هل يمكننا الحكم على التلميذ الّذي لا يراجع دروسه بالكسل أو نصفه بالكسول؟
خلال مشواري المهني كثيرا ما أصادف حالات تجعلني أتوقّف طويلا أمام سؤال تربويّ: كيف يمكن لتلميذ يملك من القدرات والإمكانات ما يجعله يحقّق أفضل النتائج، أن يبقى بعيدا كلّ البعد عن المستوى الّذي يستطيع بلوغه؟
أثناء الممارسة الصّفّية نلتقي بمتعلم يفهم ما يقدّم له، ويمتلك مؤهّلات وقدرات تسمح له بالتقدّم، لكن ما أن يتعلّق الأمر ببذل الجهد، أو مراجعة الدّروس أو إنجاز واجب داخل القسم أو خارجه حتّى يبدو وكأنّه عاجز تماما..
قد يبدو هذا المتعلّم وجد راحته في عدم بذل الجهد، فهو لا يراجع بانتظام، لا يبادر إلى تحسين مستواه، غير مبال بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، إلى درجة أنّه اعتاد أن تمرّ الأيّام دون أن يشعر بضرورة تغيير سلوكه، لكن رغم كلّ هذا هل يكفي أن نصفه بالكسول؟ وننهي النّقاش.
إنّ وصف المتعلّم بالكسل قد يمنحنا تفسيرا سريعا، لكنّه لا يقدّم بالضرورة حلاّ، فهناك متعلّم لا يستطيع إنجاز مهمّة معيّنة، وآخر لا يعرف كيف يبدأها، وتلميذ يستطيع إنجازها لكنّه لا يرى سببا يدفعه إلى ذلك وآخر اعتاد الاعتماد على غيره بدل تحمّل المسؤولية. من الناحية الظاهريّة قد تتشابه هذه الحالات في نتائجها، لكنّها تختلف في أسبابها وفي نوع المساعدة الّتي يحتاج إليها، رغم هذا فإنّ البحث عن الأسباب لا يعني إعفاء المتعلّم من المسؤولية، أو تبرير غياب الاجتهاد، فالمتعلّم يحتاج إلى تعلّم الانضباط والمثابرة وتحمل نتائجه.
في الحالة الّتي بين أيدينا لم يكن الأمر متعلقا بالتلميذ وحده، فقد ظهر الإحباط أيضا لدى الأب، الّذي يبدو أنّه أصبح متعبا من غياب المبادرة والجهد لدى ابنه وهنا نواجه جانبا آخر من المشكلة: ماذا يحدث عندما يشعر الأب بأنّه يطالب باستمرار، وينتظر التّغيير، لكنّه لا يرى استجابة واضحة؟
قد تتحوّل المتابعة اليوميّة إلى تذكير متكرّر فقط، ثمّ إلى لوم ومقارنة وقلق بشأن المستقبل، ومع مرور الوقت قد يشعر الأب بأنّ جهوده لا تؤتي ثمارها، بينما قد يعتاد الابن هذا التوتر ويصبح شيئا عاديا دون أن يتعلّم كيف ينتقل من الاعتماد على الآخرين إلى تحمّل مسؤولية تعلّمه.
القلق على مستقبل الابن مفهوم، لكنّ القلق وحده لا يصنع التّغيير، كما أنّ المطالبة بالاجتهاد لا يعلّم التلميذ كيف يجتهد؟
إذا كنّا نعتقد أنّ هذا المتعلّم قادر على تحقيق نتائج أفضل، فإنّ الخطوة الأولى ليست مطالبته بمضاعفة جهده، بل مساعدته على تحويل هذه القدرة إلى سلوك يوميّ ويمكننا البدء معه بخطوات بسيطة:
أوّلا: الاتفاق على التزام واضح بدل الاكتفاء بعبارة ” اجتهد أكثر” أو “ضاعف مجهوداتك” بل نتفق معه على مهمّة محدّدة مع تحديد وقت مناسب لإنجازها.
ثانيا: نقل المسؤولية تدريجيا إليه، حيث يمكن للأسرة أو المدرس تقديم المساعدة له في البداية شرط ألاّ يتحوّل ذلك إلى عادة فالهدف من هذا هو أن يتعلّم التخطيط لعمله، والبدء فيه ومراجعته ثمّ تقييم ما أنجزه.
ثالثا: متابعة الأفعال لا الوعود فقط لأنّ التغيير الحقيقيّ يظهر في انتظامه، ومحاولاته وقدرته على الاستمرار حتى عندما لا تكون المهمّة ممتعة. وفي نفس الوقت ينبغي استكشاف ما إذا كانت هناك عوائق أخرى تحول دون العمل، مثل صعوبات التعلّم أو ضعف التّركيز أو تشتت الانتباه أو عدم امتلاك مهارات المراجعة، فقبل أن نطالب التّلميذ بالاستمرار في طريق لا يعرف كيف يسلكه، علينا أن نتأكّد من امتلاكه للأدوات اللازمة.
تذكّرنا هذه الحالة بأنّ امتلاك القدرات لا يضمن وحده تحقيق النّتائج، فالنّجاح الدّراسيّ يحتاج أيضا إلى عادات ومهارات، وقدرة على تنظيم الوقت، واستعداد لبذل الجهد، ومواصلة العمل رغم الملل أو الصّعوبة. ومن هنا يمكن أن يشكّل الكوتشينغ المدرسي مدخلا مساعدا لمرافقة المتعلّم في تحديد هدف واقعي، واكتشاف ما يعوق تقدّمه وبناء خطّة عمل، ومتابعة التزامه بها. وليس المقصود أن نتحدّث معه عن النّجاح فحسب، بل أن نساعده على ممارسة السلوكيات الّتي تقرّبه منه، ومع ذلك ينبغي ألاّ نعتبر الكوتشينغ حلاّ سحريا أو بديلا عن التّدريس الجيّد والدّعم التّربويّ المتخصّص عند الحاجة، إنّه أحد المداخل الممكنة لمساعدة المتعلّم على الانتقال من الانتظار والاعتماد إلى المبادرة والاستقلالية.
كخاتمة هل يكفي أن نخبر الطّفل على أنّه قادر على تحقيق الأفضل؟
ربّما يكون أصعب ما في هذه الحالة أن نرى لدى الطّفل إمكانات واعدة، ثمّ ننتظر منه أن يستثمرها دون أن يحدث ذلك، لكنّ الاعتراف بقدرات المتعلّم لا ينبغي أن يتحوّل إلى انتظار سلبي، كما أنّ مطالبته بالاجتهاد لا ينبغي أن تتحوّل إلى ضغط دائم، نحن بحاجة إلى مساعدته على فهم مسؤوليته، وتعلّم عادات العمل، والالتزام بخطوات صغيرة تتراكم مع الزّمن. إن التلميذ لا يحتاج إلى من يقنعه باستمرار بأنّه قادر على النّجاح فحسب، بل يحتاج إلى أن يتعلّم كيف يحوّل قدرته إلى عمل وعمله إلى تقدّم.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.