التعليم.. أعصاب لا تكفي

التعليم.. أعصاب لا تكفي
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 15:23

هناك وزارات يدخلها الوزير فيجد على مكتبه ملفات وأرقامًا وتقارير. وفي وزارة التربية الوطنية يجد، فوق ذلك، بلدًا بأكمله ينتظر خلف الباب. أسر تسأل عن مستقبل أبنائها، ومدرسون متعبون، وتلاميذ لا يملكون ترف الانتظار. لذلك يقول المغاربة، نصف مازحين، إن من يتولى هذه الحقيبة يحتاج إلى أعصاب من حديد وصبر أيوب، وإلى قدرة على النوم الهادئ في بلد يستيقظ كل صباح على سؤال المدرسة.

الحديث عن الوزير الجديد يملأ المجالس ومواقع التواصل منذ أيام. بعضهم يتكلم عنه كأنه المنقذ الذي ستُحسم بيده أزمة المدرسة العمومية دفعة واحدة. لا أرى في هذا الحماس شيئًا عابرًا، فهو يقول الكثير عن مكانة التعليم في وجدان المغاربة، وعن حجم انتظارات تراكمت عامًا بعد عام. الناس سمعوا ما يكفي من عبارات الإصلاح والتجديد، وصاروا يريدون أن يلمسوا أثرها داخل القسم، وفي يوم الطفل العادي حين يحمل محفظته ويذهب إلى مدرسته.

لكن قبل أن نمنح الرجل صك النجاح أو نجهّز له محكمة الفشل، هناك سؤال أولى بالطرح: هل نطلب من وزير واحد أن يصلح منظومة كاملة؟ أم أننا، من فرط استعجالنا، نبحث عن شخص نعلّق عليه آمالنا، ثم نحمّله وحده ما تعجز مؤسسات بأكملها عن إنجازه؟

التعليم في المغرب ليس ملفًا إداريًا يُغلق بتوقيع مذكرة، ولا ورشة تقنية تنتهي بإعلان برنامج جديد. إنه شبكة متداخلة من السياسات العمومية، وظروف الأسر، وأوضاع المدرسين، وجودة التكوين، والمناهج، وحكامة المؤسسات، والفوارق بين المدينة والقرية، وعلاقة المدرسة بمحيطها التي لا تكون دائمًا على ما يرام. وحين نختزل كل هذا في شخص الوزير، مهما بلغت كفاءته، فكأننا نطلب من ربان أن يغيّر وجهة السفينة، بينما يتمسك كل راكب بدفة مختلفة.

وأول ما ينبغي أن يتضح في تدبير هذا القطاع هو التمييز بين ثلاثة مستويات: ما يمكن إنجازه بقرار من الوزارة، وما يحتاج إلى إرادة سياسية تتجاوز حدودها، وما يتطلب مراجعة عميقة لطريقة تفكيرنا في المدرسة أصلًا. ليس كل خلل سببه قرار وزاري، وليس كل تعثر ذنب المدرس. وليس صحيحًا كذلك أن كل إخفاق يمكن تبريره بالحديث عن الإكراهات. المطلوب أن تُحدَّد المسؤوليات بدقة، وأن تكون المحاسبة عادلة، وأن تخضع القرارات نفسها للتقييم. أما أن يتقاذف الجميع كرة المسؤولية، بينما يدفع التلميذ وحده الثمن من سنوات عمره، فهذا ما يجب أن ينتهي.

وفي الأعصاب الحديدية معنى حقيقي. فالقطاع تتزاحم فيه المطالب إلى حد يستحيل معه إرضاء الجميع بقرار واحد. الأسرة تريد نتائج أفضل، والمدرس يريد ظروف عمل تحفظ كرامته وتتيح له أداء مهمته، والتلميذ يريد فرصة حقيقية للنجاح، والإدارة مطالبة بضمان السير العادي للمؤسسات، والدولة تنتظر كفاءات وتنمية وقيم مواطنة. وفي وسط هذا الزحام، يُطلب من الوزير نتائج ملموسة في زمن سياسي قصير، مع أن الإصلاح التربوي يحتاج إلى نفس طويل واستمرارية تتجاوز عمر الحكومات.

غير أن ضبط الأعصاب، مهما كانت أهميته، لا يصنع إصلاحًا بمفرده. يمكن أن يكون المسؤول هادئًا إلى أقصى حد ثم يعجز عن اتخاذ القرار الصائب، ويمكن أن يكون حازمًا إلى درجة تحوّل الوزارة إلى ثكنة تصدر الأوامر. والمدرسة المغربية لا تحتاج وزيرًا لا يغضب، بل مسؤولًا يجرؤ على الاعتراف بالخطأ، ويصغي إلى من يعملون في الميدان، ويعرف الفرق بين قرار يبدو ناجحًا في التقارير وقرار يغيّر شيئًا فعليًا داخل الفصل.

وأخطر ما يتربص بالوزير الجديد إغراء الحلول السريعة، تلك التي توحي بأن الأمور تتحرك دون أن يتغير شيء في واقع المدرسة. قد تكون مراجعة المناهج، وتطوير المنصات الرقمية، وإصدار المذكرات، وتنظيم اللقاءات التواصلية أدوات مفيدة، لكنها تظل وسائل لا غايات. فقيمة أي إجراء لا تُقاس بما يرافق الإعلان عنه من ضجيج، بل بما يحدثه من تغيير قابل للملاحظة داخل المدرسة. الإصلاح أن يدخل التلميذ قسمًا تتوفر فيه شروط التعلم، وأن يجد المدرس ما يحتاج إليه لأداء عمله، وأن تكون المدرسة فضاءً للمعرفة وتكافؤ الفرص، لا محطة عبور تتفاوت جودة خدماتها بتفاوت المكان الذي وُلد فيه الطفل.

تأملوا حال مدرسة في قرية جبلية. المسافة وحدها قد تكون سببًا في انقطاع تلميذ عن الدراسة، والنقل المدرسي قد يكون الفارق بين أن يكمل تعليمه أو يتوقف عند الإعدادي، ونقص التجهيزات وصعوبة الوصول يلقيان بظلالهما على الحياة المدرسية كلها. فهل تعالج هذا كله مذكرة وزارية موحدة؟ وهل يكفي أن نعلن تعميم إجراء ما لنعتبره قد تحقق بالدرجة نفسها في الرباط وفي أعالي الجبال؟ هنا يُختبر الإصلاح فعلًا. المهم ليس أن يُنتج خطابًا وطنيًا منسقًا، بل أن يستجيب لحاجات مختلفة في مجالات مختلفة.

وهناك معضلة أخرى لا تقل أهمية، هي الثقة. المدرسة لا تقوم بالقرارات وحدها، بل بما بين الفاعلين داخلها من علاقة. فإذا أحس المدرس أن صوته لا يُسمع إلا حين يُطلب منه تنفيذ قرار أو تبرير تعثر، فلن تنفع كل دعوات التعبئة الجماعية. وفي المقابل، لا يصح أن تتحول المطالبة بتحسين الظروف إلى تهرب من المسؤولية المهنية، ولا أن تصير المحاسبة غطاءً لتجاهل الظروف التي تؤثر في جودة الأداء. المطلوب علاقة متوازنة، يقترن فيها الحق بالواجب، وتستند فيها المحاسبة إلى معايير واضحة، لا إلى بحث دائم عن طرف يتحمل وحده تبعات الاختلال.

ولا يستقيم أن نطالب الوزير بالنتائج ثم نمنحه زمنًا لا يكفي لإنجازها، ولا أن نمنحه ثقة مطلقة قبل أن نرى ما سيفعل. بين الحكم المتسرع والتفويض على بياض مساحة اسمها التقييم الموضوعي. فيها يشتغل المسؤول، ويراقب المجتمع، وينتقد الفاعلون التربويون ويقترحون، دون أن يتحول كل نقاش إلى حملة تمجيد أو تصفية حسابات.

وأتمنى لوزيرنا أن يخشى الصمت أكثر مما يخشى الأصوات العالية. فالمسؤول الذي لا يسمع إلا عبارات الرضا قد يظن أن الإصلاح يسير على ما يرام، بينما المدرسة في مكان آخر، بعيدة عن لغة الاجتماعات والتقارير. وقد تكشف ملاحظة صادقة من أستاذ في مؤسسة نائية ما لا تظهره التقارير الإدارية، لأنها تنقل تفاصيل الممارسة اليومية التي لا تصل دائمًا إلى مراكز القرار. فالإصلاح الذي لا يسمع صوت الميدان قد يبدو متماسكًا في الوثائق، لكنه يتعثر عند أول احتكاك بالواقع.

ثم إن المشكلة لا تتعلق فقط بما ينجزه الوزير خلال ولايته، وإنما بما تتركه تجربته لمن يأتي بعده. فكل إصلاح يضطر إلى إعادة تقديم نفسه مع كل تغيير في المسؤولين، لا يعاني فقط من ضعف التنفيذ، بل من غياب التراكم الذي يحوّل التجارب السابقة إلى معرفة مؤسساتية. ومن غير المعقول أن تبدأ المدرسة المغربية في كل مرة من نقطة الصفر، وكأن ما سبق لم يكن، أو كأن تغيير المسؤول يقتضي تغيير البوصلة بالضرورة. المطلوب أن تستمر الاختيارات التي تثبت نجاعتها، وأن تُراجع السياسات التي تكشف النتائج محدوديتها، وأن يصبح تقييم التجارب أساسًا لتطويرها، لا مناسبة لمحوها وإعادة كتابة الوعود.

أما نحن، فلا يجوز أن نختزل مستقبل المدرسة في اسم وزير، مهما كبر الرهان عليه. الوزراء يتعاقبون والمدرسة تبقى، والتلاميذ لا يستطيعون تأجيل سنواتهم الدراسية إلى أن تستقر السياسات العمومية. ما يحتاجه المغرب إصلاح تسنده رؤية واضحة وتمويل كافٍ وتقييم مستقل، ويحافظ على الاختيارات الناجعة ويصحح ما يثبت فشله، ويجعل المسؤولية مشتركة دون أن يذيب مسؤولية كل طرف في مسؤولية الآخرين.

قد يحتاج وزير التعليم إلى أعصاب من حديد فعلًا. لكنه يحتاج قبل ذلك إلى بوصلة واضحة، وفريق كفء، وشجاعة سياسية، ومؤسسات تجعل الإصلاح مسؤولية مشتركة. والمدرسة المغربية لا تنتظر وزيرًا خارقًا، بل منظومة عادية في شروطها، جادة إلى أقصى حد، تحترم المدرس وتنصف التلميذ وتطمئن الأسرة وتربط المسؤولية بالمحاسبة.

فهل ننتظر من الوزير الجديد أن ينقذ التعليم وحده؟ أم نجد أخيرًا الشجاعة لنبني إصلاحًا لا يتوقف على أعصاب رجل واحد؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34

مراسيم تسليم السلط