أُحِبكَ ولا أُحُب كُرةَ القَدم

أُحِبكَ ولا أُحُب كُرةَ القَدم
الخميس 26 دجنبر 2013 - 16:23

فرح في كل مكان .. فرح في البيوت .. في المقاهي .. في الشوارع وفي الأزقة الضيقة والمُعتمة لوطن قلَّتْ أو انعدمتْ فيه مناسبات الفرح وسبُل التنفيس أو التعويض عن متواليات من الهزائم والخيبات وضيق ذات اليد. فرح تصنعه ” جَلْدَة ” منفوخة بالهواء، وتجعله حدثَ المغاربة الأكبر بامتياز، في زمن عجزتْ فيه المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المغربية وغيرها ــ ولسنين طويلة ــ عن خلق حدث مفرح تستحقه البلاد.

وإذ أستعير من الصديقة الشاعرة السورية المتميزة ” لينا الطيبي ” هذه الجملة الشعرية البليغة ” أحبك ولا أحب كرة القدم “، وأضعها عنوانا أو عتبة لهذا العمود المُقتضَب ( على هامش الإنجاز الكروي المفاجئ والجميل لفريق ” الرجاء ” في الـ ” موندياليتو ” الأخير، الذي احتضنه المغرب خلال الأسبوع المنصرم )، فليس لتبخيس هذا الفرح / الحدث، بل من أجل مُناوِشة بعض دلالاته، وعائداته الرمزية على المغاربة ( إن كانت له من عائدات ؟ )، ثم إبداء رأي متواضع ــ على الأقل ــ في تداعياته النفسية الممكنة والمُحتمَلة على نفوس المغاربة وأحلامهم ” الكبيرة ” والمُجهَضة، في حالة لم تستمر هاته الإنجازات وتترسخ مستقبلا بما يكفي من الشروط والموضوعية. خصوصا وأن الفريق الكروي المغربي قد صعَّد من سقف وأفق انتظار المغاربة في مجال كرة القدم الوطنية : وتلك هي المعضلة ؟

قَطعا، لا نستكثر ــ هنا ــ على المغرب هذا الانتصار الذي يشبه المعجزة ( بما أن جُل انتصارات المغرب أو أغلبها تكاد تكون بمحض الصدفة لا غير )، ولا أحد من حقه أو بإمكانه مصادرة حق المغاربة ( كل المغاربة ) في الفرح، لكن المناسبة تستدعي أيضا التفكير في بعض سياقات هذا الإنجاز الكُروي، وأشكال تصريفه وتداوله وتلقيه على المستويين الشعبي والرسمي على حد سواء. من هنا يكون على المغرب ( كل المغرب ) بكل مؤسساته وأوساطه أن يعمل على جعل هاته الإنجازات والانتصارات وأشكال الفرح التي تَهَبُها الرياضة الوطنية للمغاربة من حين لآخر أكثر مما تفعله السياسة : دائمة وقائمة على نوع من الاحترافية والواقعية والوعي المصاحب لتصريف الفرح والكثير من المقدمات كذلك. ينبغي مأسسة الرياضات والانتصارات.

ومن ثَمَّ استثمار الفرح كمكسب وكمنتوج وطني حيوي قادر على تطوير وتحفيز إبداعية وإنجازات المغاربة في كل المجالات، خارج مسألة الاستثمار الرسمي لمثل هاته الانتصارات عندما تحصل بمجرد الصدفة فقط.

ثم إن المتتبع لأشكال تصريف هذا الفرح الرياضي الوطني ( غير المبني أحيانا على وعي حقيقي بالاحتفال )، وخصوصا بالنسبة لردة الفعل الشعبي داخل فضاء شبكات التواصل الاجتماعي، قد يصاب بالكثير من الذهول للطريقة التي تم التعامل بها مع شخصية ” المُنهزم “. إذ كيف يُعقل أن تعمل نفس اليد المغربية التي جرّدتْ ” رونالدينيو ” من حذائه الرياضي وملابسه داخل الملعب، تيمنا بنجوميته و” بركاته “، على تشويهه في الصورة وفي الكلام. الأمثلة كثيرة ومتعددة. إذ تفننتْ ” إبداعات الهامش المغربي ” مدعومة بهستيريا الاحتفال والانتصار وبالرغبة الدفينة والمحبوسة في ” الانتقام ” من ” الخصم ” ومن الذات كذلك في التنكيل بصورة اللاعب / الأسطورة ” رونالدينيو ” ( والعُهدة على الفوتوشوب ) : فمرة يظهر النجم الرياضي متسولا بجلباب مغربي في ساحة ” جامَعْ الفْنا “، ومرة أخرى قرويا على ظهر حمار يشد الرحال إلى بلاده البعيدة عبر جبال الأطلس الوعرة.

وبما أن الانتصارات الحقيقية هي نتائج لمقدمات وإنجازات موضوعية وواقعية ( مثل واقعية الكرة الأوروبية واللاتينية )، يمكنني التأكيد على أن الكرة صناعة، والفرح صناعة، والانتصار صناعة كذلك. ولكوني لا أومن بالمعجزات التي قد تصنعها في بلدي كرة منفوخة بالهواء، أقول بأن الحب وحده هو الذي يصنع المعجزات ( بما في ذلك حب الوطن وتُربته وطاقاته الغنية ). إذَّاك يكون على نفس الفرح ونفس الحشد الذي خرج وسيخرج للاحتفال بإنجازات الكرة، أن يَهُبَّ بنفس الكثافة ونفس الحماسة، وبالكثير من التعقل والتحضر، ليطالب ببناء وطن تسوده الحرية والعدالة والمساواة والحياة الكريمة. عدا ذلك، سأظل أردد كمغربي وككل عربي مع الشاعرة ” لينا الطيبي “، مخاطِبا وطني المُشتهى أو المَحلُوم به : ” أحبكَ ولا أحب كرة القدم “.

* شاعر وكاتب وناقد فني مغربي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • ابويه محمد
    الخميس 26 دجنبر 2013 - 15:40

    ان يطالب استاذ المواطنين المغاربة بان يخرجوا بنفس الحماسة والكثافة,ولو بالتعقل والتحضر !!! كما جاء في سطوره ,لان المحبين للفريق الرجاوي خرجوا تلقاءيا للتعبير عن فرحهم للانجاز الكبير الذي قام به فريق مغربي جل لاعبيه من الهواة ضد فرق عالمية !!! فهذا تناقد لان الانسان بطبعه لما يفرحه شيء ما يعبر عنه بطريقته الخاصة ! ولا تهمه نضرة الاخر لان تعبير الفرح يكون تلقاءيا وعفويا , عكس مطالبة اي فرد على وجه البسيطة لكي يخرج للشارع للمطالبة بشيء ما !!! وان ينضبط الفرد وان لا يقوم بكذا وكذا حتى لا يتعرض لكذا وكذا , اسمح اسي بوجمعة لا يمكن ان نضع (الفرح والاحتجاج او المطالبة) كما جاء في مقالكم في خانة واحدة لان الفرح يكون داءما عفوي اما الاحتجاج او المطالبة بشيء ما فهناك قنوات او ممثلين للشعب في جميع انحاء العالم سواء عبر ما يسمى عندنا البرلمان اوالسلطة الرابعة اوغير ذلك من القنوات للمطالبة الى من يهمهم الامر ولنا خير مثال ما تعيش ارض الكنانة!!! بسبب المطالبة !!!

  • مجد المغرب يكون بالعطاء
    الجمعة 27 دجنبر 2013 - 06:09

    هنيئا لكل المغاربة هذا الانجاز العظيم ,انجاز نعتز به لانه قوى الارتباط بالوطن العزيز يا ليتنا نستتمر الحدث لنرفع معنويات المغاربة في الداخل والخارج ليلتفوا حول الثقافة المغربية الموحدة ، بعيدا عن كل الوان التعصب الجغرافي او العرقي او السياسي او الديني، نستتمره لان الرياضة لم توحدنا فقط بل هذاالانجاز احيى النفوس عند إخواننا العرب في ظرف يعلمه الجميع.نستتمره لنعلي همم الشباب في جل المجالات ونعزز تقتهم بانفسهم وتقديرهم لذواتهم فيطوروا قدراتهم وطاقاتهم التي حباهم الله تعالى ، فاهدرها البعض فيما يضره ويسيء للوطن . نحيي فيهم الامل ليعرفوا قيمة الوطن ومقدراته وثقافته فيتخد كل واحد وبشكل شخصي رسالة عظيمة لخدمة المغرب والمغاربة.
    نستتمر الحدث لنحيي قيم التضامن والكرم التي دابنا عليها عبر العصور وفي مختلف مناطق المغرب ، فيما بيننا ومع الشعوب الاخرى ، و يعرف شبابنا تلك القيم التي ميزت الاجداد فصنعت الامجاد.و ليعرف كل مواطن ان مجد الوطن واشعاعه بين الامم لن يكون الا بالعطاء ، والرجاء البيضاوي في هذا الظرف كانت نموذجا للعطاء امتد اشعاعه عالميا

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك