تنعت المجتمعات المعاصرة بالمجتمعات الإعلامية، لحضور الرسالة الإعلامية في مفاصل الحياة ومختلف مجالاتها. فلا ينفك المرء إما مستقبلا أو مرسلا لأشكال من المعلومات، في ساعة الرخاء كما في ساعة الشدة. هذه الأخيرة التي قد تفاقم من هولها الوسائط الإعلامية غير المنضبطة لأخلاقيات المهنة، وقد تكون عاملا أساسيا من عوامل تجاوز محنتها، بما تنشر من قيم التضامن والتفاؤل، ورسائل الطمأنينة.
الحاجة إلى الإعلام في السراء والضراء:
إن الإعلام بما هو نشاط قائم على نقل المعلومات ونشرها، ومساعدة الجمهور على استيعاب مختلف الأحداث الجارية في محيطيه القريب والبعيد، بما يقدمه الخبراء والمختصون من تحليلات، التي تساهم في توجيه الرأي العام لتبني موقف ما، وكذا تقديم ما من شأنه إلهام صناع القرار لاتخاذ الإجراءات المناسبة للظرفية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو…. كل هذه الوظائف الحيوية للإعلام، تزداد حاجة المجتمع إليها حينما تحل بداره فاجعة أو كارثة، تهدد سلامة بنيانه الاجتماعي، واستقرار أفراده النفسي. فالأخطار الناجمة عنها، تربك السير العادي والمألوف لحياته، بحيث تتعطل مصالحه، وتقل فرص تزوده بمستلزمات البقاء. فيهم بالبحث عن المواساة، والعزاء من طرف شركائه في المصاب الجلل، أو غيرهم ممن يرتبط بهم إعلاميا وتواصليا، ولهم القدرة على دفع ما حل به من قدر غير مرغوب.
لعل أخبار الكوارث لا يقتصر طلبها والبحث عنها من طرف المكلومين الذين يعانون سياط لهيبها، بل أيضا ممن هم سالمون في ديارهم بين ذويهم وفقا لنظرية “المأساة” لأرسطو، حيث الإنسان يشعر بالارتياح حيث أخطأته مصارع السوء، في الوقت ذاته يشعر بالشفقة والحزن على مصير الآخر المبتلى، وكله أمل في تجاوز هذه الظروف الصعبة، والاستمرار في الحياة بشكل أفضل. فالمشاهدون والمتتبعون للأحداث المؤلمة، يرغبون من المراسلين الإعلاميين “أن يكونوا منخرطين للغاية في الحدث، وشديدي التفاعل… نرغب من هؤلاء الوسطاء أن يقودونا خلال الأزمة إلى نتيجة مرضية”، ونهاية سعيدة.
الإعلام إخبار واستنهاض للهمم:
إن الإعلام لا يقتصر دوره وخصوصا في حالة الكوارث على إيصال المعلومة فقط، يفعل ذلك وهو هادف إلى استثارة عاطفة الجمهور، للانخراط بما ملكت يمينه في دفع البلاء، وبعث رسائل التضامن بمختلف الصيغ، وإظهار اللحمة الاجتماعية المتماسكة في أبعادها الإنسانية النبيلة. وهذا ما نلاحظه في هبة الناس لتبني مضمون الرسائل الإعلامية أنى كان مضمونها، بما يملك أهله من فصاحة البيان وتحرير الخطاب، مع تقنية الإخراج وصنعة الإلقاء، في ظل تكنولوجية تسحر الألباب. كل هذا وغيره، يساهم في تكوين موقف صائب وسليم، الدافع للفعل، ومغادرة المتلقي لكرسي المتابع المحايد، واستقطابه كما هو مشاهد للتعاون وضم جهود الجمهور للتخفيف من شدة وقع الأزمة. فإذا بلغت الرسالة الإعلامية مداها، وتعبأ الأفراد والمجتمع المدني لمواجهة البلاء، لا ينسحب الإعلام من المشهد، بل ينتقل إلى التنسيق بين المتدخلين، والنشر والتنويه بمثل هذه المبادرات، لإشراك الآخرين وتحفيزهم على تحمل مسؤولياتهم، وأداء واجبهم الإنساني تجاه إخوانهم في الإنسانية. بالإضافة إلى الوظيفة التربوية لهذه الرسالة، حيث ينشأ الأطفال والفتيان على ما يشاهدونه ويلمسونه من سيادة قيم التآزر والتعاون بين أفراد المجتمع، وسيادة الروح الوطنية في أبعادها المحلية والكونية.
يتعذر الإحاطة بفضائل الرسالة الإعلامية الصادقة، التي تعد رافدا مهما للتنوير والتوعية والتثقيف، زادها الحقيقة المتسلحة بالبيانات المضبوطة والدقيقة، والتحليلات الموضوعية، غير المشككة في ما يبذل من جهد في التعامل مع الكارثة. مع التبشير بضرورة الحفاظ على الموارد البيئية ونحن نغالب القدر، وتسخير الموارد البشرية في الوجهة الصحيحة، تفاديا لتبديد الطاقات وهدر الوقت في ما لا يجلب مصلحة، ولا يدفع ضررا. في زمن أصبح الإعلام مستباح حماه، ومجال يخوضه من شاء ومتى شاء وكيف شاء. تحطمت كل الأعراف والتقاليد التي شيدها وعاش عليها ثلة من نساء ورجال الصحافة والإعلام، الموسومة بقيم النزاهة والموضوعية وتحري الصدق والمصداقية، آمن “بقدسية الخبر وحرية التعليق”. لكن وقد اختلطت المصطلحات والعبارات، فقد اختلطت أيضا المهنية بالتطاول. وهو ما يفسر هذا الكم من التشكيك والتبخيس للجهود، الذي لا يقل سوءا عن التزييف الذي ينشر الرعب ويذكي الفتنة، التي قد تنسف التضامن والاطمئنان من القواعد. شهدنا هذا في جائحة كورونا، وها هو يتكرر مرة أخرى في زلزال الحوز، صادر ليس من أفراد غير مسؤولين فقط، بل أيضا، من مؤسسات إعلامية وازنة، وضعت نفسها رهن إشارة أجندات سافلة.
النجاح الميداني انعكاس للتفوق الإعلامي:
لا يقل وزر هذا التضليل عن التعتيم الإعلامي، فكلاهما مسببان للفوضى، وللمزيد من القلق وتدهور الأوضاع. ففي غياب الرسالة الإعلامية غير المحرفة، يبقى الشك سيد الموقف، مما يفسح المجال واسعا للتضليل الإعلامي، الذي له أكبر الأثر في حصد النتائج العكسية لما يبذل من جهود، ما دام الجمهور غارقا في سيل من رسائل الزيف ووصلات التبخيس. لكن التعتيم بالمطلق، يصعب الحديث عنه اليوم، في ظل تمكن الوسائط التواصلية من حياة الناس، وتوفرها في كل حين بشكل أو آخر. وسكوت الجهة الرسمية والموثوقة، يمنح المضللين وغيرهم فرصا أكبر “للعب بعقول” المتلقين المتعطشين إلى الخبر، فكما يقول المنظر الإعلامي مارشال ماكلوهان: “الوسيط هو الرسالة”. ولا يخفى أن مواقع التواصل الاجتماعي، تتسابق لإظهار غضب الناس المتضررين خصوصا، وتحديدا في الفترة التي تلي الحدث الكارثي، بحثا عن إعجاب افتراضي، يفتقد حقيقة الواقعي. قبل أن تجد فرق الإنقاذ طريقها إلى ساحته. في حين تميل وسائل الإعلام الرسمية إلى التريث، واتخاذ مساحة زمنية مهما قلت، لتحرير الرسالة الإعلامية الباعثة على الاطمئنان، وترميم نفوس المصابين، والتقليل من هول الكارثة وأثرها النفسي، فالصدمة وقعها عنيف في حينها. فالزلزال الذي يصيب الاطمئنان النفسي في مقتل، يحتاج إلى كنس النفوس من حطامه، وإعادة إعمارها بجميل القول أحيانا قبل الفعل.
ويمكن التأكيد وقد عاين العالم التعامل الراقي مع النكبة والمنكوبين، بمساهمة الإعلام المسؤول، سواء الذي تقف خلفه مؤسسات إعلامية، مشهود لها بالحرفية والمصداقية، أو ذلك الذي يقف خلفه أفراد نذروا أنفسهم لتبليغ الخبر دون تحريف أو تعتيم، أن المغرب قد نجح في تجاوز المرحلة الأولى للكارثة. بدحض الافتراءات وكل دعاوى الفتنة، والوقوف جبهة ويدا واحدة، مصداقا لما جاء في الحديث النبوي الشريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد…”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.