإنسانية جمعاء. فاليوم الأنظمة الاستبدادية في زوال وغدا أمريكا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.