مدخل تاريخي:
ترجع الجذور الأُولى للذكرى الرسمية للاحتفال بالمولد النبوي في المغرب، إلى عهد الخليفة الموحدي أبي حفص عمر المرتضى، وبالتحديد في الربع الأول من القرن السابع الهجري، لأسباب ودوافعَ فرضتها أحوال اجتماعية وثقافية، وأوجبتها دواعي دينية وعقدية، بِحُكْم الاختلاط بين المغاربة وأهل الأندلس، حيث أنتج ذلكم الخليط بينهم مشاركة هؤلاء المغاربة في أعياد النصارى كالاحتفال بيوم النيروز والمهرجان وميلاد المسيح عليه السلام، فلاحظ أحد أعلام المغرب وهو أبو العباس العزفي [ت633هـ] هذا الاختلاط الشنيع وذاك التقليد الأعمى، ففطن إلى التفكير بما يَمْلأ الفراغ الروحي والشعور الإيماني لهم، فاستحسن إحداث الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف .
أول من دعا إلى الاحتفال بذكرى المولد النبوي بالمغرب:
يعتبر الإمام أبو العباس العزفي السبتي المعروف بابن عزفة ، أول من دعا إلى الاحتفال بذكرى المولد في المغرب، وألف كتاباً في هذا الشأن سماه: الدُّر الـمُنَظَّم في مولد النبي المعظم، لكنه وَافَـتْه الـمَنِيَّة قبل أن يكمله، فأتمه ابنه أبو القاسم أمير سبتة.
الأسباب والدوافع الباعثة على استحداث المولد النبوي بالمغرب:
إن الاحتكاك الذي أشرنا إليه آنـفاً بين المغاربة- وبالتحديد أهل سبتة- والنصارى في الأندلس في القرن السابع، نَشَأَ عنه نوع من الاختلاط في العادات والأعراف، وامتد ذلك التمازج ليصل بالمغاربة إلى مشاركة هؤلاء النصارى في احتفالاتهم وأعيادهم، ولما رأى أبو العباس العزفـي ما رأى أراد أن يَصْرِفَهُم عن ذلك، وفي هذا يقول أستاذنا الدكتور محمد يسف مُوَضِّحاً أبعاد هذا الاستحداث شارحاً مغزى نشوء هذه السُّـنَّة الحَسَـنَة: « فدفعه هذا -أي العزفي- إلى التفكير فيما يَشْغَلُ عن هذه البدع، ويقْضِي على هذه المناكر ولو بأمر مباح، فوقع في نفسه أن يُنَـبِّهَ أهل زمانه على الاعتناء بمولد الرسول ثم رأى أن تَلْقِينَ ذلك لِلنَّشْئِ الصغير أجدى وأنفع، فأخذ يطوف على الكتاتيب القرآنية بسبتة، ويشرح للصغار فيها مغزى هذا الاحتفال حتى يسْرِي ذلك لآبائهم وأمهاتهم عن طريقهم، ثم دعا -يضيف أستاذنا- إلى تعطيل قراءة الصبيان في هذا المولد العظيم، وهكذا نشأ هذا الاحتـفال لمقاومة التقليد الديني المسيحي.. ».
وسرعان ما تبعه في هذه العادة الحميدة علماء آخرون، فقد نقل الحافظ السيوطي عن المؤرخ الكمال الأدفوي في كتابه الطالع السعيد قوله: « حكى لنا صاحبنا العدل ناصر الدين محمود بن العماد أن أبا الطيب محمد بن إبراهيم السبتي [ت695 هـ] نزيل قوص كان يـجوزُ بالمكتب في يوم مولده عليه السلام، فيقول: يا فقيه هذا يوم سرور اصرف الصبيان فيصرفنا .. ».
وهذه العادة الحسنة التي سَنَّهَا أبو العباس العزفي، أعني تعطيل قراءة الصبيان يوم المولد، ما زالت منتشرة في المغرب وترَسَّخَت فيه عَمَلِيّاً منذ ذلك الحين إلى الآن، وخاصة عند الناشئة وطلاب العلم حتى غدت من الأعراف الـمتبعة في الكتاتيب القرآنية، والتقاليد الـمَرْعِيَّة في الـمَدَارِس العلمية العتيقة، بل تحولت بِـحُكم تقادم الأزمان وانصرام الأعصار، لِتصبح من أهم المناسبات الدينـية الوطنـية.
أول من احتفل بالـمولد النبوي في الـمغرب :
إذا كان أبو العباس السبتي له ولع خاص بالاحتفال وشغف كبير بالمولد، حتى ألَّف فيه تأليفاً مُستقِلاً فإنه- حسب المصادر التاريخية- لم يحتفل به في عصره بالْهَيئة المعهودة اليوم، أو على الأقل بالطريقة والكيفية التي كان يَـوَدُّ أن تكون به، وإنما تَأَتَّى ذلك لابنه أبي القاسم [ت677هـ] حين شاءت الأقدار أن يتولَّى إمارةَ سبتة، فاجتمعت له بذلك السلطة السياسية والدينية واستطاع بهما أن ينفذ وصية أبيه، فاحتفل في هذه المدينة سبتة المحبوبة الـمَسْلُوبة -أعادها الله إلينا بفضله وكرمه- بأول ذكرى للمولد الشريف في المغرب بعد إمارته على تلك المدينة وذلك سنة [648هـ] واستمر على ذلك إلى أن وافته المنية.
أول احتفال رسمي بالمولد الشريف في المغرب:
وبعد مرور أربعة عقود أو تزيد من تاريخ هذا الاحتفال، أي [648هـ] احتفل السلطان يوسف المريني بأول احتفال رسمي بالمولد الشريف، وعن هذا يقول المؤرخ أحمد الناصري في كتابه الاستقصا: « وَفي سنة إحدى وتِسعين وسِتمائة، أَمر السلطان يوسف بن يعْقوب بن عبد الحق بعمل المولد النبوي وتعظيمه والاحتفال له وصيره عيداً من الأعياد فِي جميع بِلاده، وذلك في شهر ربيع الأول من السّنة المذكورة.. ».
وقد أجمع المؤرخون على أن الإمام أبا العباس العزفي أول من قام بالمولد الشريف في المغرب، وفي هذا يقول المقَّرِي في أزهار الرياض: « العزفي صاحب سبتة هو الذي سن ذلك في بلاد المغرب، وأتى بزلفى تدنيه إلى الله وتقربه، واقتفى الناس سننه وتقلدوا مننه تعظيماً للجانب الذي له السمو والعلو.. ».
وقد تَجاوز أمر الاحتفال بالمولد النطاق الجغرافي لسبتة، إلى حد انتشاره بالمغرب كلِّه، حين أهدى أبو القاسم العزفِي للخليفة الموحدي كتاب والده الدر المنظم، طالباً منه أن يَسُنَّ هذه السُّنة الحسنة، فصار الخليفة المرتضى يقوم بإحياء ليلة المولد النبوي بمراكش ويحتفل به احتفالاً كبيراً، فانتشرت هذه العادة الحميدة في كل الأقطار، واستحسنها مَنْ بعْدَهُ مِن ذوي الأبصَار، ولم يختلف أهلُ العلم الحُذَّاقُ والراسخون في ذلك الاحتفال على مدى الأعْصَار، لذلك جرى عمل الناس به منذ ذلك الحين في كل الأمصَار، واتصل استحسانهم ذاك في المغرب جيلاً عن جيل، إلى عصر المنصور بالله جلالة الملك محمد السادس كذلك وزيادة صَار.
المولد النبوي انطلق من المغرب إلى بلدان المغرب العربي والأندلس:
والجدير بالذكر أن المملكة المغربية الشريفة هي السباقة تاريـخياً إلى استحداث هذه السُّنة الحسنة في شمال إفريقيا، فنبتت في المغرب أصول تلكم الشجرة الطيبة الباسقة، لتُخرج أغصانها المليئة بالثمرات، وفروعها العامرة بالخيرات إلى ما وراء حدوده، وبعد بُدُوِّ الصلاح: بدأ من هم خارج الحديقة كغرناطة وإشبيلية وقرطبة ونواحيها، والـجزائر وطرابلس الغرب وتونس وما ولاها، والسنغال والنيجر وما وراها يَجنون الثمار، ورغم كثرة القاطفين لا تنتهي ثـمارها، وكأنها توتي أكلها كل حين بإذن ربـها.
ولو أردنا أن نُّطْلِق على أصل تلك الشجرة إسْماً مـحدداً، لوجب أن نسميه: أبو العباس العزفِي، نعم أبو العباس العزفِي أول من استحدث المولد الشريف بالمغرب، وأشهر شرفائه وكبار صلحائه، وخير من يصدق فيهم قوله : « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.. الحديث ».
وبهذا تكون ذكرى المولد النبوي بالمغرب في هذه السنة [1437] من هجرة المصطفى قد استكملت منذ استحداثها سبعَمائةٍ وتسعاً وثمانين سنة [789] ومن المتوقع -إن أطال الله بقاء عمر هذه الأمة- أن يستمر المغاربة على نفس هذه السُّـنَّة الحسنة، وسيحتفلون بحلول سنة [1648هـ] بالذكرى الألفية للمولد النبوي الشريف، تحقيقاً لقوله : « لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقـوم الساعة ».
هوامش:
1 – قال أستاذنا الدكـتور محمد يسف لم أقف له على ترجمة مستـقلة في غير: – برنامج الرعيني 42 ت 14 .
-وتوجد نُتَف من أخباره في: أزهـار الرياض للمقري )1/ 39 -243- 2/375(، واختصار الأخبار )ص /22( ورحلة البلـوي)2/ 95( والحلل السندسية في الأخبار التونسية )3/ 824( انظر المصـنفات المغربـية في السيرة النبوية ومُصَنِّـفُوهَا )1/ 176 هامـش- 1(.
2 – المصنفات المغربية في السيرة النبوية ومُصنفوها )1/ 178( وفي تكملة كتاب الدر المنظم لابنه أبي القاسم يعلِّل هذا الأخير الأسباب التي دفعت والده إلى تأليفه بشكل عام، وأسباب استحداث المولد في سبتة بشكل خاص قائـلاً: « لِيَتَّخِذوا مولده الكريم موسماً يتركون به ما كانوا يقيمونه من أعياد النصارى وعوائدهم التي يجب لمغانيها أن تعطل ولمبانيها أن تـهدم ..».
3 – نسبة إلى بلد أدفـو في صعيد مصر أنظر ترجمته في الدرر الكامنة لابن حجر )1/535( وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي )6/153( والأعلام للزركلي )2/122-123(.
4 -حُسن المقصد في عمل المولد لجلال الدين السيوطي )ص/ 66 -67( بتحقيق عبد القادر عطا طبعة دار الكتب العلمية/ 1985 .
5 – الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى لأبي العباس الناصري )3/ 90 (تحقيق جعفر ومحمد الناصريَيْن نشر دار الكتاب/ الدار البيضاء.
6 – أزهار الرياض)1/ 536( منشورات اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي في حكومة المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية.
7 – جزء من حديث رواه مسلم تحت رقـم [4830].
جزاكم الله خيرا على هذه المعلومات القيمة وهدى الأمة لتعيد النظر في علاقتها بنبيها الذي هجرت هديه في شتى مناحي الحياة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي مردود على صاحبه.
وقال – عليه الصلاة والسلام – (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
لأول مرة أطلع على مقال علمي رصين في جريدة مغربية يؤصل للاحتفال بذكرى المولد النبوي. وتتجلى قيمة البحث في منهجيته ولغته الرصينة والمعلومات الدقيقة والمصادر والمراجع المعتمدة.
وقد قرأت للباحث أبحاثا أخرى في المجلات المتخصصة كالمجلس وقوت القلوب وما أعرف عنه أنه سوسي حصل على الدكتوراه من فاس وخريج دار الحديث الحسنية وحاصل على الجائزة الاولى في مستبقة السيرة النبوية التي نظمها المجلس العمي الأعلى.
وهو نموذج للشباب الباحثين
قال الإمام مالك رحمه الله : من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمد خان الرسالة
لا شك أن فضيلة الدكتور الحسين اكروم من الدكاترة الباحثين الذين جادت بهم مدينة تزنيت فأغنت مؤلفاته ومقالاته ومنشوراته ومشاركاته المكتبة داخل الوطن وخارجه. وهذا المقال مقتطف من كتابه الذي أعده للطبع حول ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم ولا ريب أنه متخصص في استقراء الفتاوى واستقصاء النوازل واستنباط الاحكام من خلال اجوبة العلماء في المسألة. فحبذا لو نشرت أعماله كلها ليستفيد منها الخاص والعام ولتحقق ثراء وغنى للساحة العلمية.
شكرا لكم استاد الفاضل على هذه المعلومات القيمة
لقد اجدت وافدت يا استاذو وماعهدنافيكم الاان تكونوا دائما موفقين في جميع بحوثكم العلمية فهنيئا لكم.
عندما يريدون تنفيرنا من عمل ما أو قول ما يزعمون أنه من خصائص الشيعة حتى هجروا بمنطقهم الأحول هذا كثيرا من أحكام الإسلام فقط لأن الشيعة التزموا بها كأن الشيعة جاؤوا من المريخ وليسوا فرقة من الفرق الإسلامية الأقرب لنهج النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم .
هل تعلمون أن الجامع الأزهر في مصر أسسه الشيعة وكان يسمى جامعة الزهراء ، لماذا اكتفى السنة بتحريف اسمه ؟ لماذا لا يهدمونه ويبنوا لأنفسهم جامعة عمرية أو صديقية أو نورانية لأننا لن ننسى أن الجامع الأزهر أسسه الشيعة .
الدكتور الحسين أكروم نمودج ولا أروع للشباب المثقف الوسطي المعتدل،ولا أقول هذا مجاملة، فقد قرأت له العديد من المقالات وحضرت لعديد من محاضراته،فمزيدا من التوفيق وكثر الله أمثالك في هذا البلد الأمين لينعم دائما في السلم والأمان بعيدا عن التشدد والغلو والتطرف،فديننا دين الوسطية والاعتدال.
جزاكم الله خيرا أستاذنا د الحسين
بورك فيكم سيدي وجزاكم عنا كل خير
أستاذي الكريم أصل المقال تأصيلا تاريخيا بارك الله فيه وفي جهوده
تأصيل جميل ولغة رصينة عذبة وكيف لا وهي تتعلق بأفضل وأطيب وأجمل خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم. فكل شيء عند ذكره يطيب.
شكر الله لكم أستاذ المرشد حسين أكروم أسأل الله عز وجل أن يجعله في ميزان حسناتك.