شكلت لفظتا أدبي علمي هوية التلميذ في فترة زمنية، وقد جرت تحت جسرهما مياه كثيرة من الملاسنات والتنكيت، وتفاخر كل فريق بانتمائه، والسخرية من الآخر. فالآداب والعلوم هما الجناحان اللذان تحلق بهما الثانوية، تقل مرتاديها إلى حيث ما يسعون إليه من طموحات. لكن الفصول الأدبية اليوم، مهجورة كأنها موبوءة، تعدي داخلها بالعطالة والثرثرة في ما لا طائل من ورائه، ألم يصف لحسن الداودي وهو وزير للتعليم العالي، طلاب الأدب بالعالة على الأهل والمجتمع؟
وضعية الأدب:
انشغل الكثير من الأدباء بما يتهدد الأدب من مخاطر قد تجهز على تداوله، إنتاجا وتلقيا. وهكذا نجد الكثير منهم ألفوا مؤلفات، تدق ناقوس الإنذار، وتحذر من العاقبة الوخيمة لمصيره. نذكر هنا كتاب “موت الأدب” لإلفين كرنان، و “نهاية الأدب” لدومينيك مانفينو. ومازال السؤال: “إلى أين يسير الأدب؟”، الذي تداول بشأنه حوارا شيقا كل من رولان بارت وموريس بلانشو، حيث كانا مقتنعين بسيره نحو هلاكه بالنسبة للأول، ونحو جوهره بالنسبة للثاني، الذي ليس شيئا آخر غير زواله.
وموته هو موت للإنسان والأخلاق والجمال، وكل القيم النبيلة التي تؤثث حياته. ما دام “موضوع الأدب هو الإنسان، فردا أو شخصية” (علي عزت بيغوفيتش). لقد شُيدت سدود حالت بين الناس والأدب، ولم يعد يلتفت إليه الغالب الأعم أمام سطوة المادة والتقنية. وزادت الفجوة عمقا مع الثورة الرقمية الذي شغل محتواها العقول، وأسرت قلب الكبير والصغير، وذهبت ببريق الأدب والأديب. الذي لم يعد يجد لمن يكتب أو يشعر أو يرسم … وانتصر طرح أفلاطون، ليس على الشعراء “الذين لم يجد نفعا في ما يقولونه”، بل على كل الأجناس الأدبية.
وضع جديد قديم:
إن كل مقارنة لحال الأدب بين الأمس واليوم، إلا وتغرقنا في تمجيد ماضيه، وبؤس حاضره. لكن واقع الحال ليس بهذه الصورة الوردية التي تُرسم لماضي الأدب دائما، فطالما علت سطح الصورة خدوش قللت من بهائها، وسحر جاذبيتها. وهذا ما عبر عنه غير قليل من الأدباء. فلما سئل يحيى حقي في حوار صحفي، عن رأيه في مستوى الإقبال على الكتب والقراءة، لم يتمالك نفسه وقال: “لا تدعني ألطم خدي”، حسرة على ما آلت إليه وضعية الكتاب. وهو ما حذا بألان دونو بالدعوة إلى وضعه جانبا، “والسبب هو أن التافهين قد شنوا هجومهم بنجاح، ودون أن يطلقوا رصاصة واحدة”. هجوم ساهم في تسطيح العقل والفكر (نيكولاس كار)، أو في تعفنه (معجم أكسفورد).
إن ازدراء الأدب ليس حديث عهد، فقد عانى أهله العنت منذ أمد بعيد. فهذا الخليل بن أحمد الفراهيدي يشهد بأن “حرفة الأدب آفة الأدباء”، فلا يُعول على الأدب في أن يطعم جائعا، أو يكسو عاريا. فقد روي أن جزارا ترك مهنته واشتغل بالأدب، معتقدا أنه أشرف. فما لبث حتى رجع إلى سيرته الأولى قائلا: “لا تعبني بصنعة القصاب، فهي أذكى من صنعة الآداب، كان فضلي على الكلاب، فمذ صرت أديبا رجوت فضل الكلاب”، إشارة إلى ما أصبح يعانيه من الفقر والعوز. فالكثير ممن لا يدركون قيمته في صناعة الذوق، وتهذيب النفس، وتكوين العقل. يعتبرونه صنو العطالة والفراغ، وفي أحسن الحالات “فراغ جميل” كما وصفه إبراهيم جمال. ولهذا نجد جمهرة غفيرة من الأدباء يتخذون الكتابة والإبداع الأدبي هواية، إلى جانب مهنة رئيسية يتكسبون منها، إما في الصحافة أو التعليم أو …
الانتصار للأدب:
لقد شكلت الابتكارات المرتبطة بالأدب نقلة في نمط التفكير والتعامل مع المعرفة. فمع ظهور التدوين (الكتابة) وانتشاره، ضعفت القدرة على الحفظ، حيث أصبح الناس يعتمدون على ما خطته أيديهم. وبظهور الطباعة اضمحلت مهارة الخط، ومع الثورة التكنولوجية الرقمية، تعالت الأصوات بعدم الحاجة إلى حصة الكتابة مدرسيا، ما دامت الأزرار تكفينا هم تعلمها.
أمام هذا التنكر لجميل الأدب، نجد فئة مازالت على قابضة على جمرته، توقد قبس نورها بما أوتيت من قوة فكرية، وجمالية إبداعية، حتى لا تنطفئ بالكلية. إيمانا منهم بالأثر الذي يحدثه في نفسية الإنسان، حيث “يحرر المرء من المشاعر السلبية” (أرسطو). بالإضافة إلى وظيفته المعرفية والتعليمية التي يتحدث عنها جون بول سارتر، النابعة من التزام الكاتب بقضايا اجتماعية، أو معتقدات “ميتافيزيقية”، كفيلة بتغيير الوضع البشري، وإلا فهجرة القلم واجبة لتحقيق المرغوب. هذا دون إغفال الجانب الجمالي والتواصلي، وتعزيز القيم الإنسانية السامية.
فلكل هذا وغيره، فحاجتنا إلى الأدب قائمة، فمعارض الكتب مازالت تعرف انتظاما في إقامتها، وإقبالا من زوارها. ومواقع التواصل الاجتماعي لا تنقطع منها الاقتباسات لهذا الأديب أو ذاك، والدعوة إلى القراءة ومصاحبة الكتاب قائمة في كل حين وآن، وإشهار الجديد في الحقل الأدبي عادة دائمة الحضور، كما الجوائز التحفيزية على الإبداع والنشر الأدبي لا ينقطع سيل مددها. وكل هذا الزخم الأدبي يحظى بالقبول الحسن، والإطراء الجميل من طرف عدد غير قليل من المتابعين.
كل هذا يؤكد أن الأدب، سيبقى ذلك الخير الذي تحدث عنه شكسبير في مسرحية “ماكيث”، الذي يؤكد نفسه في القلب البشري، رغم المحاولات الكثيرة التي ترمي إلى سحبه من حياة الإنسان، امتثالا لدعوة أفلاطون في جمهوريته، اعتقادا منه أن “الشعر يشوه الحقائق ويضلل الشعوب”. لكنه سيبقى كما كان، “ديواننا” الحافظ لذاكرتنا وقيمنا وأمجادنا، وأيضا نكساتنا التي نتعلم منها. ويشكل مع غيره من فنون القول موروثا ينير الطريق، تتناقله الأجيال عبر التربية والتعليم، وعلى الأساتذة تقع مسؤولية “هدم الجدار الذي يفصل بين عالم الكلمات والواقع” (محمد بوبكري)، واقع طرح من حساباته المعنوي والرمزي من الحاجيات، واعتد اعتدادا مبالغا فيه بالمادة، وكل تعليم لا يوصل إلى امتلاكها والتحكم في ناصيتها، ينبغي طرده خارج كل اهتمام.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.