"أكادير نايْت ويزّْلن" .. تحفة معمارية تنتظر الحماية من خطر الاندثار

"أكادير نايْت ويزّْلن" .. تحفة معمارية تنتظر الحماية من خطر الاندثار
صور: هسبريس
السبت 7 ماي 2022 - 11:00

في مكان متميز أعلى قمة جبلية، شُيّد المخزن الجماعي “أكادير نايْت ويزّْلن” في تراب جماعة تسكدلت التابعة لإقليم اشتوكة آيت بها، قبل زمن بعيد، وكان يلعب، كغيره من المخازن الجماعية التي يعود تاريخها إلى قرون من الزمن، دور بنْك يخزن فيه أهالي المنطقة محاصيلهم الزراعية، وما توفر لديهم من حليّ ونقود ومواد غذائية ووثائق عدلية.

ظل “أكادير نايت ويزلن” مكانا آمنا يَحفظ فيه سكان الدواوير المجاورة له ما يملكون، وبقي يلعب هذا الدور الهام إلى حدود بداية ثمانينيات القرن الماضي، إذ بدأ يتغير أسلوب عيش الناس، وصاروا يتخلون تدريجيا عن خزن ممتلكاتهم في ذلك المخزن الجماعي، ومع مرور السنوات هُجِر، ليتحوّل الآن إلى أطلال متداعية لا تملأ فراغها سوى بعض الثعالب والخنازير.

إبان ازدهار نشاطه كانت بوابة “أكادير نايت ويزلن” محروسة على مدار الساعة من طرف حارس يسمى “لَامينْ”، أما الآن فصارت دفتا بابه المزوّقتان بدبابيس ذات رؤوس مقعّرة مفتوحتين على مصراعيهما، يسكنهما الصمت تارة، وتُصدران صريرا أشبه بأنين شخص مريض عندما تحرّكهما الريح، أما الداخل فيبعث على الأسى.

عند تجاوز عتبة الباب، يظهر سردابٌ (أغْكمّي) كان في العصور الغابرة بمثابة “برلمان محلي”، أو محكمة، حيث تُحلّ مشاكل السكان بعد عرضها على كبار القبيلة. الآن لم يعد في المكان شيء يدل على الدور الاجتماعي البارز الذي كان يلعبه، إذ لم تتبقَّ فيه سوى ذكريات من تلك الأزمنة الغابرة.

وتزداد حسرة الزائر كلما توغّل أكثر داخل فضاءات هذه التحفة المعمارية، حيث تظهر أبواب الغرف وقد انتزعتْ وتركت خلفها الفراغ، ليذهب بها الباحثون عن جني المال ولو من بيع تراثهم إلى البازارات، حيث تباع بأسعار بخسة. ولم يَسْلم ما بداخل الغرف من أوان خزفية ونحاسية، ووثائق نادرة، بدوره من السرقة.

وفي وقت يتحدث المسؤولون الحكوميون ومسؤولو المؤسسات الدستورية عن ضرورة العناية بالتراث المادي الوطني، ويشددون على أهميته كرافعة من الرافعات الأساسية للتنمية، يعيش “أكادير نايت ويزلن” على إيقاع تدهور مستمر لبنيته، إذ انهارت أجزاء مهمة منه، ومازالت أخرى تقاوم وتعاند، منتظرة عناية تنتشلها من نهايتها الوشيكة.

الحالة المزرية التي آل إليها “أكادير نايت ويزلن” كانت نتاج تضافر جملة من الأسباب، فعلاوة على الإهمال الذي طاله من طرف الجهات المعنية، وانتهاك حرمته من طرف بعضٍ ممّن لا ضمير لهم من أبناء المنطقة الذين سرقوا محتوياته، تقف الصراعات السياسية والمصالح الضيقة حجر عثرة أمام إعادة ترميمه، رغم أن ذلك لن يكلف الكثير، من الناحية المادية، وسيعود بالنفع على المنطقة، في الجانب التنموي، إذ يمكن أن يكون وجهة سياحية، لاسيما أنه يقع في موقع جغرافي متميز.

ويؤكد خالد ألعيوض، أستاذ باحث في التراث الأمازيغي، أن وزارة الثقافة مدعوّة إلى التدخل بشكل عاجل لترميم المخازن الجماعية وإنقاذها من الاندثار، وتكثيف الجهود من أجل تصنيفها تراثا إنسانيا عالميا لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، مشيرا إلى أن عشرة مخازن جماعية خَضعت للترميم في جهة سوس ماسة، لكن الوتيرة التي يتم بها ترميم هذه الفضاءات التاريخية تظل غير كافية.

وأشار ألعيوض، الذي ظل يناضل منذ عام 1998، من أجل ترميم المخازن الجماعية، في حديث لهسبريس، إلى أن مسؤولية ترميم “إكودار” ليست ملقاة على كاهل وزارة الثقافة لوحدها، بل تتحملها جهات أخرى، في مقدمتها الجماعة الترابية التي يقع أكادير على ترابها، التي عليها أن ترافع من أجل ترميمه، وكذلك مجلس الجهة.

ويوجد في المغرب 5556 مخزنا جماعيا، مازالت بعضها تشتغل كما كانت قبل أربعة قرون، لكن عددها محدود جدا، بحسب ألعيوض، مشددا على ضرورة تسجيل هذه المعالم التاريخية في قائمة تراث “اليونسكو”، “لاسيما في ظل اشتداد المنافسة التي نواجَه بها اليوم في هذا المجال من طرف دول أخرى”.

وكانت وزارة الثقافة قدمت مشروعا لتسجيل المخازن الجماعية ضمن التراث العالمي لـ”اليونسكو”، ورد في مقدمته اعتراف بأن هذه المؤسسات التي لعبت أدوارا اجتماعية واقتصادية على مدى قرون “لم تنلْ بعد ما هي جديرة به من عناية واهتمام، مقارنة بالبنيات التاريخية الأخرى التي اضطلعت بوظائف عسكرية أو مخزنية أو دينية عبر التاريخ”.

ولم يقتصر الدور الذي ظلت “إكودار” تلعبه على تأمين تخزين ممتلكات الناس، بل إنها في زمن النزاعات الحادة بين القبائل تتحول إلى ملجأ آمن من الرعب والفزع، فضلا عن أدوارها السياسية والاجتماعية باعتبارها فضاء للتجمعات والتواصل بين الأعيان للتداول في شؤون الجماعة، وما يتصل بتنظيم الحياة والمجال.

ويشير مشروع تسجيل المخازن الجماعية ضمن التراث العالمي لـ”اليونسكو”، الذي أعدته وزارة الثقافة، إلى أن المجال الجغرافي للمخازن الجماعية يمتد من بلاد مصر إلى الجزر الخالدات، “بيد أنها لم تحافظ على أصالتها وعراقتها الباذخة إلا في بلانا، حيث مازالت شامخة تعاند بإصرار عاديات الزمان”.

وإذا كانت هذه الجمل مكتوبة في نص المشروع فإن واقع حال “أكادير نايت ويزلن” يبدو مختلفا تماما، فرغم أن بعض أجزائه مازالت تقاوم عاديات الزمان، فإن أجزاء أخرى منه استسلمت وانهارت، لتصير ركاما ينتظر مَن يُعيده إلى وضعه الأصلي.

ورغم أن المغرب يضمّ العدد الأكبر من المخازن الجماعية القديمة فإن بلدانا أخرى تستفيد ممّا لديها من هذه المخازن بشكل أفضل، إذ أشار خالد ألعيوض إلى أن لاس بالماس بإسبانيا تتوفر على مخزن من هذا النوع، وإن كانت لا تتوفر فيه مواصفات المخازن الموجودة في المغرب، ويقصده السياح الوافدون على المدينة. لكن المثير في الأمر هو أن المسؤولين هناك وضعوا صورة تُحيل الزوار الراغبين في التعرف أكثر على هذا التراث على المخزن الجماعي الموجود في بلدة “إكْنكا” بإقليم اشتوكة أيت بها، باعتباره أقرب إلى معمار المخزن الموجود في لاس بالماس.

ويجري التحضير لإنشاء مركز لتثمين “إكودار” ستحتضنه مدينة آيت بها، “لكن يجب علينا أن نُسرع ليرى هذا المشروع النور، فكلما تأخرنا يتعرض تراثنا للاستيلاء من طرف الآخرين”، يقول ألعيوض.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • dris
    السبت 7 ماي 2022 - 11:19

    هراء الخراب ينتظر الحماية.سنة الحياة زرع نبات إخضرار ثم إصفرار ثم جني.شفوا لصنعوا لقاح كورونا .إصنعوا لقاح ضد الخراب ويكون إجباري لضمان الحياة الابدية للخراب.من نهار خرج لقاح كورونا كلشي غادي في خراب .يعني حتى البشر سيلقحون ضد الخراب.المشكل العقول الخريبة.

  • متتبع
    السبت 7 ماي 2022 - 13:11

    التراث المغرب هو التراث الأمازيغي
    التراث الأمازيغي هو التراث المغربي
    إكودار وإغرمان يوجد منها الآلاف تعود لقرون وقرون لكن أكثرها معرض للإهمال والاندثار

  • Heritage Foundation
    السبت 7 ماي 2022 - 15:45

    الحل الامثل هو مؤسستين وطنيتين (والاحسن ان تكون مباشرة تحت الرعاية الملكية، مثل بريطانيا) واحدة تعنى بالموروث المادي واخرى تعنى بالموروث اللامادي او الرمزي، تكون لها وكالات محلية في جميع المناطق. وتقوم الاولى برعاية الموروث المادي، وذلك بترميم واعادة استخدام المآثر المعمارية وغيرها لكل الاغراض الممكنة (الانشطة السياحية والثقافية والاجتماعية)، وتقوم الثانية بالعناية بالموروث الرمزي او اللامادي واعادة استخدامه. هذا امر بالغ الاهمية في بلد مبني على التراث الثقافي والتقاليد، ويستمد منها النظام الملكي احدى ركائزه. اما ان تعهد الى وزارة الثقافة التي لاحول ولا قوة ولا ميزانية كافية ولا رؤيا واضحة لها فهذا ضرب من الاستهتار.

  • بوعزة
    السبت 7 ماي 2022 - 17:27

    لو قرأت جدتي رحمها الله تعليقك . لقالت لك : غير كتزدك أو ليدي .كلامك ماعندو لاساس لا راس

صوت وصورة
ملتقى أولماس
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 19:04

ملتقى أولماس

صوت وصورة
أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 18:44

أرفود .. موسم فلاحي واعد للتمور

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية