في السياق المغربي ثمة ثلاثة أسباب لطرح موضوع الثقافة في علاقتها بالمشاركة المواطِنة في مشاريع التنمية:
1) الاستهانة بدور العامل الثقافي في مجال التنمية من طرف الفاعلين السياسيين بمختلف أطيافهم، ويظهر ذلك بوضوح في التصور الذي تتبناه الحكومات المتعاقبة للثقافة باعتبارها قطاعا خاصا يحتاج إلى الدعم والمساعدة، كما يظهر في الميزانيات والبرامج التي تخصصها هذه الحكومات للشأن الثقافي.
2) تدني الوعي المواطن وضعفه أمام التحديات الراهنة، حيث لا تلتفت الأطراف الفاعلة إلى أهمية العقليات والذهنيات وأنماط الوعي والسلوك وتقاليد وعادات المجتمع في نجاح أو فشل مشاريع التنمية، حيث يتم التركيز في الغالب على الشروط التقنية والعوامل المساعدة في المحيط المادي، في إغفال تام للعوامل الأكثر تأثيرا في سلوك ووعي المواطنين.
3) وجود نموذج تنموي جديد أعلنت عنه الدولة منذ منتصف سنة 2021، والذي يتضمن مكتسبات هامة تربط وفق نظرة شمولية بين الثقافي والتربوي والتنموي، وتجعل من “تحرير الطاقات” و”تطوير العقليات” هدفا أسمى لها.
هذه العوامل الثلاثة في اعتقادنا تسمح لمغرب اليوم بأن يعيد النظر في مكانة الثقافي وأدواره في تحريك عجلة الاقتصاد ورفع الإنتاجية وخلق دينامية اجتماعية مساعدة على مناخ الأعمال والاستثمار، وكذا جعل الحياة السياسية أكثر حيوية ومصداقية، عوض إبقاء الثقافي أسير التنشيط الرمزي في الآداب والفنون.
ومن البديهي أن هذا المنظور الجديد للثقافة بحاجة إلى تعريف وتحسيس كبير لدى السياسيين، إذ يعتمد أساسا على نقل الثقافة من مجرد قطاع وزاري بحاجة إلى الدعم والمساعدة إلى محرك للوعي الاجتماعي وحافز للإبداع والتجديد وبرنامج يومي للنهوض بالمجتمع وتنميته.
لقد تم تداول مفهوم الثقافة لمدة غير يسيرة في الأوساط الثقافية المغربية وفي بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط على أن المقصود به الإنتاجات الرمزية من آداب وفنون وأفكار نظرية، وهو المفهوم التقليدي للثقافة الذي لا يتعدى فضاء المدرسة إلى الحياة الواسعة، وجاء المفهوم الأنثروبولوجي للثقافة بعد ذلك ليتمّ توسيع المفهوم فيشمل كل ما يكتسبه الإنسان من وسطه الاجتماعي بعد الولادة، من لغة تخاطب وتقاليد وعادات المجتمع وأدوات وتقنيات مستعملة وقيم روحية وجمالية، وبهذا صارت الثقافة تقريبا مرتبطة بكل مناحي الحياة، ومرادفة لمعنى “الذهنية” أو “العقلية” التي تحكم أنماط الوعي والسلوك، وصارت بالتالي عاملا لا يمكن إنكاره في دراسة المشاريع التنموية والبحث عن طرق إنجاحها، إذ لا يمكن أن ينجح أي مشروع في أي قطاع من قطاعات الدولة إذا لم تتم دراسة سلوكات الناس وعقلياتهم وأشكال وعيهم لضمان شروط نجاح المشروع المراد تحقيقه، وهكذا أصبحت الثقافة بمعناها الواسع المشار إليه، العامل الرئيسي لنجاح أو فشل أي مشروع تنموي.
ـ من جهة أخرى يبدو أننا بحاجة إلى تدقيق مفهوم التنمية الذي كان إلى وقت قريب محصورا في المجال المادي من ماء وكهرباء ومواصلات وتجهيزات المستوصف الطبي ومشاريع الفلاحة والصناعة التي لم ينجح معظمها إلا بمقدار ضئيل، ذلك أن التنمية الحقيقية إنما تستهدف الإنسان وليس المحيط المادي، فقد اعتمدت الدولة خطابا سطحيا حول “تنمية العالم القروي” منذ عقود، ورغم أنها نجحت في إدخال الكثير من عناصر التنمية المادية إلى القرى البعيدة إلا أن ذلك لم يوقف الهجرة الكثيفة للسكان نحو المدن والحواضر الكبرى، والسبب الرئيسي في ذلك هو أن الذي كان يمكن أن يجعل السكان يبقون في أماكنهم ويساهمون في تنميتها هو الحفاظ على الإطار الثقافي الاجتماعي الذي كان يجمعهم، والذي كان مرتبطا بنمط الزراعة المعاشية التي دمرتها الدولة بمخططاتها التي لم تأخذ في الاعتبار هذا النوع من الزراعة، الذي كان نظام عيش متكامل في الكثير من مناطق المغرب النائية.
فالمنطلق الصحيح للتنمية إذن إنما هو العناية بالعامل البشري وجعل الفرد المواطن يكتسب وعيا تنمويا يساعد على نجاح المشاريع المادية من خلال التأطير والتكوين والتوعية والتحسيس، ذلك لأن التنمية بجانب كونها تهدف إلى الرفع من الوضعية الإنسانية، مشروع جماعي تشاركي قائم على دينامية اجتماعية ومؤسساتية.
من جانب آخر فانخراط المواطنين في مشاريع التنمية لا يكون إلا في مناخ ديمقراطي يحقق شعور الأفراد بالكرامة والطمأنينة الاجتماعية وبالانتماء للوطن.
كما أن الوعي بالحقوق والواجبات من طرف الأفراد يخلق ضميرا جمعيا يجعل مصلحة الفرد جزءا من مصلحة المجتمع.
وحتى تظهر للقارئ الكريم أكثر أهمية العوامل الثقافية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية نشير إلى أهمية الأفكار الوطنية والشعور بالمسؤولية والإيمان بالمساواة واعتماد النزاهة والحكامة والخصوصية الثقافية للجهات المختلفة، وأهميتها في إنجاح المخططات التنموية.
إذا شئنا الاختصار الشديد قلنا بأن عربة (الثقافي) ، بالمعنى الحضاري التنموي توجد لدينا في آخر القطار ، بالنظر إلى الميزانية العامة البئيسة التي ترصد لها والمجالات التي تصرف فيها ، إذا استثنينا ، على سبيل المثال، معارض الكتاب على شحها ، نجدها لدى المهرجانات الفولكلورية ، والمفارقة الغريبة التي يدركها الجميع أن اﻷحزاب السياسية لدينا وفي حملاتها الانتخابية ، بدلا من استقطاب القوى الحية من مثقفين وأكاديميين ، نجدها تتهافت على أصحاب المال بغض النظر عن مؤهلاتهم الثقافية حتى ولو كانوا ليس بمقدورهم التمييز بين (اﻷلف والزرواطة) ، قد يذهب بنا التحليل إلى مداه فنستنتج أنها سياسة قديمة ، ما زالت تعشش في أدمغة بعض الحكام …لاعتقادهم بأن الثقافة مرادفة للوعي واليقظة ، وبالتالي تبقي على تكريس الخرافة وسلطة المال أملا في تحاشي كل أسباب الزعزعة ، سلمات
المغرب يقيم عدة تظاهرات ثقافية و مهرجانات كبرى تساهم في التنمية
يعد معرض الفرس بالجديدة مثلا نمودجا و مثال ممتاز على كيفية ربط الثقافة بالتنمية و الاقتصاد.
ومعارض و مهرجانات أخرى كثيرة كمهرجان فاس للموسيقى الروحية العالمية و مهرجان مراكش الدولي للفيلم و المعرض الدولي للنشر و الكتاب وووو
“Culture is the arts elevated to a set of beliefs”
“الثقافة هي الفنون التي ارتقت إلى مجموعة من المعتقدات.”
Thomas Wolfe
“Le rôle de la culture est d’organiser le chaos du monde pour l’homme”
“دور الثقافة هو تنظيم فوضى العالم من أجل الإنسان.”
Maurice Maeterlinck
“Une société qui ne se pose pas de questions sur sa culture est une société qui se sclérose”
“المجتمع الذي لا يطرح أسئلة حول ثقافته هو مجتمع يتصلب (أو يتكلس).”
Michel Rocard
أستاذ أحمد،
يتفق مقالكم تماماً مع الرؤى الحديثة التي ترفض فصل الثقافي عن التنموي، وتؤكد أن التنمية ليست مجموعة من التجهيزات المادية، بل هي بالأساس تراكم معرفي ووعي جمعي. إن تحويل الثقافة من مجرد قطاع وزاري داعم إلى “محرك للوعي الاجتماعي” هو التحول المنشود نحو الحكامة الرشيدة. لا يمكن تحقيق الانخراط المواطن والمصداقية السياسية إلا بتوفير مناخ ديمقراطي يشعر فيه الفرد بالكرامة والانتماء. إن الثقافة بمعناها الواسع هي بوصلة التنمية، تضمن نجاح المخططات وتمنع هدر الجهود والأموال.
“إذا أردت أن تفهم مستقبل أمة، فانظر إلى ما تُكرّسه لثقافتها.”
ALHOCEIMA
المغرب و لله الحمد يسير في الطريق الصحيح و يجب الإعتراف بالمجهودات المغربية الجبارة لتثمين الثقافة كرافعة للتنمية تنطلق من اعتراف هوياتي شامل لا يقتصر على ترسيم الأمازيغية فقط بل يمتد ليشمل بوعي تام المكونات الأخرى كالعبري و الأندلسي و الحساني. هذا التنوع الهائل يعتبر رأسمالا لاماديا فريدا و المغرب نجح في تحويله الى مورد اقتصادي قوي عبر السياحة التراثية و الديبلوماسية الثقافية, وبالتالي تحويل التراث إلى صناعات إبداعية مدرة للدخل عبر الدعم الضخم للمهرجانات العالمية و ترميم المدن العتيقة, لخلق سياحة ثقافية مستدامة, و النجاح في تسجيل عناصر التراث الوطني لدى اليونيسكو مما يعزز قيمتها الاقتصادية عالميا…
التحدي يكمن في تعميم هذه المجهودات لتصل إلى كل المناطق النائية و توفير دعم مستدام لصغار الفنانين و المهن الحرفية (الصناعة التقليدية)
نحن في طريق صحيح و واعد, لكن النجاح يتطلب استمرار هذه الجهود الجبارة و توسيع نطاقها لتشمل كل تراب المملكة
و كثمرة لهذه المجهودات المغربية الجبارة في مجال الثقافة, التي شملت الاعتراف الشامل بكل الروافد الهوياتية و حماية التراث و القيادة الروحية, استطاع المغرب أن يقدم صورة عنه عالميا بأنه بلد التعايش و التسامح و السلام, و هو إنجاز لا يستهان به, إذ يعد هذا الاشعاع العالمي مكسبا استراتيجيا يعزز الأمن القومي و يحصن المشروع التنموي للبلاد
هذا الإشعاع العالمي كبلد للتعايش و السلام مهم و حيوي للغاية بالنسبة للتنمية و جلب السياح و الاستثمارات الأجنبية