لعل الحديث عن المشهد الأمريكي من أعقد السياقات التي يمكن للباحث في أي قضية أو مجال أن يواجهه؛ إذ بقدر ما يبدو متجانسا بسيطا وواضحا، بقدر ما يفاجئك حين تغوص في أعماقه بما يكشفه مستويات بالغة التعقيد، بل وتواجهك مستويات تشوش عليك الفهم العميق، مما يزيد من تعقيد الوضع، ويتعذر إصدار أحكام أو استنتاجات شاملة وقريبة من الواقع.
من هنا نتساءل: هل الواقع الأمريكي هو ما تقدمه الميديا؟ أم ما يقدمه الخطاب الأكاديمي؟ أم هو الأرقام واستطلاعات الرأي التي تصدر عن مراكز الأبحاث؟ أم إن مجموع هذه المكونات تشكل مستويات تتشرب وتتغذى من الخطاب نفسه لتساهم، في النهاية، في إعادة صناعة الواقع ودعم وتغذية مرتكزاته التي يبقى متحكما فيها من قبل “صناع” الواقع؟
لم تعد الأقلية أو الأغلبية مسألة رياضية تخضع لمنطق العدد والكم، وإنما تخضع لمعيار الفئة المهيمنة! إذ حتى في الحالات التي يكون فيها -السيد الأبيض- يشكل أقلية، فإنه يظل يشكل “أغلبية”؛ لأن المعيار المتحكم في المعادلة يخضع لمنطق الهيمنة- الخطاب السلطوي الذي أنتجه الأبيض ويتحكم في آلياته، ومن ثم في طرق اشتغاله وتوظيفه. إننا اليوم أمام أقلية وأغلبية من حيث العدد “الديمقراطي”، لكنها أقلية-أغلبية (بيضاء) هي التي تهيمن سياسيا وسلطويا وتحكما في السياق الثقافي والتاريخي.
التعددية الثقافية وتكريس الهيمنة الثقافية الأحادية
إن الخطاب الرسمي الأمريكي لا يتوقف عن ترديد “التعدد الثقافي”، بل يعتبر هذا التعدد رمزا للنجاح ومصدرا من مصادر قوة الحياة الأمريكية. غير أن الأمر لا يعبر عن واقع الحال؛ لأن هذا التعدد يُراد منه تكريس الهيمنة الثقافية الأحادية؛ ذلك أننا لسنا أمام تعدد ثقافي بقدر ما نحن أمام أحادية الثقافة المهيمنة، والمقصود بها الثقافة الأنجلو أوروبية، التي لا تترك مجالا لباقي الثقافات الأخرى بأن تشارك في صناعة المشهد العام، بل تتعامل معها بحذر يضمن لها الهيمنة والاستمرار من خلال الإيهام بالتفاعل والتواصل والاستفادة.
ولعل استخدام مفاهيم من قبيل “الثقافات الأخرى” و”الإثنيات” تدل على أن هناك “آخر” مختلفا عما هو سائد؛ لذلك ابتدعت “التعددية الثقافية” لتحديد كل ما هو خارج الثقافة المهيمنة؛ إذ لا توصف الثقافة المهيمنة بكونها ثقافة ضمن مجموع الثقافات والتعدد، وإنما تستعمل كل التقنيات من أجل أن يجعل منها مركزا نموذجا وإنسانيا كونيا، أما باقي الثقافات فهي تابعة ومؤثثة للمشهد فقط.
إن الثقافة المهيمنة جهاز يشتغل وفق مسار، ومن ثم فهو يعمل على “محو” و”إخضاع” كل ما هو “آخر” ويجعله يحيا داخل إطار “محكم التسييج” ليصبح بمثابة “محمية” وقطعة باردة غير فعالة، لا يراد منها سوى إبراز وتجلية وجوه الاختلاف، وكذلك دفع أصحاب هذه الثقافات “المتعددة” والمختلفة ليقتنعوا بأنهم على هامش النموذج الذي ينبغي أن يتبع، بل وجعلهم يقتنعون بهامشيتهم ودورهم الثانوي في تطعيم السائد والمهيمن، وأن دورهم ينحصر في النضال ومحاولات “اختراق” النموذج المسيطر. من هنا يكون الهامش أكثر اقتناعا بهامشيته وضديته للآخر، فيصبح من ثم مخترقا حتى في محاولاته الفاشلة في الاختراق.
ولعل هذا الزج بهذه الثقافات الهامشية يزداد عنفا وقوة، حين يصبح “الدين” أو “العرق” أو “اللون” مكونا حاسما في عملية “الاختلاف” التي يراد إنتاجها؛ إذ لا زلنا نسمع عبارات من قبيل “ول سوداء أمريكية راقصة للبالي في فرقة نيويورك”، أو التركيز على دراسة الآدب الآتي من هوامش هارليم، وما تحفل به من ثورة ثقافية وتبرم على السياق الثقافي الأبيض!
في هذا السياق المحكوم بالإقصاء والتهميش، تحيا الأقليات على هامش الحياة الرسمية المهيمنة، وتحيا على أنقاض الهدم والمحو. إنها تحيا في جو من الصراع الصامت والعنف الناعم الذي يولد العديد من مشاعر الرفض والإحساس بالدونية، داخل المجتمع الواحد، وداخل الأمة الواحدة، بل إنها تدرك أنها “تستعمل” لأغراض سياسية، وهذا ما يولد فيها إحساسا بالدونية يجعلها تبحث عن ملاجئ ثقافية تحميها، والتي تكون ثقافة البلد الأصلي وتحديدا الجانب الديني. فيكثر الحديث والنقاش، أكثر فأكثر، حول الأقليات وصراع الهويات، والعلاقات مع الجذور، وليس ذلك إلا من أجل تقوية وترسيخ النسق الثقافي المهيمن سياسيا واقتصاديا، ولا تدع مجالا، إلا في جانب جد ضيق وهامشي، مقصود في الغالب، لباقي الأقليات كي ترفع صوتها وتوسع من قاعدة حضورها.
أقليات داخل أقلية
وجبت الإشارة إلى أن الجالية العربية هي خليط من جاليات عربية عدة. والملاحظ، خاصة في المهجر الأمريكي، أن ما يفرق بينها أكثر مما يجمعها، رغم وحدة الدين واللغة والتاريخ الإسلامي الرسمي إلي حد ما! بل المثير أن العناصر التي كانت تشكل، أو التي يعتقد أنها تشكل مصادر وحدة وتقاطع بين هذه المكونات قد صارت مصادر ضعف وتشتيت وتصدع بينها؛ لهذا أصبح الوضع أقرب إلى جغرافيات معزول بعضها عن بعض تحيا في الهامش، وتنتعش وتنمو بفعل التصدع والتقوقع والهيمنة على بعضها البعض.
فكل جالية تحيا على الانغلاق والانكفاء؛ بحيث تلعب الحدود الجغرافية السياسية للأوطان الأم، والخطاب السياسي القطري، دورا في بلورة هذا الوعي، فيبقى الفرد أكثر ارتباطا ببلده وأكثر تشبثا بعاداته وتقاليده وفهم جماعته للقضايا الدينية، بل ويحمل همومه السياسية وصراعاته ليترجمها في واقعه المهجري مع باقي الأقليات التي تنتمي بدورها إلى أقلية، هي نفسها أقلية داخل المشهد الاجتماعي والثقافي والديني الأمريكي.
الإسلام داخل أمريكا
أن تكون مسلما في أمريكا، لا يعني أنك ستمارس شعائرك الدينية الإسلامية، فقط، وإنما يعني العيش وفق نمط مختلف ومضاد للنمط والأسلوب السائدين. وفي أحس الأحوال اللجوء إلى تلك التقنية الفاشلة تاريخيا، وهي التوفيق! ثمة خلط، وهو نتيجة آلة إعلامية نجحت في خلقه، هو أن العربي مسلم، وكل مسلم عربي، بل حتى من الناحية الجغرافية كل مسلم عربي هو من منطقة الشرق الأوسط، بل كل ملون، إن لم تكن ملامحه هسبانية، فهو مسلم شرق أوسطي.
واليومي الأمريكي مليء بالأحداث. ولعل تعنيف ذلك الإثيوبي، قبل أشهر، في إحدى ولايات الجنوب، ونعته بنعوت الإرهاب ومحاولة الاعتداء عليه، خير دليل، علما أن الرجل مسيحي. حين تملأ بعض الاستمارات الحكومية أو الإدارية، تواجه دائما سؤالا عن “لونك”! لا سؤال عن الجنس والعرق والمعتقد، لكن اللون يكفي لوحده لتحديد الجغرافية الثقافية.
لكن أخطر ما يواجه غير الأسود والأبيض والاثني والقوقازي هو خانة “آخر”، يصبح هذا “الآخر” مجرد “آخر”، كل “الآخرين”! هنا البعد المأساوي في الهامش الذي تحياه الأقليات وهي تواجه عزلتها القاسية في مواجهة السؤال الأبدي من “أنا”!؟
لا فرق بين عربي وعجمي الا بالتقوى ..الحمدلله على نعمة الاسلام..الذي وحد بيننا ..اما ما يوجد ويحكى في امريكا وغيرها مصالح واستعباد وبروباغاندا..ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم……….
العولمة الاقتصادية المتمثلة في بضعة اشخاص قطعت اشواطا في الهيمنة على الاقتصاد العالمي و "طحن" الثقافات و صهرها في ثقافة واحدة هي عادة "الاستهلاك الغبي". السياحة الثقافية بدات تفقد معناها لانك اينما سافرت ستشاهد نفس الشركات و المنتوجات و حتى العادات.
I really liked and do agred with your article ,spot on.
من انا هدا سوال الآخرين ولا جواب له ونفسي.تشتهي.نفسي.ولا.يتلاقيان.ولا.يردان.التحية.على.بعضهما.في.طريقهما.إلي.
خلاصة.الواقع.التقافي.للمهاجر.العربي.والمغربي.في.امريكا.كائن.مشوه
Really I like the article but it focuses on one strategy of ethnocultural. From my humble position I wanna say that the varieties of culture within the USA is one of its strongest.
القانون الأمريكي يحارب العنصرية والتفريق بين الأض
شخاص من خلال اللون العرق الجنس, لكن هذا لا يعني أن العنصرية غير موجودة, العنصرية مرض يصيب ذوي العقول المعوقة, تربينا على كره اليهود وإعتبار النصارى مغفلين والإستهزاء بالسود والسخرية من المعوقين , في أمريكا الكل يخضع للقانون, هناك عرب سود لاتينيون هنود في أعلى المتاصب, هناك بيض redneck يعتبرون محط سخرية,أمريكا بلد العمل والدولار,business is business.