“من الفتحة المظلمة للداخل البالي للحذاء يطلّ تعبُ خطى العامل”. — مارتن هايدغر
ثمة أشياء في السينما تمر أمام أعيننا لأنها تبدو أصغر من أن تستحق التوقف، بينما تكون هي، في عمق الصورة، أكثر الأشياء قدرة على فضح حياة الإنسان. ويعتبر الحذاء واحد من هذه الأشياء التي وضعتها السينما طويلاً عند هامش النظر، تحت الجسد، قريباً من الأرض، بعيداً عن الوجه الذي اعتدنا أن نبحث فيه عن الحقيقة، لكن ماذا لو كانت الحقيقة أحياناً تحت أقدام الشخصيات؟ ماذا لو كان الحذاء يعرف الطريق الذي أنكرته الذاكرة، ويحفظ الغبار الذي أخفته الحكاية، ويسجل على جلده ما لا تستطيع الشخصية الاعتراف به؟ من أين جاء؟ من دفع ثمنه؟ كم مرة تمزق ثم عاد إلى القدم؟ ومن أي أرض حمل ذلك الطين العالق بنعله؟ وهل يمكن أن يصبح الخدش الصغير على حذاء طفل وثيقة اجتماعية تختصر تاريخ الفقر والهامش أكثر مما يفعل حوار طويل؟
وحين تنظر السينما المغربية إلى الحذاء، فإنها قد تجعله يمشي داخل فضاءات الفقر والطفولة والهجرة والمدينة والاقتلاع، حيث تتحول القدم إلى وسيلة للبقاء حين يغيب البيت، ويصبح الطريق قدراً اجتماعياً قبل أن يكون اختياراً فردياً. وحين تنظر إليه السينما الأمريكية، يمكن أن تمنحه معنى الحلم والهوية والاستهلاك والرحيل والعودة، من حذاء دوروثي في The Wizard of Oz إلى أحذية الشخصيات التي تعبر شوارع أمريكا وهي تحمل طبقاتها الاجتماعية وأحلامها وندوبها.
لكن ماذا يحدث حين يموت صاحب الحذاء؟ هل يتوقف الحذاء عن الكلام، أم يبدأ الكلام الحقيقي؟ وماذا يبقى من الإنسان حين يتحول الشيء الذي لامس جسده طويلاً إلى شاهد على غيابه؟ وهل يمكن لزوج من الأحذية المتروكة عند عتبة باب أن يكون أكثر إيلاماً من مشهد موت كامل؟
وهنا يبدأ الرهان النقدي: ألا نقرأ الحذاء بوصفه إكسسواراً، وإنما بوصفه أثراً. فالأثر هو الذاكرة حين تفقد صوتها. وكل خطوة تترك تاريخاً، وكل طريق يترك ندبة، وكل حذاء يحمل في صمته سيرة شخص حاول أن يجد مكاناً له فوق هذه الأرض.
الحذاء الذي تمشي فيه الذاكرة
يبدو الحذاء واحداً من أكثر الأشياء هامشية في الصورة السينمائية: شيء يقع عند أسفل الجسد، لا يتكلم، لا يملك وجهاً، ولا يحتل عادةً مركز الكادر. ومع ذلك، ماذا لو كان هذا الشيء الصغير يعرف عن الشخصية أكثر مما تعرفه الشخصية عن نفسها؟ ماذا لو كان الحذاء أرشيفاً صامتاً للرحلة، وذاكرة للشارع، وشاهداً على الفقر والهجرة والطفولة والحب والموت؟ لماذا نتذكر أحياناً حذاء شخصية سينمائية أكثر مما نتذكر ما قالته؟ وهل يمكن لآثار الغبار على حذاء طفل أن تحكي عن طبقته الاجتماعية أكثر مما يحكيه حوار طويل؟ وهل تستطيع الكاميرا أن تقرأ التاريخ من النعل الذي لامس الأرض؟
في السينما المغربية والأمريكية، يظهر الحذاء بأشكال مختلفة، لكنه كثيراً ما يتحول من أداة لحماية القدم إلى علامة على علاقة الإنسان بالمكان. في “علي زاوا”، للمخرج نبيل عيوش، تتحرك أجساد الأطفال في فضاءات لا توفر لهم استقراراً عائلياً حقيقياً، فيصبح الشارع امتداداً لجسدهم ومصيرهم. وفي فيلم “خيول الله ” (2012)، يصبح الجسد الصغير جزءاً من فضاء اجتماعي تتداخل فيه الهشاشة والفقر والتهميش والتحول العنيف. أما في السينما الأمريكية، فيمكن أن نرى الحذاء وهو يتحول إلى علامة على الحلم والطبقة والرحلة والهوية، من “ساحر أوز” (1939) إلى فيلم “فورست غامب” (1994)، ومن فيلم “افعل الصواب” (1989)، إلى أفلام أخرى تجعل القدم والطريق جزءاً من السرد.
الحذاء، إذن، لا يمشي وحده. إنه يحمل صاحبه، ويحمل معه شيئاً من المكان الذي مر به. فهو يتسخ حين يتسخ صاحبه، يتمزق حين تضيق به الحياة، ويصبح جديداً حين تحاول الشخصية أن تبدأ حياة أخرى. وقد يكون زوجاً من الأحذية علامة على امتلاك المستقبل، بينما يكون الحذاء المهترئ شهادة على أن الماضي لم يغادر بعد.
وهكذا يبدأ السؤال الحقيقي: هل يمكن أن نقرأ حياة الشخصية من حذائها؟ وهل يمكن أن نقرأ المجتمع من الأحذية التي تمشي فوق أرضه؟
الحذاء بوصفه خريطة للطبقة والشارع
حين تقترب الكاميرا من قدم شخصية سينمائية، فإنها تستطيع أن تكشف طبقة اجتماعية كاملة من دون أن تنطق الشخصية بكلمة واحدة. نوع الحذاء، نظافته، اهتراؤه، طريقة ارتدائه، وحتى غيابه، كلها إشارات يمكن أن تتحول إلى لغة بصرية. فالحذاء الجديد يقول شيئاً عن القدرة على الاستهلاك، والحذاء القديم يروي تاريخاً من الاستعمال، والحذاء غير المناسب يكشف أحياناً عن علاقة مرتبكة بين الجسد والمكان.
وفي السينما المغربية، يصبح هذا المعنى أكثر حساسية حين يتعلق الأمر بالشخصيات الهامشية والأطفال والفئات التي تعيش على حافة المدينة. في «علي زاوا: أمير الشوارع» (2000)، لا يمكن فصل أجساد الأطفال عن الشارع الذي صار فضاءً لحياتهم. وهنا تصبح القدم جزءاً من تجربة البقاء: الطفل لا يمتلك بيتاً مستقراً، لكنه يمتلك جسداً يتحرك باستمرار. والحركة نفسها تصبح بديلاً عن الاستقرار. ويمكن للحذاء، في هذا السياق، أن يختزل سؤالاً اجتماعياً: كم يحتاج الإنسان من الأشياء كي يشعر أن له مكاناً في العالم؟
وفي “وداعاً أمهات ” (2008) للمخرج محمد إسماعيل، يأخذ المكان والرحيل بعداً آخر مرتبطاً بالهجرة والاقتلاع والذاكرة. وفي أفلام الهجرة المغربية، يمكن قراءة الحذاء بوصفه شيئاً يرافق الإنسان من وطن إلى آخر، حاملاً آثار الطريق معه. إنه جسم صغير يعبر الحدود مع صاحبه، بينما تبقى أشياء أخرى خلفه.
أما في فيلم Do the Right Thing- ” افعل الصواب ” (1989) للمخرج الأمريكي سبايك لي فإن الحذاء يدخل في شبكة ثقافية واجتماعية تتعلق بالهوية والاستهلاك والشارع والاختلافات الطبقية والعرقية. ولا يمثل الحذاء مجرد قطعة ملابس؛ إنه جزء من صورة الذات في المدينة، ومن الطريقة التي يقدم بها الإنسان نفسه أمام الآخرين.
وهنا تظهر المفارقة: كلما صغر الشيء، ازداد احتمال أن يخفي داخله تاريخاً كبيراً. فالحذاء لا يشرح الفقر، لكنه قد يحمل غباره. ولا يتحدث عن الطبقة الاجتماعية، لكنه قد يكشفها. ولا يروي قصة الشارع، لكنه يحمل آثاره على النعل.
ولذلك يمكن للناقد أن يسأل: من أين جاء هذا الحذاء؟ ومن دفع ثمنه؟ وكم طريقاً قطعه قبل أن يصل إلى قدمي صاحبه؟
الحذاء والطفولة: عندما تكون القدم أول ذاكرة
الطفولة في السينما لا تُرى دائماً من خلال الوجه. فأحياناً تكشفها الأشياء الصغيرة التي تحيط بالطفل: حقيبة، لعبة، سرير، قطعة ثياب، أو حذاء أكبر من قدمه أو أصغر منها. والحذاء تحديداً يستطيع أن يتحول إلى صورة مكثفة لطفولة تعيش بين الحماية والانكشاف. فالطفل الذي يرتدي حذاءً مناسباً يبدو محاطاً بنوع من النظام؛ أما الطفل الذي يمشي بحذاء ممزق أو مستعار، فإن جسده يكشف هشاشة العالم المحيط به.
في “علي زاوا “، يصبح الشارع فضاءً لطفولة فقدت جزءاً من شروطها الطبيعية. والطفل هنا لا يتحرك من غرفة إلى غرفة داخل بيت آمن، وإنما من شارع إلى آخر، ومن حلم إلى حلم. ولذلك يمكن قراءة الحذاء باعتباره أثراً للحركة المستمرة. إنه الشيء الذي يعرف الطريق أكثر من الطفل نفسه. وكلما قطع الطفل مسافة، تراكمت على حذائه طبقة جديدة من المدينة.
وفي السينما الأمريكية، يقدم فيلم The Wizard of Oz – ” ساحر أوز” (1939) ) واحدة من أشهر صور الحذاء في تاريخ السينما. وهي الأحذية الحمراء اللامعة التي ترتديها دوروثي ليست مجرد إكسسوار بصري؛ إنها مرتبطة بالسفر والانتقال والرغبة في العودة إلى البيت. وتصبح القدم هنا مرتبطة بسؤال الوطن: كيف أعود؟ وأين يوجد المكان الذي يمكن أن أعود إليه؟
وإذا كان حذاء دوروثي يختزن رغبة العودة، فإن الحذاء في أفلام الطفولة المهمشة قد يختزن رغبة أخرى: أن يكون للطفل طريق أصلاً.
وهنا تلتقي السينما المغربية والأمريكية في نقطة عميقة رغم اختلاف السياقات. فالطفل يحتاج إلى مكان يعود إليه، وإلى حذاء يقوده إليه، لكن حين يصبح البيت مفقوداً، يصبح الطريق نفسه جزءاً من الهوية.
والحذاء في هذه الحالة ليس حماية للقدم وحدها؛ إنه حماية لوهم الاستمرار. فالطفل يمشي لأنه ما زال يؤمن أن هناك مكاناً ينتظره في نهاية الطريق. وإذا انتهى الطريق بلا بيت، تصبح القدم شاهدة على مأساة أكبر من مجرد الفقر.
ومن هنا يمكن أن يصبح الحذاء أول ذاكرة جسدية للطفولة: ذاكرة لا تُروى، وإنما تُستهلك مع كل خطوة.
من الطريق إلى الحلم: الحذاء كرمز للرحيل
السينما تحب الطرق لأنها تمنح الشخصية فرصة للتحول. وما إن تغادر الشخصية مكانها حتى يبدأ احتمال جديد للحياة، لكن الطريق لا يبدأ من السيارة أو القطار أو الطائرة دائماً؛ أحياناً يبدأ من القدم. والحذاء هو أول مركبة يمتلكها الإنسان، وأقدم وسيلة انتقال عرفها الجسد. ولذلك يحمل في السينما معنى الرحيل قبل أن يحمل معنى الوصول.
وفي فيلم Forrest Gump – ” فورست غامب” (1994) للمخرج روبرت زيميكس، تتحول حركة الجسد إلى عنصر مركزي في بناء الشخصية. والجري، الذي يبدأ بوصفه تجربة جسدية مرتبطة بالطفولة والإعاقة الجسدية، يتحول لاحقاً إلى فعل رمزي يتجاوز صاحبه. وحين يصبح فورست عداءً يقطع مسافات هائلة، فإن الطريق يتحول إلى ذاكرة متحركة لأمريكا نفسها. وهنا لا يعود الحذاء مجرد وسيلة للجري؛ إنه جزء من جسد يتحرك عبر التاريخ.
أما في «ساحر أوز»، فإن الحذاء مرتبط بالرغبة في العودة إلى الوطن. وبين دوروثي وفورست غامب تظهر مفارقة مهمة: الأول يبحث عن طريق العودة، والثاني يجد نفسه في طريق لا يعرف نهايته، لكن الحذاء يحتفظ في الحالتين بفكرة واحدة: الإنسان لا يعرف نفسه إلا أثناء الحركة.
وفي السينما المغربية، يأخذ الرحيل معنى أكثر ارتباطاً بالهجرة والبحث عن المستقبل. الشخصيات التي تعبر من القرية إلى المدينة، أو من المغرب إلى أوروبا، لا تحمل معها بيتها كاملاً، لكنها تحمل حقائب قليلة وأشياء شخصية وذاكرة لا يمكن تسجيلها في وثيقة. ويمكن للحذاء أن يصبح من هذه الأشياء الصغيرة التي تعبر الحدود مع الإنسان، شاهداً على المسافة بين مكانين. لكن السؤال: ماذا يحدث حين يصبح الطريق أطول من قدرة القدم على التحمل؟ وهنا يتحول الحذاء إلى سجل للتعب. وتتشقق مادته، يتغير شكله، تتراكم عليه آثار الأرض. كأنه يكتب الرحلة بلغة جسدية.
ولهذا فإن الحذاء السينمائي يمكن أن يكون خريطة للمنفى. إنه لا يحمل اسم الوطن، لكنه يحمل ترابه. لا يتحدث عن الحدود، لكنه يعبرها. ولا يتذكر الأماكن كما يتذكرها العقل، وإنما يحتفظ بها على سطحه.
وربما لهذا تبدو القدم في السينما أكثر صدقاً من الخريطة: الخريطة تحدد المسافة، أما الحذاء فيحفظ ثمنها.
الحذاء والموت: الشيء الذي يبقى بعد اختفاء صاحبه
هناك لحظة يصبح فيها الحذاء أكثر حضوراً حين يغيب الإنسان. فحين يموت صاحبه، يبقى الحذاء في مكان ما، ساكناً لأول مرة، بعد أن كان مصمماً للحركة. وهنا تنقلب وظيفته: من وسيلة للسير إلى شاهد على الغياب. إنه شيء صغير، لكنه يستطيع أن يحمل سؤالاً ضخماً: ماذا يفعل الشيء حين يصبح صاحبه ذكرى؟
فقد عرفت السينما الأمريكية، هذه القوة الرمزية في صور كثيرة، حيث يتحول اللباس والأشياء الشخصية إلى آثار للمفقودين. وفي فيلم Schindler’s List – ” لائحة شندلر ” (1993)، للمخرج ستيفن سبيلبرغ، تظهر الأشياء الشخصية، ومنها الأحذية والملابس، ضمن عالم بصري يجعل الإنسان قابلاً للاختزال إلى أثر مادي بعد الموت. وحين تتراكم الأحذية في سياق الإبادة، تتحول إلى أرشيف جماعي للذين لم يعد لهم صوت. ولا يعود الحذاء ملكاً لشخص واحد؛ يصبح شاهداً على عدد هائل من الأجساد التي اختفت.
أما في السينما المغربية، فإن سؤال الغياب يرتبط أيضاً بالهجرة والموت والاختفاء والفقدان. وقد يصبح الشيء الشخصي، مهما بدا بسيطاً، وسيلة لإبقاء الغائب داخل الصورة. وفي أفلام تتناول الموت أو الفقدان، يمكن للسرير الفارغ أو الملابس المتروكة أو الحذاء المتوقف عند عتبة الباب أن يقوم مقام الشخصية الغائبة.
وهنا تتغير علاقتنا بالحذاء جذرياً. ما كان في بداية الفيلم مجرد شيء وظيفي يصبح في النهاية وثيقة وجودية. كان يمشي بصاحبه، ثم صار يمشي بذاكرته وحدها.
إنه يشبه صورة فوتوغرافية لم تُلتقط. لا نرى الوجه، لكننا نعرف أن شخصاً كان هنا. ولا نسمع صوته، لكننا نستطيع تخيل خطواته. ولا نعرف أين ذهب، لكن الحذاء يصر على القول إنه مر من هذا المكان.
ولهذا يمكن للناقد أن يقرأ الحذاء بعد الموت بوصفه «جسداً ثانياً» للشخصية. الجسد يختفي، لكن الشيء الذي لامسه طويلاً يحتفظ بشيء من حضوره.
وهنا تبلغ الأشياء غير المرئية ذروة قوتها: أحياناً لا تحتاج السينما إلى تصوير الغائب؛ يكفي أن تصور الشيء الذي تركه وراءه.
الحذاء بوصفه ذاكرة اجتماعية
إذا كان البيت، يستطيع أن يتحول إلى أرشيف للمجتمع، فإن الحذاء يستطيع أن يصبح أرشيفاً متحركاً. ويحتفظ البيت بما يحدث داخله، بينما الحذاء يحمل ما يحدث خارجه. الأول يسجل السكون، والثاني يسجل الحركة. الأول يعرف الذين دخلوا وخرجوا، والثاني يعرف الطرق التي مشى فيها الإنسان.
وهذه الثنائية تمنح المقارنة بين السينما المغربية والأمريكية بعداً أعمق. في المغرب، يمكن للحذاء أن يكشف علاقة الإنسان بالشارع والحي والهجرة والفقر والطبقة والعمل. وفي السينما الأمريكية، يمكن أن يكشف علاقته بالحلم والاستهلاك والهوية والرحلة والصراع الاجتماعي. لكن الحذاء في الحالتين يحمل أثراً مشتركاً: الجسد لا يتحرك في الفراغ؛ إنه يمر داخل تاريخ.
في فيلم «افعل الصواب»، ترتبط الأحذية بثقافة المدينة وصورة الذات والرغبة في الامتلاك والظهور. وفي فيلم «فورست غامب»، تصبح الحركة الجسدية طريقاً يعبر التاريخ الأمريكي. وفي فيلم «ساحر أوز»، يصبح الحذاء علامة على العودة. وفي السينما المغربية، يمكن أن نقرأ حركة الأقدام في الشارع باعتبارها علامة على علاقة الشخصيات بمكانها الاجتماعي، خصوصاً في الأفلام التي تجعل الهامش والمدينة والطفولة والهجرة موضوعاً لها.
وهنا تظهر أهمية «تشريح الأشياء المهمة وغير المرئية». والناقد لا يبحث عن الشيء لأنه جميل أو مشهور، وإنما لأنه يمارس وظيفة خفية داخل الصورة. فالحذاء لا يحتاج إلى لقطة قريبة كي يكون مهماً. ويكفي أن نعرف أن الشخصية تمشي. فكل خطوة تحمل معها سؤالاً عن المكان، والغاية، والطبقة، والذاكرة.
وقد يكون من المفيد أن نسأل في كل فيلم: هل الحذاء جديد أم قديم؟ هل يخص صاحبه أم ورثه؟ هل يناسب قدمه؟ هل يمشي به بحرية أم بألم؟ هل يظهر في لحظة الوصول أم في لحظة الرحيل؟ هل يبقى بعد اختفاء الشخصية؟ وهل تصور الكاميرا القدم وهي تمشي أم تكتفي بوجه الشخص؟
وهذه الأسئلة الصغيرة تفتح أبواباً كبيرة. لأن الحذاء لا يخبرنا فقط عن الشخص الذي يرتديه، وإنما عن العالم الذي اضطر إلى المشي فيه.
وبذلك يصبح الشيء المهم غير المرئي مدخلاً إلى قراءة اجتماعية للسينما: فحين نقرأ الحذاء، نقرأ الطريق؛ وحين نقرأ الطريق، نقرأ المدينة؛ وحين نقرأ المدينة، نقترب من الإنسان.
الحذاء البطل الصامت
في نهاية هذه الرحلة، ربما علينا أن نعيد النظر في معنى البطولة داخل الصورة السينمائية. اعتدنا أن نبحث عن البطل في الوجه، والصوت، والحركة، والقرار. لكن ماذا لو كان هناك أبطال لا يتكلمون؟ ماذا لو كان الحذاء أحد هؤلاء الأبطال الصامتين الذين يحملون الشخصيات من مشهد إلى آخر، ويعرفون عنها ما لا يعرفه الحوار؟
ولا يملك الحذاء ذاكرة بالمعنى البشري، لكنه يملك أثراً. وكل أثر هو شكل من أشكال الذاكرة. والغبار الذي يستقر على سطحه، الطين الذي يلتصق بنعله، الخدش الذي يتركه الطريق، الانحناء الذي يصيب مادته، كلها علامات على حياة مرت من هنا، ولذلك يمكن أن يصبح الحذاء في السينما ذاكرة تمشي.
وهنا تلتقي الأفلام المغربية والأمريكية في هذه التجربة النقدية، بطريقة تتجاوز الفروق الثقافية. ففي المغرب قد يقودنا الحذاء إلى الفقر والهامش والطفولة والهجرة والمدينة، وفي أمريكا قد يقودنا إلى الحلم والرحلة والاستهلاك والهوية والتاريخ، لكن وراء هذه الاختلافات يظل السؤال الإنساني واحداً: إلى أين يمشي الإنسان حين لا يعرف تماماً أين ينتمي؟
ربما لهذا يصبح الحذاء أكثر من قطعة ملابس. إنه علاقة بين الجسد والأرض. فهو بين الإنسان والمكان، وبين الماضي والمستقبل، وبين الرغبة في الرحيل والخوف من الوصول. وقد يكون الحذاء الجديد وعداً بحياة جديدة، وقد يكون القديم دليلاً على حياة لم تنته بعد، وقد يكون المتروك عند الباب شاهداً على حياة انتهت بالفعل.
إن السينما التي تنظر بعين الناقد إلى هذه التفاصيل تستطيع أن تستخرج تاريخاً كاملاً من شيء صغير. فالحذاء يمكن أن يقول ما لا يقوله الحوار عن الطبقة، وما لا يقوله الوجه عن التعب، وما لا تقوله الخريطة عن المنفى، وما لا تقوله الشخصية عن موتها.
ومن هنا يتسع مشروع الأشياء والأمكنة الممهلة وغير المرئية: أن نعيد للشيء الهامشي مكانه داخل القراءة النقدية، وأن نمنح التفاصيل التي تمر سريعاً زمناً يليق بمعناها. فالبيت يسكننا، والمائدة تكشفنا، والنافذة تحاصر أحلامنا، والكرسي يتذكر الغائبين، أما الحذاء فإنه يحمل كل ذلك إلى الخارج، لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: من يمشي في الفيلم؟
السؤال الأعمق هو: أي ذاكرة تمشي معه، وأي تاريخ يتركه تحت قدميه، وأي عالم يبقى عالقاً في حذائه حين يصل إلى نهاية الطريق؟
ختاما
لا يعود الحذاء شيئاً نرتديه، وإنما أثراً نتركه يمشي معنا. فهو يحمل غبار المدن، تعب الطرق، خوف الرحيل، ووهم الوصول، ويحتفظ بما تعجز الذاكرة عن الاحتفاظ به. وربما لهذا تمنحنا السينما فرصة نادرة كي ننظر إلى الإنسان من أسفل صورته، حيث تبدأ الحكاية من الأرض قبل الوجه. فالحذاء القديم قد يكون سيرة فقر، والجديد قد يكون وعداً، والمتروك قد يكون مرثية. وبين المغرب وأمريكا تتغير الطرق، وتتعدد الأحلام، لكن السؤال يبقى واحداً: حين يمشي الإنسان نحو مستقبله، ماذا يحمل معه من ماضيه؟ ربما يحمل ذاكرته كلها، عالقة تحت قدميه.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.