مفتتح
ليس التصوف مذهباً يُقاس بميزان العقل المجرد وحده، ولا هو انخطافٌ عاطفي يُعفي صاحبه من قوانين الواقع، بل هو طريقٌ يبدأ حيث تنتهي الأقوال وتبدأ الأحوال، حيث يُسأل القلب: هل أنت عبدٌ لما خُلقتَ له، أم أسيرٌ لما خُلق لك؟ فمن رآه خرافةً رأى ظلَّه في مرآة النهار، ومن عرفه حقيقةً رأى النهار ظلاً في مرآة قلبه.
1 ـ ليس هروبا من العالم
التصوف ليس هروباً من العالم، بل غوصٌ في أعماقه ليستخرج منه الدرر التي طمستها الأمواج المادية. إنه ليس رفضاً للعقل، بل تكميلاً له بضوءٍ لا يراه إلا من سلك الطريق. فالعقل وحده كالقنديل في ليلةٍ مظلمة، يضيء ما حوله ويترك ما وراءه في ظلمة، أما القلب المستنير فيضيء ما حوله وما وراءه، فيصبح هو نفسه قنديلاً للعالم.
من قال إن الجنيد والغزالي والرومي كانوا عالةً على أممهم؟ أولئك الذين ملأوا الدنيا علماً وأدباً وحكمةً قبل أن يخلوا إلى ربهم. كانوا علماء الشريعة قبل أن يكونوا أولياء الطريقة، يحفظون الحدود قبل أن يتجاوزوها إلى المقصود، يصلُّون بالناس قبل أن يخلوا بالله، فكيف يكونون معرقلين للتقدم وهم الذين أحيَوْا العقول قبل القلوب؟
إن الخرافة ليست في أن يقول السالك: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً»، بل الخرافة الحقيقية أن نعتقد أن الإنسان كائنٌ مادي فقط، وأن الحياة مجرد تفاعلات كيميائية تنتهي بموت الخلايا. الخرافة أن نُقدِّس الآلة ونُهين الروح، أن نبني ناطحات سحاب تُعمي الشمس عن قلوبنا، ونظن ذلك تقدماً.
أما التصوف فلا يُنكر المادة، بل يضعها في موضعها: خادمة لا سيدة، وسيلة لا غاية. يقول الرومي: «أنت تبحث عن الماء في السراب، وفي قلبك نهر جارٍ». فالتصوف لا يحارب التقدم، بل يحارب التقدم الذي يُفقِر النفس وهو يُغني الجيب، والذي يُعْلي البنيان ويُهْدِم الإنسان.
إنه تنقيةٌ مستمرة، كمن يغسل وجهه كل صباح لا لأنه اتسخ بالأمس فحسب، بل لأن النقاء حالٌ لا يستقر إلا بالتجدد. ينقّي التصوف القلب من حب الدنيا الذي يجعل الإنسان يبيع آخرته بعرض من الدنيا قليل، وينقيه من حب الذات الذي يجعله يرى نفسه مركز الكون، وينقيه من حب السلطة الذي يُحوِّل الإنسان إلى ذئب لأخيه الإنسان.
وفي هذه التنقية يكمن سرّ مقاومته للتسلط المادي الظالم، لأن من ذاق حلاوة القرب من الله استغنى عن قرب السلطان، ومن رأى الله في كل شيء لم يعد يخاف من أحد سواه، ومن فنى عن نفسه لم يعد يطلب الوجود في عيون الناس. فالتصوف ثورةٌ صامتة ضد كل استعباد، سواء كان بالمال أو بالسلطة أو بالشهوة.
ولذلك كان الصوفية عبر التاريخ أكثر الناس شجاعة في مواجهة الظلم، لأن من لا يخاف الموت لأنه يحب اللقاء، لا يمكن أن يخاف سجاناً أو جلاداً. قال الشيخ عبد القادر الجيلاني للخليفة حين دعاه: «ما لي وللخلافة وقد ملكتُ ملكاً لا يزول؟». هذا هو التصوف: ليس انسحاباً من التاريخ، بل دخولٌ فيه من بابه الأعلى.
فإذا كان هناك تعطيل للتقدم، فهو ليس في التصوف، بل في سوء فهمه أو سوء استخدامه. كما أن الدين نفسه لم يعطل الأمم، بل عطلته الأمم حين تركت روحه وحفظت قشوره. والتصوف هو الروح التي إذا فُقدت صارت الشريعة قالباً فارغاً، وإذا حضرت صارت الدنيا جنةً يمشي فيها العباد قبل أن يدخلوها.
التصوف إذن ليس خيالاً ولا وهماً، بل هو أقرب الطرائق إلى حقيقة الإنسان. هو الذي يجعل العالم منطقياً مرة أخرى، لأنه يعيد الإنسان إلى مركزيته الكونية: ليس كمستعبد للمادة، بل كخليفة لله في أرضه، يعمر ولا يخرب، يبني ولا يهدم، يعطي ولا يأخذ، يحب ولا يكره.
2 – لا يقاس بميزان العقل
إنه لا يُقاس بميزان العقل الرياضي وحده، ولا هو انفعالٌ عاطفي يُعفي صاحبه من قوانين السببية والنتيجة، بل هو حالٌ يبدأ حيث تنتهي الكلمات وتبدأ الأنفاس، حيث يُسأل القلب سؤالاً واحداً لا ينطق به لسان: هل أنت عبدٌ لما خُلقتَ له، أم أسيرٌ لما خُلق لأجلك؟ فمن رآه خرافةً رأى ظلَّه في مرآة الشمس، ومن ذاقه حقيقةً رأى الشمس ظلاً في مرآة قلبه.
3 – ليس رفضا للعقل
إنه ليس رفضاً للعقل، بل تكميلاً له بنورٍ لا يُرى إلا بعينٍ سلمت من غبار الذات. العقل وحده كالقنديل في ليلةٍ عواصف، يضيء ما حوله ويترك ما وراءه في ظلمة، أما القلب المستنير فيضيء ما حوله وما وراءه، فيصبح هو نفسه قنديلاً للعالمين. قال الجنيد: «العقل رائد القلب، والقلب رائد الروح، والروح لا ترى إلا بنور الله». فكيف يُتَّهم من يمشي بهذا الترتيب بالخرافة؟
4 – ليسوا عالة على أممهم
من قال إن البسطامي والغزالي والرومي والجيلاني وابن عربي كانوا عالةً على أممهم؟ أولئك الذين ملأوا الدنيا علماً وأدباً وحكمةً وفقهًا قبل أن يخلوا إلى ربهم. كانوا علماء الشريعة قبل أن يكونوا أولياء الطريقة، يحفظون الحدود قبل أن يتجاوزوها إلى المقصود، يصلُّون بالناس قبل أن يخلوا بالله، يفتون في المواريث والحدود قبل أن يفنوا في الوجود. فكيف يكونون معرقلين للتقدم وهم الذين أحيَوْا العقول قبل القلوب، وأناروا الدروب قبل الأرواح؟
5 – الخرافة اعتقادك بأنك كائن مادي
إن الخرافة الحقيقية ليست في أن يقول السالك «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً»، بل في أن نعتقد أن الإنسان كائنٌ مادي فقط، وأن الحياة مجرد تفاعلات كيميائية تنتهي بموت الخلايا، وأن السعادة تُشترى ببطاقة ائتمانية، وأن القيمة تُقاس بعدد الأصفار في الحساب البنكي. الخرافة أن نُقدِّس الآلة ونُهين الروح، أن نبني ناطحات سحاب تُعمي الشمس عن قلوبنا، ونظن ذلك تقدماً، ثم نصرخ من الاكتئاب والوحدة والفراغ.
6 – المادة خادمة لا سيدة
أما التصوف فلا يُنكر المادة، بل يضعها في موضعها: خادمة لا سيدة، وسيلة لا غاية، مركوب لا راكب. يقول جلال الدين الرومي: «أنت تبحث عن الماء في السراب، وفي قلبك نهر جارٍ لا ينقطع». فالتصوف لا يحارب العلم ولا التكنولوجيا ولا الاقتصاد، بل يحارب التقدم الذي يُفقِر النفس وهو يُغني الجيب، والذي يُعْلي البنيان ويُهْدِم الإنسان، والذي يُنتج أسلحةً أكثر دقة في قتل البشر بدل أن ينتج قلوباً أكثر رحمة.
7 – النقاء المتجدد
التصوف تنقيةٌ مستمرة، كمن يغسل وجهه كل صباح، لا لأنه اتسخ بالأمس فحسب، بل لأن النقاء حالٌ لا يستقر إلا بالتجدد. ينقّي القلب من حب الدنيا الذي يجعل الإنسان يبيع آخرته بعرضٍ من الدنيا قليل، وينقيه من حب الذات الذي يجعله يرى نفسه مركز الكون، وينقيه من حب السلطة الذي يُحوِّل الإنسان إلى ذئب لأخيه الإنسان. قال ذو النون المصري: «من عرف الله استغنى عن الناس، ومن استغنى عن الناس أحبّه الناس». هذا هو سرّ التنقية: أن تُفرغ القلب من كل ما سوى الله، فإذا فرغ امتلأ.
8 – مقاومة للتسلط المادي
وفي هذه التنقية يكمن سرّ مقاومة التصوف للتسلط المادي الظالم. من ذاق حلاوة القرب من الله استغنى عن قرب السلطان، ومن رأى الله في كل شيء لم يعد يخاف من أحد سواه، ومن فنى عن نفسه لم يعد يطلب الوجود في عيون الناس. فالتصوف ثورةٌ صامتة ضد كل استعباد، سواء كان بالمال أو بالسلطة أو بالشهوة أو بالخوف. لذلك كان الصوفية عبر التاريخ أكثر الناس شجاعة في مواجهة الظلم، لأن من لا يخاف الموت لأنه يحب اللقاء، لا يمكن أن يخاف سجاناً أو جلاداً أو ديكتاتوراً.
9 – ما كانوا خونة للحقيقة
نتذكّر الحلاج وهو فوق خشبة الصلب يقول: «أنا الحق»، لم يكن هذا جنون عظمة، بل فناء تام في الحق. وحين سئل وهو على هذه الحال: ما التصوف؟ قال: هو ما أنا فيه الآن. ونتذكّر السهروردي وهو يساق إلى القتل بتهمة الزندقة، يتلألأ بالضحك، لأنه يرى الموت باباً إلى الحياة الحقيقية. ونتذكّر عبد القادر الجيلاني حين دعاه الخليفة فقال: «ما لي وللخليفة وقد ملكتُ ملكاً لا يزول؟». ونتذكّر ابن عربي وهو يقول: «ما رأيت في الكون إلا الله، ولا شيء قبله ولا بعده». فهؤلاء لم يكونوا خونة لأمتهم، بل كانوا أوفى الناس للإنسانية، لأنهم رفضوا أن يُستعبَدوا.
10 – ليس تعطيلا للتقدم
إذا كان هناك تعطيل للتقدم، فهو ليس في التصوف، بل في سوء فهمه أو سوء استغلاله. كما أن الدين نفسه لم يعطل الأمم، بل عطلته الأمم حين تركت روحه وحفظت قشوره. والتصوف هو روح الدين، فإذا فُقدت صارت الشريعة قالباً فارغاً، وإذا حضرت صارت الدنيا جنةً يمشي فيها العباد قبل أن يدخلوها. قال الإمام مالك: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، والتصوف هو الذي يعيد الأمة إلى ذلك الأول بقلوبٍ جديدة.
11 – ليس خيالا ولا وهما
التصوف ليس خيالاً ولا وهماً، بل هو أقرب الطرق إلى حقيقة الإنسان. هو الذي يجعل العالم منطقياً مرة أخرى، لأنه يعيد الإنسان إلى مركزيته الكونية: ليس كمستعبد للمادة، بل كخليفة لله في أرضه، يعمر ولا يخرب، يبني ولا يهدم، يعطي ولا يأخذ، يحب ولا يكره، يخدم ولا يتسلط. قال الرومي: «خارجاً عن دائرة الخلق، أنت لست شيئاً، وداخلها أنت كل شيء».
12 – إنه ضد عبادة الاستهلاك
في عصرنا هذا، حيث يُقاس التقدم بعدد السيارات والشاشات والأسلحة، يأتي التصوف ليقول كلمةً واحدة: «كفى». كفى عبادة للاستهلاك، كفى تدميراً للأرض باسم الرفاهية، كفى قتلاً للنفس باسم الحرية، كفى كذباً على القلب باسم الواقعية. التصوف لا يطلب منا أن نترك العمل، بل أن نعمل بقلبٍ حاضر. لا يطلب منا أن نترك العلم، بل أن نعلم أن هناك علماً لا تدركه الحواس. لا يطلب منا أن نترك الدنيا، بل أن لا نترك الدنيا تتركنا.
١٣ ـ قلب مفتوح في عالم يُغلق قلبه
التصوف هو الشجاعة الكبرى: شجاعة أن تعيش بقلبٍ مفتوح في عالمٍ يُعلّم الناس أن يغلقوا قلوبهم. شجاعة أن تحب في زمن الكراهية، شجاعة أن تعطي في زمن الأخذ، شجاعة أن تتواضع في زمن الغرور، شجاعة أن تكون إنساناً في زمن الآلات. قال الشبلي: «التصوف أن تكون مع الحق بلا خلق، ومع الخلق بلا نفس». هذه هي الثورة الحقيقية، ثورة لا تحتاج إلى دبابات ولا إلى متفجرات، بل تحتاج إلى قلبٍ واحد نقي.
١٤ ـ إرادة البؤس أم إرادة التقدم؟
وفي النهاية، يبقى السؤال الكبير: هل نريد تقدماً يجعلنا أغنى وأكثر بؤساً، أم تقدماً يجعلنا أفقر إلى الدنيا وأغنى إلى الله؟ هل نريد حضارةً تبني قصوراً وتُهدم نفوساً، أم حضارةً تبني نفوساً فتبني معها قصوراً لا تُهدم؟ التصوف لا يعطينا الجواب جاهزاً، بل يعطينا قلباً يستطيع أن يسأل السؤال الحقيقي، ويرى الجواب في كل نفس يتنفسه، في كل نظرة رحمة، في كل دمعة توبة، في كل ابتسامة طفل.
فإذا أردنا أن نتقدم حقاً، فلنتقدم إلى أنفسنا أولاً. ولنعرف أن أعظم تقدم ليس في أن نصل إلى المريخ، بل في أن نصل إلى الله. وأعظم انتصار ليس في أن نهزم أعداءنا، بل في أن نهزم أنفسنا. وأعظم ثورة ليس في أن نغير العالم، بل في أن نغير قلوبنا.
15 – التصوف إكمال للعقل وتحرير له من أسره
ذلك هو التصوف: ليس خرافةً تُحارِب العقل، بل تنقيةٌ تُكمل العقل وتُحرره من أسره. ليس عائقاً أمام التقدم، بل نورٌ يضيء الطريق إلى تقدمٍ لا يُذل الإنسان وهو يرفعه. ليس انسحاباً من التاريخ، بل دخولٌ فيه من بابه الأعلى، باب القلب. ليس موتاً للعقل، بل حياةٌ للروح تجعل العقل يتنفس هواءً أنقى.
“ومن رأى الله في كل شيء لم يعد يخاف من أحد سواه..”.
هنا مربط ابن عربي .. الذي رأى في كل شيء إلاه .. وهذا هو مذهبه .. مذهب وحدة الوجود .. وذلك هو سر الصوفية .. سر يمارسون عليه التقية .. وشتان بينهم وبين توحيد الفطرة .. فهم في واد .. والمسلمون الموحدون على نهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .. في واد .. فاختر أي واحد تريد .. يا من يسمى بالمريد ..!
والفاهم يفهم .. فاللهم لا تؤاخذنا بما فعله اتباع ابن عربي ..
التصوف كرؤية للعالم يظل مقبولا شعرا وطريقة، لا فرق بينه وبين موسيقى كناوة أو الحكايات الخرافية أو الأساطير. لا يحق لأحد أن يحاكمها أو يقلل منها، هي على كل حال إستقالة العقل بالنسبة للمتصوف أو إستراحة العقل بالنسبة لقارئ الفصوص.
لكن عندما نريد أن نعقلن التصوف ، فإننا نقع في جملة محاذير، أهمها أولا أننا نلزم المتصوف أن ينزل من السحاب الذي إختاره في مواجهة ضيق العقل، وثانيا نفتح الباب أمام رد فعل عقلي يحيل كل المنجز الشعري للمتصوفة إلى كومة من الرماد أو الهبل !
محددات العقل، مثل مبدأ الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع، أمور تدرس في الجامعات ولا مجال فيها للتأويلات والشطحات الصوفية ،وقد ورد في الأثر أن لكل مقام مقال.
اسف ولكن التصوف لا يقول به من يستعمل رفاهية العقل البشري من وسائل التواصل الإجتماعية . المتصوف يوصل رسالته إلا من خلال التواصل المباشر . ان تكون متصوفا فعليا فعليك ان تعيش بذخ الحياة ثم تستغني عنه زهدا وإحسانا. وأفضل نموذج . ابو نواس شاعر الخمر والتصوف . فمن قائل : ما قال ربك ويل للذين سكروا .. ولكن قال ويل للمصلينا . إلى قائل : الهي وان عظمت ذنوبي كثرة .. فلقد علمت بان عفوك اعظم
هذا تأويل خاطئ لمقولات ابن عربي, العبارة لا تعني وحدة الوجود بالمعنى الحلولي.
أولا, رؤية الله في كل شيء تعني رؤية آثار صنعته و تجلياته (الآيات و الدلائل) و ليس أن المخلوق هو الإلاه
ثانيا, سر التصوف هو تحقيق مقام الإحسان و الرضا و الطمأنينة و تزكية النفس و ليس عقيدة فلسفية تلغي التوحيد
إلى الأخ رقم 4
ابن عربي قال بأن فرعون مؤمن عند الغرق، وأن الله قبضه “طاهرًا مطهرًا” بعد أن قبل إيمانه، مستشهدًا بهذا في كتابه ” فصوص الحكم”. وهذا القول مصادم لما جاء به القرآن من تكفير فرعون، وبيان عذابه في الدنيا والبرزخ والآخرة، وأن إيمانه عند الغرق لم يقبل منه لأنه كان إيمان اضطرار لا اختيار.
وهنا تأتي الإشارة إلى ما يسمى “التصوف” الذي سار عليه ابن عربي وامثاله من المتصوفة..كالحلاج والبسطامي وحتى الجنيد وغيرهم، واعلم بأنه لا وجود في الإسلام لما يسمّى بالتصوف بمعناه الطرقي الحالي؛ إنما الذي عرفه السلف هو الزهد، والزهد شيء، والتصوف شيء آخر تمامًا. وقد بيّن النبي ﷺ ذلك في قصة الثلاثة الذين شددوا على أنفسهم، فقال: “..فمن رغِبَ عن سنّتي فليس مني”.
أما غلاة الصوفية فقد حدوا عن الصراط المستقيم، وابتدعوا طرقًا ومنازلات، ورفعوا شيوخهم فوق مقام البشر حتى جعلوهم “أقطابًا” يتصرفون في الكون، وكأنهم شركاء في التدبير! فماذا تركوا للخالق عز وجل.!
ثم انظر اليوم في الطرق الصوفية بتأمل، لترى ما فيها من رقص وقفز وجمع للأموال، وتعلق المريد بتقديس شيخه، فكان شيء غريب لا يمت لصفاء التوحيد بصلة.
“من جهل شيءا عاداه” شرط ان يكون ممن انتفت عنهم حكمة التبصر والمنطق.
ولذا تجد الجاهل المعمي البصيرة ينكر كل ما لم يدخل تحت سلطان وهمه قبل فهمه.كانه احاط بكل شيء علما
اما الحكيم الراشد المتبصر فان استغرب فنا ما احاله على الامكان اي ان هذا الشيء يحتمل الصواب كما يحتمل الخطا وعمل على فهمه وذلك بطلب تبيانه من اهله.وذلك لصفاء سريرته ورجاحة عقله ووسع علمه ورحمته بغض النظر عن عقيدة دينه ومذهبه.
لذا قال الحق سبحانه
“ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما”
“اتيناه رحمة وعلمناه من لدنا علما”.
فكلما اتسع العلم اتسعت الرحمة
وكلما ضاقت الرحمة قصر الافق ونزل التكفير وانفتح باب جهنم على مصراعيه وصفد باب الجنة.
اللهم اعذنا من جهل مدمر ضار ولهب هوى نار
مقال ممتاز فعلا أحيي السيد الكاتب المحترم على الطرح الشجاع الذي يفك الاشتباك بين جوهر التصوف الأصيل و الكم الهائل من المغالطات الشائعة حوله
أريدفقط إضافة أن التصوف ليس ترفا و أنه يوازي الفقه في الأهمية
فكما أن الفقه ضروي لسلامة الظاهر و يعلمنا مثلا كيف نصلي (الشكل الظاهر) فإن التصوف ضروري لسلامة الباطن و يعلمنا كيف تكون صلاتنا مقبولة (الخشوع و الإخلاص) إنه يمثل روح العبادة و محورها و هو ضروري لتحويل العبادات الظاهرة إلى عبادات قلبية مثمرة
لذلك فالمسلم يحتاج الى الفقه ليصح عمله و إلى التصوف (الإحسان) ليصح قلبه و تقبل نيته, و كلاهما أركان للتدين الكامل
“Yesterday I was clever, so I wanted to change the world. Today I am wise, so I am changing myself”
«بالأمس كنت ذكياً فأردت تغيير العالم. اليوم أصبحت حكيمًا فأغير نفسي.»
(Jalal al-Din Rumi)
(1207-1273)
“If you do not know God, at least know yourself”
“إن لم تعرف الله، فعلى الأقل اعرف نفسك.”
Hallaj (Mansur al-Hallaj)
(858-922)
“التصوف هو القلب الذي يضيء العقل، والنور الذي يكمل البصر.”
أستاذي،
مقالكم عميق في تصحيح مفهوم التصوف، إذ تؤكدون أنه ليس انسحابًا من الحياة بل ارتقاء بها.رؤيتكم التي تضع الأخلاق والروحانية فوق العقلانية المعتادة تعيد صياغة الإنسان والكون برؤية شمولية تتجاوز صراعات الماديات والعقائد الضيقة. لقد أبرزتم كيف أن التصوف ليس انفصالاً عن العالم بل اتصال عميق به، وتحقيقاً لحالة التودد الروحي مع كل ما حولنا. تنقية القلب من حب الدنيا والماديات الذي تحدثتم عنه، هو المخرج الحقيقي للإنسان من عبودية الأهواء وللاهتزاز بين الظاهر والباطن. أضيف أن التصوف الحقيقي هو انسجام مستمر بين الزمن الداخلي للإنسان وجمال العالم، ما يجعل الحياة تجربة حب دائم لا تنتهي.
ALHOCEIMA
الأستاذ المحترم بلحاج آية ورهام عنون مقاله أسرار الصوفية كاشفا تبنيه لفكرة النخبوية الغيبية التي يزعم أهل الطرق أنهم يملكون مفاتيحها وأنهم أصحاب علم لدني ومقامات نورانية لا يدركها العامة وهذا جوهر الإشكال. وبعد الافتتاحية انصرف سيادته إلى تمجيد التصوف في خمس عشرة فقرة محاولا تبرئته من تهمة الخرافة ومقدما التصوف بوصفه طريقا لتهذيب النفس مع أن مقاله يحمل في طياته ما يناقض العقل. لكن السؤال الأهم هنا هو: أين الله من كل هذا؟ لم يستشهد الأستاذ بآية واحدة من القرءان الذي جعله الله هدى ونورا بل استند حصرا إلى ابن عربي والرومي والجيلاني والحلاج وغيرهم من أعلام مذهبه وكأن كلام البشر أولى بالاتباع من كلام رب البشر. فهل ذكر الله في كتابه الحكيم الصوفية، أو السنة أو الشيعة أو غيرها من مذاهب اختلقها الناس افتراء على الله في دينه وعلى رسوله في بلاغه؟ ألم يقل سبحانه:﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِـنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 9 ــ الحديد. فهل يكون أقطاب الطرق أرحم بالعباد من رب العباد؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
الى خالد-FSW101
طبعا المتصوفة يستمدون منهجم من آيات كثيرة جدا من القرآن الكريم ليثبتوا أن غايتهم هي تحقيق كمال العبودية و الإخلاص و الارتقاء من مرتبة الإسلام الظاهر إلى مرتبة الإحسان الباطن و التزكية و الذكر و التفكر مثلا:
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10) الشمس
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) آل عمران
۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)آل عمران
الصوفي الحقيقي يبين الحقيقة ولا يضره من خالفه, لأنه محصن باطنيا و منشغل بالحق لا برأي الخلق, و الناس مقامات, و لأنه في الحقيقة الله هو الذي يزج بالمريد إلى شيخه ليكون له قدوة و يرفع عنه الحجاب و بالتالي فالعملية كلها في آخر المطاف توفيق من الله
الأخت الفاضلة لمياء جميل استشهادك بآيات الكتاب لكن ذلك لا يشفع للأستاذ بلحاج الذي وصفْتِ مقاله بالممتاز رغم خلوه من هدي الآيات واعتماده على شيوخ الطائفة وما يزعمونه من أسرار أغُلِقَت عن الناس إلا عند أقطاب التصوف. وأرجو أن تدركي أن ما قمتِ به مع كامل الاحترام هو محاولة غير موفقة لتجميل موقف لا يستقيم لأن الله لم يخبرنا بأن الصوفية وصفة إضافية بعد كتابه بل على العكس قال تعالى:﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ 6 – الجاثية.
و يوم القيامة لن ينفعك أن تقولي إن المتصوفة يستمدون منهجهم من آيات كثيرة لتحقيق الإحسان الباطن لأن المرجع هو ما أنزله الله وحده. ولن ينفعني أنا غير كلامه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقد حذرنا سبحانه بقوله: ﴿ … أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ…﴾ 71-الزمر. فالذي سيسأل عنه من هجر الكتاب هو الآيات التي أتى بها الرسل عليهم السلام وفقط لا أقوال البشر مهما عُظّم شأنهم والعاقبة لمن اعتبر واتقى وكل آتي الرحمن يوم القيامة فردا.
إلى الأخ الفاضل خالد
في التصوف السني المثل الأعلى هو رسول الله ﷺ كما في الآية “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ” و الآية ” لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا”
و بالتالي يهتمون بسيرته وأقواله و أفعاله
وبعد رسول الله ﷺ هناك الأولياء و الصالحون كورثة لمنهجه و قدوات فرعية في تطبيق سنته
لا تصوف في الإسلام.فقط ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم.اتقوا الله عباد الله وعليكم بالتوحيد
إلى خالد-FSW101
اسمحلي بالسؤال التالي: هل أنت ممن يسمون أنفسهم ب”القرآنيين”? لأنك قلت أنك تكتفي بكلام الله وحده و لا أقوال البشر مهما عُظّم شأنهم
و لكن القول بالاكتفاء بالقرآن فقط هو هدم ل”وظيفة البيان” ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) و “وظيفة القدوة”(لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) التي أثبتها القرآن للرسول صلى الله عليه و سلم
الأخ الكريم المهاجر من ألمانيا مرحبا بك وأحييك تحية طيبة مباركة. لا إشكال في سؤالك فهو مشروع ومفهوم. أما تسمية «القرآنيين» فليست اسمًا ارتضاه الله لعباده بل التسمية التي اختارها لنا ربنا صريحة في قوله تعالى: ﴿…مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ…﴾ 37-الحج.ولذلك لا أرى لنفسي اسما أشرف من اسم «المسلم» الذي سمانا الله به وهذا يجعلني أكتفي بكتاب الله لكنني لا أسمي نفسي قرآنيا.أما استشهادك بآية البيان فهو صحيح، لكن يبقى السؤال الجوهري: ما معنى قوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم؟فإن قلت إن البيان هو «السنة» على ما عليه جمهور أهل السنة، فهنا يلزمك الدليل من كتاب الله على وجود هذا الاصطلاح أصلًا. أين في القرءان تسمية اسمها «السنة النبوية»؟وإن لجأت إلى القول إن السنة هي «الذكر» الوارد في سورة النحل، فسيعود السؤال نفسه كما في الأول: أين نصّ التسمية وأين دلالة اللفظ على هذا المعنى المصطلحي؟ – يتبع…
وأما قضية الأسوة الحسنة التي نؤمن جميعًا بوجوبها فهي تثير سؤالًا أوضح: أين نجد الاقتداء برسول الله؟ أفي اتباع النبي لكتاب ربه وهو أوّل المسلمين فنطمئن إلى صحة الاقتداء بحفظ الله لكتابه؟ أم في اتباع كتب دوّنها بشر بأيديهم، تخضع للتصحيح والتضعيف، وتقوم على اجتهادات لا سند لها من وعد الله بالحفظ ولا عصمة لأصحابها من الخطأ؟
وقد استنكرتَ الاكتفاء بالقرءان فهل يعني هذا أن كتاب الله ناقص يحتاج إلى إضافات من خارج آياته البينات؟ أما الله فقد قال:﴿… الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينِكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا…﴾ 3-المائدة. فدين الله اكتمل باكتمال إنزال كتابه وبرحيل رسوله إلى دار البقاء ولم نرث عنه عليه السلام إلا القرءان الذي بلغ به رسالة ربه وهو عنه راض.
أشكرك وأقدر حسن أدبك وتقبل فائق الاحترام والتقدير
أخي خالد المحترم، شكرا على الرد
العبرة ليست بالتسميات، فكلنا مسلمون و لكن نختلف في وجهات النظر و المنهاج، فأهل السنة يرون بضرورة معرفة الرسول صلى الله عليه و سلم الذي أنزل عليه الذكر من خلال سيرته و أقواله و أفعاله لاتخاذه قدوة و لم يتلو القرآن على مسامعنا فقط و إنما هو نفسه تجسيدا حيا و تطبيقا عمليا لكتاب الله
الأخ الفاضل المهاجر، على العكس العبرة بالاسم لأننا بذلك نوقن من خلال الآيات حصرا بأنه من عند الله وليس افتراءا عليه وإلا فكيف عرفنا أن محمدا رسول الله وخاتم النبيين؟ عرفنا ذلك من كلام الله لا من كلام البشر ولا من تراث السنة أو الصوفية أو غيرهم. لقد أنكر الله التسمية الباطلة فقال تعالى ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ 23-النجم،ليعلمنا المرجع الأصل للإحتكام في دينه. أما قولك إن الرسول كان تجسيدًا للقرءان فأوافقك ولذا كان عليك أن تكتفي بكتاب ربك اقتداء به عليه السلام فيما فعل هو لا مخالفته في اتباع كتب لم يأذن بها الله. مثال للطعن في النبي وأمهات المؤمنين وحتى بعض الصحابة يجهله الكثير من المسلمين في البخاري ومسلم من أنه كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة بغسل واحد. فهل يا أخي ترضى بهذه الأخبار الساقطة لنبي الله؟ أما الله سبحانه فقد أخبرنا بخلاف ما خرص به المفترون حين قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ…﴾ 20-المزمل
الأخت لمياء، هل أمرنا الله بأن نعتد بالتصوف السني ليدلنا على حقيقة الإقتداء برسوله وبسنته أم لا؟ سبيل الإقتداء هو الكتاب الذي اهتدى به محمد عليه السلام نفسه. وهل في دين الله نهج يسمى التصوف أو السنة أو التشيع أو الإباضية؟ كل هذه السبل لن تجدي لها أصلا في كتاب الله ولو كره المبطلون. لفظة السنة وردت في القرءان 16 مرة ولم تُقرن برسول الله ولو مرة واحدة ولكن به وحده عزوجل كما أخبرنا:(سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)23-الفتح. فهل الخلق أعلم بدين الله من الخالق العليم؟ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.