لم يكن صوت المبرد على سنّ المفتاح مجرد احتكاكٍ معدني، بل كان أنيناً خافتاً لروحٍ تُبرَدُ قسراً لتتطابق مع قوالبِ النسيان. كان “أبو رياض” يمسك بالمبرد بأصابعٍ تشققت من سنواتِ الاحتكاك بالخشب والمعدن، تلك الأصابع التي باتت خريطةً وعرةً لجغرافيا وحدته.
ورشته الصغيرة، المتوارية في زقاقٍ ضيقٍ تبتلعه عماراتُ المدينة الزجاجية الشاهقة، لم تكن مجرد دكانٍ لنسخ المفاتيح، بل كانت متحفاً لأشياءَ رفضت أن تُرقم. رائحةُ الزيتِ وعتمةِ النحاسِ المختلطةُ برائحةِ الغبارِ العتيق، كانت تشكل هالةً غير مرئية تعزل المكان عن ضجيج القرن الحادي والعشرين.

في الخارج، كان العالم يفتح أبوابه بـ “بصمات الأصابع” و”الأكواد الرقمية”، أما هنا، فلا يزال الزمن يُقاس بـ “دكة” المفتاح في القفل، وبصوت الزنبرك الذي يقرر إن كان سيحتضن الداخل أم سيطرده.
رفع أبو رياض رأسه حين رن جرس الباب الخشبي. دخل شابٌ في أوائل العشرينات، يحمل في يده قبضةً مضمومةً بشدة، وكأنه يخفي تحتها قلباً خافقاً. لم ينظر الشاب إلى الرفوف المزدحمة بالمفاتيح الفارغة، بل تقدم نحو الطاولة بتردد، ثم فتح قبضته ببطء.
على المخملية البالية، استقر مفتاحٌ ضخمٌ، ثقيلٌ، يكسوه صدأٌ أخضرٌ داكن. لم يكن مفتاحاً عادياً، بل كان يبدو وكأنه نُحت من عظمِ الأرض ذاتها.
“أريد نسخةً منه”، قال الشاب بصوتٍ أجش، وعيناه تتجنبان نظرةَ الشيخ.
مد أبو رياض يده المرتجفة قليلاً، فلامست أصابعه المعدن البارد. في تلك اللمسة، لم يشعر فقط ببرودة النحاس، بل شعر بثقلِ سنواتٍ تراكمت على سنونه. رائحةُ المعدنِ كانت تفوح منها رائحةُ خشبٍ متآكل، ورائحةُ طينٍ جفّ في ساحةِ دارٍ قديمة.
“هذا المفتاح.. قديم جداً”، همس أبو رياض، وعيناه تثقبان الشاب. “الأبواب التي تفتحها هذه المفاتيح لم تعد موجودة يا بني. لقد ابتلعتها الجرافات منذ عشر سنوات.”
ابتلع الشاب ريقه، وعرقٌ باردٌ لمع على جبينه رغم برودة المكان. “أعلم ذلك. دار جدي في الحارة القديمة.. هُدمت مع الحي بأكمله لبناء الطريق الدائري. لكن.. أريد نسخةً منه.”
توقف المبرد في يد الشيخ. نظر إلى الشاب بتمعن، محاولاً قراءة ما وراء القناع. “ولماذا تنفق مالك على نسخِ مفتاحٍ لبيتٍ لم يعد له سقفٌ يظلّه، ولا جدارٌ يحميه؟”
صمت الشاب لثوانٍ، ثم رفع عينيه، وفيهما بريقٌ لامعٌ يشبه دموعاً رفضت أن تسقط: “لأنني حين أضعه في جيبي، وأشعرُ بثقله يقرع فخذي وأنا أمشي.. أشعرُ أن لي مكاناً أعود إليه. أشعرُ أنني لستُ عائماً في هذه المدينة التي لا تعرفني.”
في تلك اللحظة، أدرك أبو رياض حقيقةً مرعبةً وجميلةً في آنٍ واحد. هو لم يكن يصنع مفاتيحَ لفتحِ الأبواب، بل كان يصنعُ “أوهامَ العودة”. كان نحاتاً للأرواحِ التائهة، يمنحها ثقلاً معدنياً لتتوهم أنها تنتمي إلى مكانٍ ما.
وضع المفتاح الأصلي في آلة النسخ. ضغط على الزر، فانطلق القرص الدوار بسرعةٍ جنونية. اصطكت شفرةُ القطع بالمفتاح الجديد، فتطايرت شراراتٌ برتقاليةٌ صغيرة، تشبه تماماً تلك الذكريات التي تحترق وتتحول إلى رمادٍ في عقولنا كلما حاولنا استحضارها.
كان صوت الآلة حاداً، يمزق سكون الورشة، لكن أبو رياض كان يسمع شيئاً آخرَ خلفَ ذلك الضجيج. كان يسمع صوتَ الجدران وهي تتهدم، وصوتَ ضحكاتِ أطفالٍ تلاشت في زقاقٍ لم يعد له اسم. كان يقطع النحاس، لكنه في الحقيقة كان يبري “الحنين”، ويمنحه شكلاً مادياً.
توقفت الآلة. التقط أبو رياض المفتاح الجديد، فنفخ فيه ليُزيل غبارَ النحاس. كان لامعاً، حاداً، نظيفاً، و.. ميتاً. لم تكن فيه تلك “الروح” التي يحملها صدأُ المفتاح القديم.
مد الشاب يده، فتسلم المفتاح الجديد. قبض عليه بشدة، ثم وضعه في جيب معطفه. قبل أن يخرج، وضع ورقةَ نقدية على الطاولة، ولم ينتظر الباقي.
“شكراً يا عم”، قال الشاب، وصوته يحمل ثقلاً جديداً، وكأنه حمل للتو حجراً ليثبّت به قدميه في الأرض.
أغلق الباب خلفه، وعاد الصمتُ ليخنق الورشة.
بقي أبو رياض واقفاً، ينظر إلى المفتاح القديم الذي نسيه الشاب على الطاولة. ابتسم ابتسامةً باهتةً، ثم مد يده إلى جيب معطفه البالي. أخرج منه مفتاحاً صغيراً، صدئاً، لا يقل قدماً عن ذلك المفتاح.
كان مفتاحاً لبيتٍ في قريةٍ هُجرتْ منذ نصفِ قرن، ولم يعد لها وجودٌ حتى على الخرائط.
ضمّ المفتاحَ القديم في كفه، وشعرَ بثقله المؤنس. ثم عاد ليمسك المبرد، وبدأ يبري سنّ مفتاحٍ فارغ، بينما صوتُ الاحتكاكِ يعزفُ في الورشةِ سيمفونيةً خافتةً لأشخاصٍ يبحثون عن أبوابٍ ضاعت في الزحام.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.