صيغة اختيار رئيس حكومة جهة الصحراء ورهانات التفاوض بعد القرار 2797
مقدمة
تعود مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب إلى الأمم المتحدة سنة 2007 إلى واجهة النقاش في سياق القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025. وقد دعا القرار إلى مواصلة المسار السياسي على أساس المقترح المغربي، مشيرا إلى أن حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل أحد الحلول الأكثر قابلية للتطبيق. واعتمد القرار بأحد عشر صوتا مؤيدا، دون أصوات معارضة، مع امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت وعدم مشاركة عضو في التصويت. وتمنح هذه المعطيات المبادرة زخما دبلوماسيا جديدا، فيما تظل التفاصيل المؤسسية موضع أهمية حاسمة عند الانتقال من الإطار السياسي إلى التفاوض حول نظام قابل للتنفيذ.
من بين تفاصيل المبادرة عبارة تبدو صغيرة، لكنها تفتح بابا واسعا للتحليل: “ينتخبه البرلمان الجهوي وينصبه الملك”. وقد تداولت بعض التغطيات صيغة “يعينه الملك”، وهي صياغة تستحق المقارنة بالنص المرجعي قبل استخلاص أي نتيجة. فالتنصيب والتعيين يتجاوران في اللغة السياسية، لكن الأثر القانوني لكل منهما يتحدد بحسب السياق والأحكام المنظمة للاختصاص. ومن هنا ينطلق السؤال: ما الذي تكشفه طريقة اختيار رئيس الحكومة الجهوية عن توزيع السلطة في مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية؟
تقوم أطروحة هذه المقالة على أن فهم المبادرة يتطلب تتبع سلسلة الشرعية من الناخب إلى البرلمان، ومن البرلمان إلى رئيس الحكومة، ثم إلى قواعد ممارسة السلطة ومساءلتها وإنهاء الولاية. فالتفاوض على الحكم الذاتي يتناول في جوهره بناء مؤسسات تتيح تدبير الشؤون الجهوية ديمقراطيا ضمن السيادة المغربية والوحدة الوطنية، مع ضبط العلاقة بين الاختصاصات الجهوية والاختصاصات السيادية للدولة.
المحور الأول: من دلالة الفعل إلى هندسة السلطة
تؤكد المبادرة المغربية أن سكان الصحراء سيدبرون شؤونهم بصورة ديمقراطية عبر هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية تتمتع باختصاصات حصرية، وأن الدولة ستحتفظ بالاختصاصات المتصلة بالمجالات السيادية، ومنها الدفاع والعلاقات الخارجية والاختصاصات الدستورية والدينية للملك. كما تنص على أن النظام الأساسي للحكم الذاتي سيكون ثمرة مفاوضات، وأنه سيعرض على السكان المعنيين في استفتاء حر، مع إدماجه في الدستور المغربي لضمان استدامته ومكانته في البناء القانوني الوطني.
ضمن هذا البناء، تكتسب صيغة انتخاب رئيس الحكومة الجهوية وتنصيبه أهمية خاصة. فالانتخاب يربط تولي المنصب بإرادة البرلمان، فيما يحدد التنصيب العلاقة بين هذه الإرادة والمؤسسة الملكية. غير أن اللفظ وحده لا يحسم إن كان التنصيب إجراء ملزما أم يتيح مجالا تقديريا، إذ يتطلب ذلك فحص الأحكام الكاملة التي تنظم الترشيح والرفض والآجال والآثار المترتبة على التعذر. ومن ثم فإن الانتقال من “ينصبه” إلى “يعينه” في التداول الإعلامي قد يغير الانطباع عن توزيع الاختصاصات، لكنه لا يثبت بذاته تغيرا في النص أو في المقصد القانوني.
يمكن وصف هذه المسألة، لأغراض التحليل، بمفهوم “السيادة الإجرائية”: أي أثر التحكم في الإجراءات التي تنقل الاختيار السياسي من مرحلة إلى أخرى. فحتى حين يكون الاختيار بيد مؤسسة منتخبة، تظل الأسئلة المتعلقة بالتصديق أو التنصيب والاعتراض وحسم الخلاف مؤثرة في عمل النظام. وتبرز هنا ضرورة أن تكون الصياغة النهائية واضحة في تحديد طبيعة التنصيب، وحالات تعذر إتمامه، والجهة التي تفصل في النزاع، بما يحفظ انتظام المؤسسات واحترام الاختصاصات.
المحور الثاني: سلسلة الشرعية من الناخب إلى ممارسة السلطة
تبدأ شرعية رئيس الحكومة الجهوية قبل انتخابه، من القواعد التي تحدد الهيئة الناخبة وطريقة تحويل الأصوات إلى مقاعد. فالبرلمان يستمد مشروعيته من تمثيله للسكان وفق قواعد معلومة، ثم يختار رئيس الحكومة وفق الإجراءات التي يقررها النظام الأساسي. وبعد التنصيب تبدأ مرحلة ممارسة الاختصاصات، حيث تظهر قيمة وضوح المسؤوليات والرقابة وآليات فض النزاعات. ويمكن النظر إلى هذه المراحل بكونها سلسلة مترابطة، فأي غموض في تكوين البرلمان أو اختيار الرئيس أو تحديد اختصاصاته قد ينعكس على ثقة السكان في المؤسسات.
وتفيد هذه القراءة في التمييز بين شرعية الوصول إلى المنصب والقدرة على ممارسة مهامه. فقد تكون آلية الانتخاب واضحة، فيما تظل قواعد تشكيل الحكومة عند غياب أغلبية مستقرة غير محددة. وقد يكون الاختصاص الجهوي منصوصا عليه، فيما تتداخل حدوده مع اختصاصات الدولة. لذلك ينبغي أن يتضمن النظام النهائي أجوبة دقيقة عن حالات التعثر، وآجال تشكيل الحكومة، وإمكان إعادة الترشيح، وشروط سحب الثقة، وتدبير المرحلة الانتقالية عند انتهاء الولاية. وهذه مسائل يتعين التحقق من وجودها في النص المحين أو إحالتها إلى قوانين تنظيمية، بدلا من افتراض أن المبادرة الأصلية حسمتها جميعا.
ولا تكتمل سلسلة الشرعية إلا بوجود مساءلة قابلة للممارسة. فالمؤسسة المنتخبة تحتاج إلى صلاحيات فعلية في نطاق اختصاصها، وإلى آليات رقابة واضحة، كما تحتاج العلاقة بينها وبين المركز إلى قواعد تمنع تعطيل العمل العمومي عند اختلاف التقديرات. ويكون النظام أكثر وضوحا حين يعرف كل طرف ما يملكه من صلاحيات، وما يترتب على تجاوزه لها، والجهة التي تملك حسم النزاع.
المحور الثالث: الناخب الذي يصنع الجماعة السياسية
تقدم تجربة تحديد الهوية في المسار الأممي خلال التسعينيات خلفية مهمة لفهم حساسية مسألة الهيئة الناخبة. فقد تعثر ذلك المسار وسط خلافات حول شروط الأهلية للتصويت ومعايير تحديد الأشخاص المشمولين بها. غير أن استحضار هذه التجربة لا يبرر افتراض أن الخلاف القديم سينتقل بالضرورة إلى نظام الحكم الذاتي، إذ ينبغي فحص القواعد التي تقترحها المبادرة والنسخة المحينة، إن توفرت، لمعرفة كيفية تنظيم الانتخابات الجهوية.
ومن المفيد التمييز بين ثلاثة مستويات: الانتماء إلى الجماعة السياسية المعنية، والتسجيل في اللوائح الانتخابية وفق معايير وإجراءات قابلة للتحقق، ثم النظام الذي يحول الأصوات إلى تمثيل برلماني. وقد يتفق المتفاوضون على مبدأ الانتخابات ويختلفون حول واحد من هذه المستويات. لذلك تبرز أهمية تحديد الجهة التي تضع القواعد الانتخابية، والجهة التي تشرف على تطبيقها، والآليات المتاحة للطعن في التسجيل أو النتائج.
ويمكن تسمية هذا الجانب، وهو أداة تحليلية مقترحة، “السيادة على تعريف الناخب”: فالقواعد المنظمة للمشاركة تؤثر في تكوين الهيئة التي تمنح المؤسسات شرعيتها. ومن ثم فإن التفاوض على النظام الانتخابي يستحق عناية موازية للاهتمام بتوزيع الاختصاصات التنفيذية. ويقتضي ذلك ضمانات للشفافية والحياد، ومعايير معلنة للتسجيل، وآلية مستقلة للفصل في المنازعات الانتخابية.
المحور الرابع: الحكومة الجهوية وممثل الدولة وحدود الاختصاص
يقوم مشروع الحكم الذاتي على الجمع بين تدبير ديمقراطي للشؤون الجهوية واستمرار اختصاصات الدولة في المجالات السيادية. وهذا التمييز يحتاج إلى صياغة مؤسسية دقيقة، خصوصا حين تتجاور حكومة جهوية ذات شرعية انتخابية وممثل للدولة يتولى اختصاصات مركزية. فالسؤال العملي يتصل بتحديد المجالات التي يملك كل طرف القرار فيها، والإجراءات التي تسري عند تداخل الاختصاصات.
ومن المهم التحقق من الصيغ العربية والفرنسية والإنجليزية للمبادرة بشأن رئيس الحكومة ومندوب الحكومة، ومقارنة الأدوار المسندة إلى كل منهما. فتعدد المؤسسات لا يؤدي بالضرورة إلى ازدواج في الوظائف، غير أن غموض الحدود قد يفضي إلى تنازع يعرقل القرارات أو يضعف مساءلة المسؤولين. ولهذا يحتاج النظام النهائي إلى قواعد تبين من يقرر في كل مجال، ومن يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية، وكيف يحسم الخلاف حين تتعارض قراءة الحكومة الجهوية مع قراءة ممثل الدولة.
وتبرز هنا قيمة آليات فض النزاعات، سواء من خلال القضاء المختص أو آليات مؤسسية أخرى يحددها النظام. فوضوح الاختصاصات يحمي ممارسة الحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية، كما يصون اختصاصات الدولة من الالتباس، ويمنح السكان والمنتخبين تصورا مستقرا عن حدود القرار الجهوي.
المحور الخامس: اختبار اليوم التالي
تظهر متانة أي نظام مؤسسي عند الأزمات بقدر ما تظهر في الظروف العادية. ومن المفيد لذلك اختبار مشروع الحكم الذاتي عبر حالات افتراضية محددة: برلمان عاجز عن تكوين أغلبية، أو تعذر تنصيب المرشح الذي انتخبه، أو سحب الثقة من الحكومة، أو انتهاء الولاية قبل الاتفاق على خَلَف، أو الطعن في نتيجة الانتخابات. ولا يعني طرح هذه الحالات أن المبادرة أغفلتها، فهي أسئلة ينبغي فحصها في النص الكامل وفي أي صياغة نهائية.
في حالة تعذر تشكيل الحكومة، تبرز الحاجة إلى آجال واضحة وخطوات متدرجة تمنح البرلمان فرصة للتوافق، مع تحديد البدائل عند استمرار الانسداد. وفي حالة الخلاف حول التنصيب، يلزم توضيح ما إذا كان بالإمكان إعادة الانتخاب أو اقتراح مرشح آخر، وما حدود أي صلاحية للاعتراض. أما سحب الثقة وإنهاء الولاية، فيتطلبان تحديد الأغلبية اللازمة والآثار المترتبة على القرار وكيفية استمرار المرافق العامة خلال الانتقال.
وتحتاج الانتخابات بدورها إلى قواعد معلنة بشأن الإشراف والطعون والجهة التي تصدر قرارات نهائية. ويمكن جمع هذه الحالات تحت مفهوم “اختبار اليوم التالي”: أي اختبار قدرة النظام على معالجة الخلاف من داخل قواعده، دون أن يتحول كل تعثر إلى أزمة في توزيع السلطة. وتساعد هذه المقاربة على تحويل المبادئ السياسية العامة إلى أسئلة قابلة للإجابة عند صياغة النظام الأساسي والقوانين المنظمة له.
المحور السادس: القرار 2797 وحدود ما حسم في التفاوض
اعتمد مجلس الأمن القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025. ويشير النص إلى الدعم الذي عبرت عنه دول أعضاء لخطة الحكم الذاتي المغربية المقدمة سنة 2007، ويقرر أن حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل أحد الحلول الأكثر قابلية للتطبيق، كما يدعو إلى مواصلة المفاوضات بمشاركة الأطراف المعنية وبحسن نية.
وتقتضي القراءة الدقيقة التمييز بين تعزيز موقع المبادرة في المسار التفاوضي وبين اعتبار كل تفاصيلها الدستورية محسومة دوليا. فالقرار يحدد إطارا سياسيا للمفاوضات، فيما تبقى صياغة عدد من الترتيبات المؤسسية رهنا بما ستفضي إليه المفاوضات والنصوص المعتمدة. ومن هنا تبرز أهمية عدم تحميل القرار ما يتجاوز عباراته، وعدم الاكتفاء كذلك بتصريحات الأطراف عند تفسيره، إذ ينبغي الرجوع إلى منطوقه ومحضر الجلسة والوثائق الرسمية ذات الصلة.
وفي هذا السياق، يمكن أن تكون قضايا انتخاب رئيس الحكومة وتنصيبه، وتحديد الاختصاصات، وآليات المساءلة، وتسوية حالات التعثر، من المسائل التي تستحق عناية تفاوضية خاصة. لكن القول إنها ستكون بالضرورة موضع خلاف أو تعديل يحتاج إلى دليل من الوثائق أو مواقف الأطراف. والأدق أن تُعرض باعتبارها مسائل مؤسسية ينبغي حسمها لضمان وضوح النظام وقابليته للتطبيق.
المحور السابع: من توزيع السلطة إلى ضمانات استقرارها
إن بناء حكم ذاتي تحت السيادة المغربية يطرح مهمة مزدوجة: تنظيم تدبير جهوي ديمقراطي يتمتع باختصاصات واضحة، وتحديد علاقته بالمؤسسات المركزية التي تحتفظ بالمجالات السيادية. وتستدعي هذه المهمة مقارنة دقيقة بين آليات اختيار رئيس الحكومة الجهوية وآليات تشكيل الحكومة في المركز، مع مراعاة اختلاف السياق الدستوري لكل منهما. ويمكن الاستئناس بالفصل 47 من دستور 2011 وبالتجربة السياسية لسنة 2017، شريطة ألا تتحول المقارنة إلى مساواة آلية بين مؤسستين مختلفتين في أساسهما القانوني.
ويبرز معيار مهم في هذا السياق هو قدرة القواعد على استيعاب تغير الأغلبية السياسية. فاستقرار المؤسسات يتطلب أن تكون شروط الوصول إلى السلطة وممارستها ومساءلتها وإنهاء الولاية واضحة وقابلة للتطبيق على مختلف الفاعلين. ويمكن تسمية ذلك “اختبار قابلية تداول السلطة”، أي فحص ما إذا كانت القواعد نفسها تظل نافذة عندما تتغير الأغلبية وتتباين تقديرات المؤسسات. وهذا الاختبار لا يفترض نتيجة سياسية محددة، إنه يقيس وضوح الإجراءات ومدى قدرتها على احتواء الاختلاف.
كما أن المشاركة السياسية والثقة في المؤسسات تستحقان النظر ضمن السياق الوطني الأوسع، مع اعتماد بيانات رسمية محددة التاريخ والمجتمع الذي تقيسه. فالأرقام المتعلقة بالمشاركة لا تفسر وحدها مواقف المواطنين، لكنها قد تساعد على طرح أسئلة عن التمثيل والارتباط بالمؤسسات. وفي جميع الأحوال، ينبغي أن يتجه التحليل إلى ضمانات عملية قابلة للفحص، بدلا من بناء أحكام عامة على مؤشر واحد.
المحور الثامن: ثروة الصحراء ومالية المملكة
يبلغ النقاش حول الحكم الذاتي عمقه الحقيقي عندما نغادر هندسة المؤسسات إلى هندسة الثروة. فقد يسهل تحديد اختصاصات حكومة جهوية في التعليم والصحة والتخطيط المحلي، لكن الامتحان الأكثر حساسية يظهر عندما يتعلق الأمر بالموارد الطبيعية التي تقع داخل المجال الترابي للجهة، وتستغل في إطار اقتصاد وطني تتقاطع فيه مصالح الأقاليم ومطالب السكان والتزامات الدولة. وهنا يبرز سؤال الطاقة والمعادن: إذا كان للدولة وزير يشرف على السياسة الوطنية في هذه القطاعات، وكانت لحكومة الحكم الذاتي حقيبة جهوية مماثلة، فمن يقرر؟ ومن يمنح التراخيص؟ ومن يراقب الاستغلال؟ وإلى أي ميزانية تذهب العائدات؟
تتيح الفقرة الثالثة عشرة من المبادرة المغربية لسنة 2007 مدخلا واضحا إلى هذا الإشكال، إذ تقترح أن تتكون موارد جهة الحكم الذاتي من الضرائب والرسوم المحلية، والعائدات المتأتية من استغلال الموارد الطبيعية المرصودة للجهة، وجزء من العائدات التي تحصل عليها الدولة من الموارد الموجودة داخلها، فضلا عن الموارد الضرورية المخصصة في إطار التضامن الوطني. وتكشف هذه الصيغة أن التصور الأصلي لا يقوم على احتكار الجهة لجميع عائدات ثرواتها، ولا على حرمانها منها لمجرد أن الدولة تحتفظ بالسيادة على المجال الوطني. إنه يفتح المجال أمام توزيع متعدد المستويات للعائدات، لكن من دون تحديد النسب أو معايير التوزيع أو آليات المراجعة والمحاسبة.
وهنا تتولد أسئلة لا يمكن تركها للتأويل العام. هل ستكون للحكومة الجهوية صلاحية وضع سياسة استغلال الموارد الطبيعية، أم ستقتصر مهمتها على تدبير بعض الجوانب المحلية؟ هل سيظل القرار الاستراتيجي في يد الوزارة الوطنية، مع إشراك المؤسسات الجهوية في تحديد الأولويات؟ أم ستوزع الاختصاصات بين الطرفين بحسب نوع المورد وطبيعة المشروع وآثاره؟ وإذا نشأ خلاف بين الحكومة المركزية والحكومة الجهوية بشأن ترخيص استغلال معدن ما أو توزيع عائداته، فمن يملك صلاحية الفصل فيه؟ إن وجود وزيرين مختصين في القطاع نفسه لا يقتضي بالضرورة تنازعا، شريطة أن يحدد النظام النهائي مجالات اختصاص كل منهما، وأن ينشئ آلية ملزمة للتنسيق وتسوية الخلافات.
ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة توزيع العائدات. فالمورد الطبيعي الموجود داخل جهة معينة يطرح سؤالين مختلفين: ما الحصة التي ينبغي أن تعود إلى سكان الجهة التي تتحمل الآثار البيئية والاجتماعية للاستغلال؟ وما الحصة التي ينبغي أن تظل ضمن المالية العامة للدولة لتمويل التزاماتها الوطنية، بما فيها الخدمات العمومية والبنيات الأساسية في بقية الأقاليم؟ إن الجمع بين هذين الحقين يقتضي معادلة مالية معلنة، تضمن للجهة موارد كافية للتنمية، وتتيح للدولة في الوقت نفسه أداء وظائفها العامة، وتحول دون نشوء تفاوتات مجالية جديدة.
ولا يجوز أن يغيب عن هذا النقاش ما راكمته الأقاليم الجنوبية من استثمارات في البنيات الأساسية والمرافق والخدمات على امتداد عقود. فمن حق المواطنين أن يسألوا عن كيفية احتساب هذه الاستثمارات في أي تصور مستقبلي لتوزيع العائدات: هل ستظل المنشآت التي أقامتها الدولة جزءا من الثروة العمومية المشتركة؟ وكيف ستستمر صيانتها وتمويلها؟ وما الالتزامات المالية التي ستظل على عاتق الميزانية الوطنية بعد إحداث نظام للحكم الذاتي؟ لا يستقيم أن تتحول الاستثمارات السابقة إلى حجة لإعفاء الدولة من واجباتها المستقبلية، كما لا يستقيم تجاهل الكلفة العمومية المتراكمة عند وضع نظام مالي جديد. المطلوب هو جرد شفاف للاستثمارات والأصول والالتزامات، يتيح تقدير الحاجات المستقبلية على أساس الأرقام، بعيدا عن الحسابات الانفعالية.
ويزداد هذا السؤال حساسية حين يستحضر مواطنون مساهماتهم في تمويل المجهود الوطني لتنمية الأقاليم الجنوبية، سواء عبر الضرائب أو عبر اقتطاعات مخصوصة يقول بعضهم إنها ارتبطت بتمويل تلك الجهود. ومن الإنصاف التمييز هنا بين ما تثبته الوثائق المالية وما بقي في الذاكرة الاجتماعية أو يحتاج إلى تحقق تاريخي. فتحديد الاقتطاعات التي فرضت فعلا، والفئات التي تحملتها، ومدتها، والجهات التي استفادت من مواردها، يقتضي الرجوع إلى النصوص والميزانيات والوثائق المحاسبية. لكن المبدأ الذي يستحق النقاش واضح: من ساهم في تمويل مشروع وطني له الحق في معرفة كيفية تدبير المال العام، ومن حقه أيضا أن يطمئن إلى أن أي ترتيب مالي جديد لن يمحو مبدأ التضامن الذي قامت عليه الدولة في تمويل التنمية.
ومن ثم، فإن السؤال لا ينبغي أن يصاغ على هيئة مفاضلة بين سكان الصحراء وسكان بقية المغرب، وكأن تحسين ظروف فئة يقتضي الانتقاص من حقوق فئة أخرى. فالمطلوب هو نظام يضمن لسكان الجهة نصيبا عادلا ومعلوما من الموارد الموجودة في مجالهم، ويضمن لبقية المواطنين استمرار مساهمة الثروة الوطنية في تمويل الخدمات والمرافق المشتركة، مع توزيع الأعباء وفق قواعد شفافة. ويتيح الدستور المغربي نفسه إطارا مرجعيا لهذا النقاش، إذ يربط التنظيم الترابي بالتعاون والتضامن، وينص على الموارد المالية الذاتية والموارد التي ترصدها الدولة للجماعات الترابية، وعلى مبدأ تحويل الموارد المناسبة عند نقل الاختصاصات، كما ينص على صندوق للتضامن بين الجهات يستهدف تقليص الفوارق المجالية. غير أن تنزيل هذه المبادئ على نظام الحكم الذاتي المقترح يحتاج إلى مقتضيات خاصة وواضحة، ولا يمكن افتراض أن الآليات الدستورية العامة تحسم وحدها كل تفاصيله.
لهذا ينبغي أن يتضمن النظام النهائي، في تقديري، قواعد صريحة لتدبير الثروات الطبيعية: تحديد الاختصاصات المركزية والجهوية، ونشر البيانات المتعلقة بالإنتاج والعائدات، وتعيين الحصة الجهوية ومعايير احتسابها، وتوضيح مساهمة الجهة في النفقات الوطنية أو المشتركة عند الاقتضاء، وإقرار آليات مستقلة للتدقيق والمراقبة، ووضع مسطرة للفصل في الخلافات بين الحكومتين. وينبغي كذلك أن يظل توزيع العائدات قابلا للمراجعة وفق معايير معلنة تراعي تغير الإنتاج والأسعار والحاجات التنموية، مع ضمان عدم استعمال الموارد الطبيعية أداة للضغط السياسي أو المالي على المؤسسة المركزية أو الجهوية على حد سواء.
إن الحكم الذاتي لن يختبر فقط في كيفية اختيار رئيس الحكومة الجهوية أو حدود سلطاته، وإنما أيضا في قدرته على بناء علاقة مالية عادلة بين المركز والجهة. فالثروة التي تقع في مجال ترابي معين تقتضي إنصاف سكانه، والسيادة الوطنية تقتضي تدبيرا مسؤولا للموارد، والمواطنة المشتركة تقتضي ألا يتحول المجال الترابي إلى حاجز يمنع التضامن بين المواطنين. والمعادلة الدقيقة هي التي تحفظ هذه المبادئ جميعا، وتمنع أن تتحول الثروة إلى امتياز مغلق، كما تمنع أن يصبح التضامن شعارا غامضا لا يعرف المواطن كيف يُموَّل ولا أين تُصرف موارده.
ومن هنا، فإن السؤال الأجدر بأن يوجه إلى المفاوضين: ما القواعد التي تضمن لسكان الجهة حقهم في ثرواتهم، وتحفظ للمملكة قدرتها على تمويل التزاماتها المشتركة، وتتيح لكل مواطن أن يعرف نصيبه من الواجبات والحقوق؟ إن الإجابة عن هذا السؤال بالأرقام والقانون وآليات المحاسبة ستكون أبلغ من أي تطمين سياسي عام.
خاتمة
قد يبدو الفرق بين “ينصبه” و”يعينه” مسألة لغوية ضيقة، لكنه يفتح بابا إلى أسئلة جوهرية بشأن توزيع السلطة في مشروع الحكم الذاتي. فالمعيار الحاسم يتصل بما تقرره النصوص من اختصاصات، وبمدى وضوح العلاقة بين الانتخاب والتنصيب، وبوجود قواعد تحكم حالات التعذر والمساءلة وإنهاء الولاية.
ومن هنا تتحدد أهمية قراءة المبادرة في مجملها، وربطها بالقرار 2797 وبمسار التفاوض، مع الفصل بين ما تقرره الوثائق وما يستنتجه التحليل. إن وضوح قواعد الهيئة الناخبة والتمثيل، ودقة توزيع الاختصاصات بين المؤسسات الجهوية والدولة، ووجود آليات فعالة لفض النزاعات، عناصر تساعد على بناء نظام مؤسسي قابل للاستمرار ضمن السيادة المغربية والوحدة الوطنية.
قد يبدأ النقاش بفعل واحد، غير أن الرهان الأعمق يتعلق بالقواعد التي تحدد كيف تنشأ السلطة، وكيف تمارس اختصاصاتها، وكيف تخضع للمساءلة، وكيف تنتقل المسؤولية عند انتهاء الولاية. ومن خلال الإجابة الدقيقة عن هذه الأسئلة يمكن الانتقال من المبادئ العامة للحكم الذاتي إلى هندسة مؤسسية واضحة، تستجيب لمتطلبات التفاوض وتمنح السكان والمؤسسات تصورا محددا عن الحقوق والواجبات وحدود القرار.
المراجع
1- مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القرار S/RES/2797 (2025)، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، والوثيقة الرسمية ومحضر الجلسة .S/PV.10030 النص متاح في مكتبة الأمم المتحدة الرقمية: https://digitallibrary.un.org/record/4093660
2- الأمم المتحدة، الوثيقة S/2007/206، رسالة المندوب الدائم للمغرب المؤرخة في 11 أبريل 2007 ومرفقها “مبادرة المغرب للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء”. تتوفر نسخ رسمية متعددة اللغات في مكتبة الأمم المتحدة الرقمية: https://digitallibrary.un.org/record/597424
3- دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصل 47.
4- الأمم المتحدة، الوثائق المتعلقة باتفاقات هيوستن ومسار تحديد الهوية، ومنها S/1997/742 والتقارير اللاحقة ذات الصلة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.