الأزمة السياسية التونسية تتجه إلى نفق مسدود

الأزمة السياسية التونسية تتجه إلى نفق مسدود
صورة: أرشيف
الثلاثاء 18 ماي 2021 - 09:03

تعيش تونس، منذ إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019، والتي أدت برأي المحللين إلى “تشظي” المشهد السياسي و”استحالة” بروز أغلبية قادرة على الحكم، على إيقاع عدم استقرار سياسي مستمر، وتوالي الأزمات بين الأحزاب السياسية.

ومن الواضح أن الأزمة السياسية والصحية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد اليوم بلغت عتبات حاسمة، إلى حد أضحت معه مستعصية على فهم الخبراء والمحللين السياسيين، بعدما اختلطت الأوراق وأصبحت مسارات الخروج من الأزمة غير مؤكدة.

فالبلاد، حسب هؤلاء الخبراء، بصدد دفع ثمن أوجه النقص التي تعتري منظومتها السياسية، والتي أفرزت تشتتا للسلطات بين رؤساء السلطات الثلاث، الذين يعادي، في أغلب الأحيان، بعضهم البعض.

وتشهد على ذلك حالة الشد والجذب المتواصلة، منذ 15 يناير الماضي، بين رأسي السلطة التنفيذية، الرئيس قيس سعيد، ورئيس الحكومة، هشام المشيشي، المساند من قبل رئيس حزب النهضة (حزب إسلامي)، ورئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، راشد الغنوشي، وكذا من طرف تشكيلات سياسية وسطية صغيرة؛ مما أدى إلى شلل في الحياة السياسية، وقطيعة شبه تامة بين الرؤساء الثلاثة.

وأدى هذا الصراع الثنائي على مستوى قمة هرم الدولة إلى حالة ملل متزايدة وسط التونسيين، الذين يساورهم الإحساس بأنه تم التخلي عنهم في مواجهة “أزمة صحية يجري تدبيرها بطريقة سيئة”، وصعوبات اقتصادية واجتماعية ضاغطة أكثر فأكثر.

وسجل الملاحظون أنه إذا كان الجميع يقر بحجم تدهور الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي بتونس، فإنهم في المقابل يكتفون بالبقاء في حالة جمود، تاركين الوضع يزداد تفاقما، أو المشاركة بشكل مباشر أو غير مباشر في تأجيج نيران الخلاف والفرقة، موجهين أصابع الاتهام إلى “منظومة سياسية مشوبة بالعيوب، وغير ملائمة لديمقراطية فتية وهشة، تواجه العديد من التحديات على الصعيدين الداخلي والخارجي، على حد سواء”.

ويؤكد هؤلاء المحللون السياسيون أيضا أن هناك مشكلا حقيقيا على مستوى الثقافة الديمقراطية داخل التشكيلات السياسية. ويظهر ذلك، في نظرهم، من خلال عدم نجاح أي حزب سياسي يوصف بـ”الديمقراطي” في خلق بنية سياسية على أسس ديمقراطية، وبدرجة أقل في إعداد مشروع سياسي جدير بهذا الاسم.

وللمفارقة، فإن حالة الارتباك، التي تمر بها البلاد، والتي تقلصت قدرتها على تدبير الأزمات بشكل كبير، تتمظهر من خلال العلاقات المتوترة بين الرئاسات الثلاث (الجمهورية، الحكومة، والبرلمان)، وأحيانا في خطابات الحقد، وضعف الاهتمام بملفات ترتبط مباشرة بانتظارات وانشغالات التونسيين، في سياق من التردد ينطوي على كافة المخاطر.

وعلى سبيل المثال، لا ينفك رئيس الدولة التونسي عن إعلان الحرب على الفساد، واستنكار المؤامرات المطبوخة داخل الغرف المظلمة، ووضع داخل “السلة ذاتها” حركة النهضة، وحزب “قلب تونس” الذي يرأسه نبيل القروي (يقبع حاليا في السجن)، والحزب الدستوري الحر، الذي ترأسه المثيرة للجدل عبير موسي.

ويشدد الرئيس سعيد، في ما يتعلق بالحوار الوطني، الذي يجري الحديث عنه منذ أشهر عديدة، على أنه “يتعين أن يكون مختلفا ليشكل الإطار الذي يحدد وينظم الحلول المنبثقة من إرادة الشعب”.

وينطبق الأمر ذاته على المحكمة الدستورية، التي رفض التوقيع على قانونها التنظيمي، بعدما صادق عليه البرلمان في 25 مارس، معللا ذلك بأنه “سيتحمل مسؤولية إيجاد حل بالرغم من مختلف المؤامرات والمناورات التي تحاك ضد مصالح البلاد”.

وفي الاتجاه الآخر، نجد هشام المشيشي، رئيس الحكومة، الذي يواصل نشاطه بفريق حكومي غير مكتمل ويحاول، بشتى الطرق، توسيع “حزامه السياسي”.

ويراهن المشيشي على ورقة التهدئة، معتبرا أن حكومته غير معنية بالصراعات السياسية، وإنما بالوضع الاجتماعي والاقتصادي والصحي.

أما راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، فيواصل المقاومة، مفضلا لعبة المراوغة على المواجهة المباشرة مع خصومه، الذين لا ييأس بعضهم من العمل من أجل تسريع رحيله من رئاسة البرلمان.

ودعا، في هذا السياق الصعب، إلى تغيير الإستراتيجية الوطنية للتصدي لـ(كوفيد-19)، وإلى التهدئة السياسية من أجل تمكين البلاد من التركيز على مكافحة الجائحة.

وتذهب آراء الخبراء والفاعلين السياسيين، إزاء أزمة سياسية مستفحلة، في كل الاتجاهات.

وعزا الهادي بن عباس، كاتب الدولة السابق لشؤون الأمريكيتين وآسيا، هذا الوضع إلى العديد من العوامل، معتبرا “أننا ندفع ثمن اللامبالاة، والشعبوية وابتزاز الدولة، سواء من قبل الشعب أو النقابات أو من طرف السياسيين”.

من جهته، يرجع المحلل السياسي حاتم مراد المأزق إلى منظومة سياسية “لا تشجع على التعاون، ولا على التوافقات الأساسية”.

ويشاطره هذا الرأي حمودة بن سليمان، وهو وزير سابق، الذي يعتبر أن “الديمقراطية مهددة”، كاشفا أن السياسيين التونسيين غارقون في الصراعات والضغائن والتناقضات، إلى درجة أنهم تناسوا حقائق منظومة وصلت حد الإنهاك.

وعلى الرغم من تشخيص الوضع وانعكاساته الخطيرة، فإن تونس تتعثر في الوصول إلى توافق أو بالأحرى تسوية تجنبها الانقسامات والصعوبات، أو السقوط في حالة عدم اليقين والفوضى.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • عبد الرحيم الورديغي
    الثلاثاء 18 ماي 2021 - 09:25

    لو بقيت الشقيقة تونس ملكية ؟
    ارى انه لو بقيت الشقيقة تونس ملكية في عهد البايات ، لكانت تعيش في استقرار وازدهار احسن ما عليه الان…في عهد البايات ، كنا لانسمع الا الخير والازدهار الوارد منها، كما عليه الان اسبانيا الملكية…او المغرب الشقيق….فلترى ما تعانيه جارتها الجزائر من حكم جائر ديكتاتوري مند ان دهبت فرنسا عنها سنة 1962..وستعاني في القرون المقبلة ،لو لم تندمج في الملكية المغربية كما كانت عليه ايام المرابطين والموحدين والمرينيين ….

  • أغراس
    الثلاثاء 18 ماي 2021 - 09:28

    تونس في حالة لا تحسد عليها ماليا و إقتصاديا هدا هو ما ربحته من ربيعها العربي الدي ركبه الإخوان على حساب تضحيات الشعب عوض العمل على حل مشاكل الشعب ضيعوا وقتهم في المشاجرات على الكراسي ، لكي تعود تونس إلى كانت عليه قبل الثورة يلزمها عقود من الزمن

  • طريق الديمقراطية
    الثلاثاء 18 ماي 2021 - 09:38

    شق طريق الديمقراطية شئ ليس بهين.. ولكن هكذا بنيت الديمقراطيات التي نراها اليوم، تبدأ باختلافات الآراء،يتبعها المفاوضات ثم الاتفاقيات ثم التنفيد وها هي ديمقراطية ولدت.

  • أستاذة وطنية
    الثلاثاء 18 ماي 2021 - 10:39

    ربما يجب على رؤساء الاحزاب نبذ الخلافات والصراعات من أجل بناء تونس جديدة تحت الوحدة بين الاحزاب وديموقراطية حقة للتغلب على المشاكل الاقتصادية والاجتماعية فنريدها تونس الخضراء التي عهدناها سابقا

  • عماد علي
    الثلاثاء 18 ماي 2021 - 11:25

    لا يمكن لانظمة الديكتاتورية في شمال افريقيا والأنظمة القبلية والتيوقراطية في الخليج ان تترك تونس لتصبح دولة ديمقراطية !!
    كما ان المستعمر فرنسا تخاف ان يصيب وباء الديمقراطية جيران تونس
    هذا هو مشكل تونس وهو التدخلات المختلفة للحيلولة دون ان تصبح تونس متحررة

  • عالية
    الثلاثاء 18 ماي 2021 - 11:31

    ازمة تونس سببه هو حزب النهضة دات التوجه الاسلامي ..لان الاحزاب الاسلامية ضد الحداثة لو تخلصت تونس من هدا الحزب سيكون بألامكان لت تكون دولة متطورة …

  • مهتم جدا
    الثلاثاء 18 ماي 2021 - 12:00

    القيادة في تونس تفتقر الى الحنكة والتجربة السياسية خصوصا على مستوى ادارة الازمات . لذلك فالشواهد الجامعية العليا لا تكفي وحدها لادارة دولة . والسيد قيسي في حاجة الى ادارة يجب ان يكون فيها صقور للسياسة وليس اصحاب الشواهد فقط .
    لكنني اتفاءل ان تونس رغم الازمة قد تخرج قوية وقد تكون انطلاقتها جيدة وتنبعث من جديد باقتصاد اقوى ورؤى اوضح اذا استطاع الفرقاء احتواء الازمة وان ينصت بعضهم الى بعض دون عصبية ولا صراعات ايديولوجية . وحبذا لو يستشير الرئيس التونسي مع نظرائه لتوسيع دائرة الشورى والرأي ، وأن لا تأخذ احدهم او بعضهم عزة النفس والاستئثار بالرأي

  • mimo
    الثلاثاء 18 ماي 2021 - 12:08

    لا أظن أن تونس ستنجح في بناء نظام دموقراطي ليس لأنها غير قادرة على ذلك ولكن لأنها تنتمي الى عالم آخر تحكمه أنظمة دكتاتورية تخضع شعوبها بالقوة القاهرة و تعمل لصالح قوات اجنبية ولوبيات عالمية.
    أنظمة إما عسكرية أو عشاءرية لازالت تفكر بمنطق الرعية المقرونة بغياب اي مسؤولية للحاكم اتجاه الشعب عوض المواطنة المبنية على شرعية صوت الشعب.

  • هشام السوسي
    الثلاثاء 18 ماي 2021 - 13:04

    اينما حلت الاحزاب الاسلام السياسي حل الخراب !!!! شهادة من التاريخ ،دول المغاربية محتاجة الى طاقات مدنية تحب وطنها و لها خبرة في تسيير احوال الشعب ، من له عقلية الجماعة لا يمكن ان يسير بلدا والا ضاع الكل وراء ت جدب وجر القنب بين الاحزاب الحداثية المتطرفة و الاحزاب الاسلامية
    شكرا هسبرس للنشر

  • مواطن مغربي
    الثلاثاء 18 ماي 2021 - 13:25

    أين المعلقين اللذين كانوا يشكرون الإخوان في توني حين فازوا في الانتخابات وقالوا بما أن تونس فاز بها الاخوان فإنها في أمان..ها هم فازوا وها هو جهدهم.جر البلاد في نقاشات عقيمة الى الهاوية أكثر مما هي عليه.كلما امسك الاخوان بزمام أمور بلد ما إلا وحل به الخراب لأن الدول تتقدم وهم يريدون ارجاعنا إلى زمن السكن في الخيم والركوب على الجمال لأن عقولهم توقفت في ذلك الزمان ولا تتقدم أبدا إلى الأمام كانهم جمدوها في الثلاجات كي لا تتطور ويطوروا بها البلاد وكل همهم الاستيلاء على الحكم بأي وسيلة كانت حتى لو ذمروها كلها.أرا دبا الديسلايكات لأن هذا الكلام لن يعجب اخوان المغرب رغم أنه حقيقة مرة عشناها ورأيناها في جميع البلدان التي حكموها ومنهم المغرب اللذي يحكمها الآن اخوان حزب اللاعدالة واللاتنمية.لم نرى منهم الا الكوارث واحدة تلوى الأخرى.عوض مراعاة مصالح الشعب هم يركضون وراء السلطة والمناصب والمال وشهوات الفرج لبس الا

  • الثلاثاء 18 ماي 2021 - 14:32

    من أرادوا التصويت على إلغاء فصل قانوني يعاقب من سب الله و الدين بدعوى حرية التعبير فلا خير فيهم .

  • سعيد
    الجمعة 21 ماي 2021 - 17:51

    المعاصي تزيل نيعام الجهر بى لافطار فى رمضان وتغير شرع لله في لارث كل داليك من اسباب ضنك العيش والشقاء ان ربكا لايس بضلام للعبيد

صوت وصورة
"سوبير الرحمة".. سوق مهجور بسلا
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 12:21 1

"سوبير الرحمة".. سوق مهجور بسلا

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50 3

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 16

بوتين يستقبل المنصوري