شهد لقاء عُقد بمقر مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، اليوم الأربعاء، تقديم المجلد العشرين من “الحوارات الاستراتيجية” الذي أعدته هذه المؤسسة بالتعاون مع مركز “HEC” الفرنسية للجيوبوليتيك، بمساهمة 14 باحثا وباحثة، مغاربة وأجانب، سلطوا الضوء على مجموعة من القضايا التي تستأثر بالاهتمام وترسم ملامح التحولات العالمية والإقليمية، على غرار مسألة “السيادة الحيوية أو الحرجة” وتأمين البنيات التحتية الحيوية والموارد الإستراتيجية، إضافة إلى ديناميات التعاون والاستقطاب في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وأكد المجلد في فصله الأول أن “الكابلات البحرية ارتقت إلى مصاف البنيات التحتية الاستراتيجية؛ فباعتبارها العمود الفقري المادي للتبادلات الرقمية العالمية، أصبحت تقع في صميم سيادة باتت مرهونة بالتحكم في الشبكات، وكذلك بالسيطرة على الموارد الحيوية اللازمة لتصنيعها”، مسجلا أن “تصاعد نفوذ عمالقة التكنولوجيا والحوسبة السحابية في تمويل هذه البنيات التحتية وتشغيلها، يعيد تشكيل طبيعة العلاقات بين الدول والجهات الفاعلة الخاصة”.

وأبرز هذا الفصل أيضا أن “إفريقيا تشهد توسعا سريعا في اتصالها الرقمي، غير أنها تظل في مواجهة التبعية للفاعلين الأجانب وعدم كفاية شبكاتها الأرضية. وفي هذا المشهد، من شأن مشاريع مثل “ميدوسا” و”كانالينك” أن تعزز مكانة المغرب كملتقى طرق ومحور رقمي يربط بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي”، داعيا إلى “تنويع المسارات، وتعزيز قدرات الصيانة والمراقبة، فضلا عن ملاءمة الأطر القانونية وتوحيدها؛ لتبرز مرونة الكابلات البحرية بذلك كركيزة حتمية للسيادة الرقمية والأمن الجماعي”.
وسلط الفصل الثاني من هذا العمل الجماعي الضوء على الفضاء المتوسطي بوصفه فضاء للتمايزات، حيث “يجعل التقارب الجغرافي التعاون والمواجهة يتعايشان جنبا إلى جنب”، معتبرا أن “محور شمال-جنوب المتوسط يبرز أوجه عدم تكافؤ اقتصادي وديموغرافي تخلق بدورها تكاملا، لا سيما في مجالي الهجرة والطاقة. أما محور شرق-غرب، فيميز بين حوض متوسط غربي يتجه نحو المحيط الأطلسي والساحل، وحوض متوسط شرقي يرتبط بالشرق الأوسط والبحر الأسود والبحر الأحمر. وتُضاف إلى هذه الفروق تصورات متباينة للأمن والسيادة”.

وشدد المجلد على أن “التعاون المستدام في المنطقة يعتمد على قدرة الفاعلين على الإقرار بهذه التباينات وتنظيم علاقات الاعتماد المتبادل فيما بينهم”، داعيا إلى إضفاء بُعد سياسي واستراتيجي أقوى على التعاون المتوسطي وتعزيز مساهمة الاتحاد من أجل المتوسط في الإنذار المبكر والوساطة في مواجهة الأزمات الإقليمية عوض التركيز على المشاريع التقنية فقط.
وخلال مداخلة له، قال عبد الحق باسو، باحث بارز بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، إن “اختيار موضوع السيادة الحيوية كموضوع لجزء مهم من هذا المجلد يأتي في سياق ما شهده العالم من أحداث في الفترة الماضي والتي كشفت عن هشاشة بعض البنيات التحتية أثناء الحروب، حيث بدأ استهداف المطارات، والموانئ، والطرق، والممرات الملاحية، أي كل البنيات التحتية الخاصة بالربط والاتصال حول العالم. واليوم، وصل الأمر إلى التهديد باستهداف كابلات الإنترنت البحرية”.

وأضاف باسو أن “استهداف مثل هذه الهياكل لا يقتصر تأثيره على المناطق الواقعة في دائرة الحرب فحسب، بل يشل حركة العالم بأسره؛ فالسيادة الوطنية لجميع الدول باتت مستهدفة وممسوسة. فعندما تعجز في بلدك عن الوصول إلى المواد الخام اللازمة لصناعتك، وحين يتعذر عليك التواصل مع الآخرين، وتفقد القدرة على الوصول إلى البيانات والمعلومات، فأي سيادة تتبقى لديك حينها؟ هذا، إذن، ما يخص المحور الأول من المجلد الذي يتمحور حول هذه التهديدات المستجدة التي باتت تطال البنيات التحتية الحيوية.. وبالتالي تمس السيادة الحيوية للدول”.
وزاد الباحث ذاته: “أما المحور الثاني فيهم منطقة المتوسط التي كانت في فترة من الفترات بؤرة النزاعات ومركز الجيوسياسة والعلاقات الدولية في العالم؛ لكن في لحظة معينة، لا سيما بعد عام 2011 حين أعلن باراك أوباما عن استراتيجية “إعادة التوازن” نحو جنوب شرق آسيا، تولّد انطباع بأن المتوسط أصبح متجاوزا؛ غير أن مجريات الأحداث أثبتت العكس تماما: فالمتوسط ليس بحرا صغيرا في طريقه للجفاف ليتحول إلى مجرد بحيرة، بل هو موقع استراتيجي ومحور دولي بالغ الأهمية”.
وشدد باسو على أن “البحر الأبيض المتوسط يحافظ أيضا على كامل وزنه الاستراتيجي كخط فاصل وحدود تمايز: خط فاصل بين الحضارة اليونانية- المسيحية في الشمال، والحضارة الأمازيغية- الإفريقية في الجنوب؛ وهو كذلك خط فاصل بين الشرق وبين العالم الجديد في الغرب. ولكونه منطقة تماس وتمايز، فهو بالضرورة ساحة للتعاون وفي الوقت ذاته بؤرة للنزاع والصراع؛ وهذا ما برّر وفسّر اختيارنا لهذا الموضوع”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.