خلال المجلس الوزاري الأخير 13 يوليوز 2022 رُفِعَت لِنَظَرِ الملكِ مجموعة من التدابير الرامية إلى تنظيمٍ مؤسساتي للطائفة اليهودية بالمغرب،
كَمُتَتَبِّعٍ مهتم بالشأن العام من زاوية، ومن أخرى كباحث متخصص في العلوم القانونية، فَبِقِرَاءةٍ أوَّليّةٍ لهذه التدابير تتراءى لي ضرورة التفكير في رصد وتجميع مكونات التشريع العبري في المغرب، والذي نجد أساسه في المغرب منذ سنة 1918 حيث تم تنظيم المحاكم العبرية ونظام توثيق المعاملات بين اليهود المغاربة “مع الاحتفاظ لهم بحقهم في اللجوء إلى المحاكم التي تطبق القواعد العادية”، وهو الأمر الذي تكرس ضمن التشريع الحديث مع مدونة الأسرة التي نصت على تطبيق مقتضيات الأحوال الشخصية لليهود المغاربة، هذا إلى جانب عدد من الظهائر الملكية والمراسيم المتضمنة لقواعد قانونية مؤطرة لعلاقات وتصرفات مختلفة للمواطنات والمواطنين المغاربة اليهود، ودستور 2011 الذي أكد الاعتراف بكون الثقافة اليهودية كرافد من روافد الهوية المغربية.
كما نجد أساس رصد وتجميع مكونات هذا التشريع في كون المحاكم العبرية جزء لا يتجزأ من التنظيم القضائي المغربي لها اختصاص استثنائي، إذ تبت في قضايا الأحوال الشخصية “الزواج – الطلاق – نظام الإرث – التركة – الهبات – الوصايا”.
ويقصد برصد وتجميع التشريع العبري المغربي تحديدا تجميع النصوص القانونية السارية المفعول المتعلقة بالطائفة اليهودية المغربية، وكذا النصوص القانونية المنسوخة بمقتضى النصوص القانونية السارية حاليا، وتجميع المتاح من الأحكام والقرارات القضائية، وإيجاد قراءات في هذه الأحكام القضائية وفي تطور النصوص القانونية والمقررات القضائية المذكورة؛ وهذا ليس معناه خلو الذاكرة القانونية المغربية من دراسات وكتابات ترصد أحيانا هذا المجال، بل مرده الحاجة اليوم إلى عمل علميٍّ متكامل مُنْجَزٍ بمنهجية التأريخ القانوني منذ تأسيس المحاكم العبرية بالمغرب، باعتبارها الدولة الوحيدة عبر التاريخ المعاصر التي تمتع فيها المواطنات والمواطنون اليهود بمؤسسة قضائية مستقلة خاصة بهم منذ بداية القرن 20 ولا زالت؛ (رغم انحصارها لعدم الإقبال عليها).
ومن بين الأهداف العلمية من إيجاد هذا العمل العلمي هو الحفاظ على التشريع العبري المغربي كموروث ثقافي قانوني مشترك متفرد وذلك عبر فهرسة النصوص القانونية المؤطرة للعلاقات بين اليهود المغاربة، وتقعيد المقررات القضائية الصادرة عن المحاكم بجميع درجاتها ومراحلها والتعليق على تلك التي تشكل اجتهادات بين نظيراتها.
إن هذا يشكل رصدا غير مباشر لتطور فلسفة فقه القضاء العبري المغربي، ويسلط ضوءا كاشفا لِلتَّمَيُّزِ الإيجابي للدولة المغربية كحامية لحقوق وحريات المواطنات والموطنين من الطائفة اليهودية بمنحهم حق الولوج إلى العدالة وفق شريعتهم مع حق الاختيار في التقاضي أمام القضاء العادي.
إضافة إلى هذه الإيجابيات المتعارف عليها علميا بشأن تجميع النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، فإن تجميع أحكام المحاكم العبرية المغربية سيمكننا من فهم حقب زمنية مختلفة من تاريخ المغرب على اعتبار أن القضاء العبري المغربي كان عبر مراحل كالتالي:
مرحلة الاستعمار:
1- ظهير 12 ماي 1918 بشأن تنظيم المحاكم العبرية والتوثيق الإسرائيلي في المنطقة الجنوبية.
الظهير الخليفي المؤرخ في 20 مارس 1928 بشأن تنظيم المحاكم العبرية والتوثيق الإسرائيلي في المنطقة الشمالية.
3- ظهير الخليفي المؤرخ في 15 فبراير 1928 بشأن تنظيم المحاكم العبرية والتوثيق العصري في طنجة.
مرحلة ما بعد الاستعمار:
بعد الاستقلال صدرت بتاريخ 15 مارس 1957 مقتضيات قانونية ترمي إلى تحديد المحاكم العبرية بالمغرب وتعيين مراكزها ودوائر كل منها، إذ تم استبدال تسمية المحاكم العبرية الأولية بالمحاكم العبرية الإقليمية فأصبحت لاحقا محاكم عبرية ابتدائية، كما تم في تلك الفترة إنشاء محكمة عبرية استثنائية لناحية تافيلالت مقرها بمركز قصر السوق (الرشيدية حاليا)، إضافة إلى تعديلات أخرى عبر مراحل متعددة مختلفة إلى أن وصلنا إلى ما هو عليه الوضع الآن حيث تتواجد الغرفة العبرية بالدار البيضاء، التي تختص بجميع القضايا الشرعية التي يكون أطرافها مواطنات ومواطنون مغاربة من الديانة اليهودية، ويقصد بالقضايا الشرعية تلك التي يكون لها ارتباط بالزواج والطلاق وقضايا الإرث والتركة والوصايا وكل ما يدخل في إطار الفقه اليهودي الذي يختص به كبار حاخامات وأحبار لهم تكوين ديني يهودي يعينون بظهير.
فإذا كان الأمر على هذه الشاكلة فإن تجميع الأحكام الصادرة عن المحاكم السالفة الذكر والغرفة المذكورة سيكون من أهم المهام الملقاة على الهياكل المؤسساتية المُشَكِّلَةِ لمنظومة تدبير شؤون الطائفة اليهودية المغربية المذكورة في بداية هذا الرأي.
وذلك قصد إيجاد دليل قضائي تاريخي، وإبراز التجربة المغربية القضائية الحخامية سواء من حيث مسارها أو تنظيمها أو فلسفتها الفقهية ومسبباتها القضائية، وما سيشكله من بطاقة تعريف نوعية بالتشريع العبري المغربي، كما سيشكل منطلقا صلبا للنقاش والبحث المعمق ودراسات عليا في مجال القانون العبري في المغرب، ولتبادل الزيارات والزمالة البحثية بين كليات الحقوق المغربية وتلك المتخصصة في القوانين اليهودية في الأراضي الفلسطينية والأراضي الإسرائيلية وكذا تبادل الخبرات والتجارب وتصدير الخبرة المغربية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.