التعاطي مع "الذكاء الاصطناعي" في تيه بين الوهم الدلالي والواقع الحسابي

التعاطي مع "الذكاء الاصطناعي" في تيه بين الوهم الدلالي والواقع الحسابي
صورة: أ.ف.ب
الأحد 26 أبريل 2026 - 03:00

كثر الحديث مؤخرا عن موضوع هذا الذكاء كما كثر اللغط وقتها عن العولمة وكأنها عصا موسى لدول الجنوب العالمي لتقليص فجوتها مع الدول المتقدمة. والآن أضحى مصطلح “الذكاء الاصطناعي” أحد أكثر العبارات تداولًا في الخطاب العلمي والإعلامي المعاصر، إلى درجة بات معها يُستعمل بوصفه توصيفًا بديهيًا لا يثير تساؤلًا حول دلالته. غير أن هذا الاستعمال الشائع يخفي إشكالًا دلاليا ومفاهيميا عميقًا، يتمثل في الانزلاق الدلالي الذي يطرأ على لفظ “الذكاء” حين يُنقل من مجاله الإنساني إلى المجال التقني.

فالذكاء، في معناه الإنساني، يحيل على منظومة معقدة من القدرات الذهنية، تشمل الفهم، والتأويل، والوعي، والإدراك السياقي البراغماتي، والقدرة على اتخاذ القرار في ضوء معطيات متغيرة. وهو بهذا المعنى ليس مجرد معالجة للمعلومات، بل بناء دلالي وسياقي مجالي يتأسس على معرفة وعلم وتجربة ذاتية وعلى انخراط في العالم. أما ما يُصطلح عليه بـ”الذكاء الاصطناعي” فإنه لا يستبطن هذه الأبعاد، بل يقتصر على كونه جملة من الإجراءات الحسابية القائمة على معالجة البيانات.

وعليه فإن ما نسمّيه “ذكاءً اصطناعيًا” ليس، في جوهره، إلا منظومات خوارزمية متقدمة، تعتمد على تحليل كميات هائلة من المعطيات (Big Data)، واستخراج أنماط إحصائية تسمح بإنتاج مخرجات تبدو، في ظاهرها، محاكية للسلوك الذكي. غير أن هذه المحاكاة لا تعني امتلاكًا حقيقيًا للذكاء، بل تعكس قدرة حسابية على التكيّف مع المعطيات وفق أهداف محددة سلفًا.

وفي هذا السياق تقتضي المقارنة بين ما يمكن تسميته “الذكاء الاصطناعي” و”الذكاء الإنساني” توضيح الفروق الجوهرية بينهما؛ فالذكاء الإنساني يقوم على الفهم الدلالي، والوعي بالذات، والقدرة على التأويل، والتفاعل مع السياقات الثقافية والاجتماعية، في حين أن ما يُنسب إلى الذكاء الاصطناعي لا يتجاوز مستوى المعالجة الصورية والشكلية للبيانات، القائمة على احتمالات إحصائية وعلاقات ترابطية بين الوحدات اللغوية أو المعطيات الرقمية. وبعبارة أدق إذا كان الذكاء الإنساني يشتغل على مستوى المعنى أو المفهوم فإن الذكاء الاصطناعي يشتغل على مستوى البنية (الشكل) والنموذج (Pattern)، دون الدخول إلى البعد الدلالي الحقيقي. ومن ثم فإن العلاقة بينهما ليست علاقة تماثل، بل علاقة اختلاف نوعي بين نمطين متباينين من “الاشتغال”: أحدهما إدراكي-تأويلي، والآخر حسابي-إجرائي.

والشيء بالشيء يذكر، لذا يجب استحضار الدلالة الخاصة للمصطلح نفسه Intelligence، لتقريب الفهم، في الحقول الأمنية والاستخباراتية، حيث لا يُفهم بوصفه “ذكاءً” بالمعنى الذهني أو المعرفي الطبيعي، بل بوصفه معلومات مُعالجة ومحلَّلة تُستخلص من معطيات أولية خامة (Raw Data) عبر مراحل متتالية من الجمع والفرز والتقييم والتأويل. ففي هذا السياق تشير كلمة Intelligence إلى ناتج عملية مؤسساتية مركّبة، تشارك فيها فرق متعددة التخصصات، وتخضع لمنهجيات دقيقة في التحليل والاستنتاج. تماما كما هو الحال في موضوعنا هذا، ومن ثمّ فإن “الذكاء” هنا لا يُنسب إلى كيان مفرد، بل إلى سيرورة جماعية لإنتاج المعرفة. وإذا أُسقط هذا المعنى على ما يُسمّى الذكاء الاصطناعي أمكن القول إن ما تنتجه هذه الأنظمة لا يعدو أن يكون “معلومات مُعالَجة” أو “نتائج احتمالية” مبنية على تحليل البيانات، لا ذكاءً بالمعنى الإدراكي أو الواعي. وعليه فإن استعمال لفظ “الذكاء” في الحالتين (الاستخبارات والذكاء الاصطناعي) يخضع لتحويل دلالي، يقتضي الانتباه إلى طبيعته الاصطلاحية والسياقية، تفاديًا لأي خلط بين المعنى التقني والمعنى الطبيعي للذكاء.

ومن منظور لغوي يمكن القول إن إطلاق لفظ “الذكاء” على هذه الأنظمة ينطوي على طابع استعاري واضح، إذ يتم إسقاط خصائص بشرية على كيانات تقنية في إطار ما يمكن تسميتها الكناية أو الاستعارة الاصطلاحية التي تتمثل في إطلاق مواصفات بشرية على الآلة. وهذه الاستعارة، وإن كانت مفيدة من الناحية التداولية، إلا أنها قد تُفضي إلى لبس دلالي، يتمثل في الخلط بين “المعالجة” و”الفهم”، وبين “المحاكاة” و”الإدراك”؛ فالذكاء الاصطناعي في الحقيقة ليس ذكاء لا بالمفهوم اللغوي ولا بالمفهوم الاصطلاحي.

ويتجلّى هذا الإشكال بوضوح في مجال الترجمة، حيث يُقال إن “الذكاء الاصطناعي يترجم”. والحال أن هذه الأنظمة لا تقوم بعملية ترجمة بالمعنى التأويلي للكلمة، بل تعيد تركيب سلاسل لغوية بناءً على احتمالات مستخلصة من قواعد corpora لغوية ضخمة، دون امتلاك أي وعي بالسياق أو بالخلفية الثقافية للنص. ومن ثم فإن ما يبدو ترجمة هو، في حقيقته، توليد لغوي إحصائي، لا عملية تأويل دلالي.

إن الإقرار بحدود هذه الأنظمة لا يعني التقليل من أهميتها، بل على العكس يتيح فهمًا أدق لوظيفتها الحقيقية؛ فهي أدوات بالغة الفعالية في معالجة البيانات، واستخراج الأنماط، وتسريع بعض العمليات المعرفية، غير أنها لا ترقى إلى مستوى الذكاء بالمعنى الإنساني.

وخلاصة القول إن ما يُسمّى “الذكاء الاصطناعي” لا ينبغي أن يُفهم بوصفه ذكاءً بالمعنى المعرفي القوي، بل باعتباره قدرة إجرائية على معالجة البيانات وفق نماذج رياضية وإحصائية. ومن ثم فإن التحدي لا يكمن في تطوير هذه التقنيات فحسب، بل في ضبط المصطلحات التي نصف بها هذه الظواهر، تفاديًا لأي انزلاق مفهومي قد يؤدي إلى سوء فهم لطبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة.

ومن الضروري في هذا السياق التأكيد على أن ما يُنسب إلى “الذكاء الاصطناعي” من قدرات لا يصدر، في حقيقته، عن الآلة ذاتها، بل عن الجهد البشري المتراكم الذي يقف وراء تصميمها وتطويرها. فالأنظمة الخوارزمية لا تنشأ من فراغ، وإنما هي ثمرة عمل جماعي يقوم به جيش من المبرمجين، واللسانيين، وخبراء البيانات، وسائر التقنيين الذين يضعون النماذج، ويختارون المعطيات، ويصوغون القواعد، ويضبطون آليات التعلم والمعالجة. وعليه فإن ما يظهر على أنه “ذكاء” للآلة ليس إلا انعكاسًا غير مباشر لذكاء إنساني سابق ومؤطَّر، تمت ترجمته إلى صيغ حسابية وإجرائية. ومن ثمّ فإن إسناد الذكاء إلى النظام التقني في حد ذاته يُخفي الدور المركزي للعامل البشري، ويؤدي إلى نوع من التمويه المفاهيمي الذي ينبغي التنبه إليه في التحليل العلمي الرصين.

* أستاذ في جامعة الأطونوما بمدريد

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • ملاحظة
    الأحد 26 أبريل 2026 - 07:46

    الخطر فقط بالنسبة لمن لا يعرف الله و يتخذه العلم المطلق , فيذخله ذلك في ظلمات اما من يعرف الله و خاصتا المسلمين فيستعملونه كأداة فقط لتسهيل المهام و ربح الوقت و لا يتخدونه المصدر الاول و الاخير للحقيقة وقد قمنا بترجبته و التحايل عليه فتتغير الاجابة و المنطق و الاسلوب و حتى تحريف الحقائق و الخطأ

  • wake up
    الأحد 26 أبريل 2026 - 13:30

    أن إقحام “الإرادة الإلهية” في قضايا التقنية هو هروب من الاستحقاق العقلي. فالذكاء الاصطناعي ليس معجزة، بل هو واقع حسابي يعتمد على البرمجيات والسيليكون.
    وتتلخص أسباب رفض هذا الخلط في ثلاث نقاط:
    • تكريم العقل: اعتبار العلم نقيضاً للإيمان هو إهانة للذكاء البشري؛ فالاكتشاف ممارسة سيادية للعقل في عالم مادي.
    • تصحيح المفاهيم: ثمة فرق شاسع بين “الخلق” البيولوجي و”التوليد” الرقمي؛ فالآلة تدار بـ خوارزميات لا بأرواح، والخلط بينهما “وهم دلالي”.
    • المسؤولية الأخلاقية: التذرع بالمقدس يُستخدم أحياناً لتخدير النقد العلمي والتهرب من مواجهة المعضلات التقنية التي صنعها البشر.
    الخلاصة هي وجوب التوقف عن تحويل الأدوات البشرية إلى معارك لاهوتية؛ فالذكاء الاصطناعي أداة تقنية تخضع لقوانين الحساب، لا لتفسيرات الغيبيات التي تعيق فهم الواقع وتطوره

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟

صوت وصورة
أوزين والضائقة المالية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 19:34 2

أوزين والضائقة المالية

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30 1

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 3

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 11

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 5

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء