الدراما والوصاية الدينية

الدراما والوصاية الدينية
الأربعاء 11 مارس 2026 - 16:20

عبرت السيدة سعاد بوسيف، رئيسة منظمة نساء حزب “العدالة والتنمية”، عن عدم رضاها ورضا التيار السياسي الذي تنتمي إليه عن مسلسل “بنات للاّ منانة”، الذي اعتبرته مساهماً في “التطبيع مع تفكك الأسرة المغربية”.

يعكس موقف التيار الديني المسيّس من الدراما التلفزيونية والسينمائية التي تتناول موضوع المرأة خوفاً كبيراً من تغيير الأدوار التقليدية، وقلقاً من إعادة توزيع السلطة داخل الأسرة، حيث يُنظر إلى المرأة القوية المعيلة لأسرتها كتهديد للنموذج الأبوي التقليدي الذي يربط السلطة الاقتصادية والاجتماعية بالرجل، مما يجعل استقلال المرأة اقتصادياً ورمزياً يعني حتماً تراجع الهيمنة الذكورية داخل البنية العائلية، وهو ما يثير مقاومة لدى التيارات المحافظة التي تروم الدفاع عن هوية ثقافية محافظة تتعرض لتهديد التحولات المجتمعية، فترى في صورة المرأة المعيلة الوحيدة لأسرتها امتداداً لقيم حداثية أو “غربية”، فيعارضها ظاهرياً باعتبارها مساساً بالهوية الأخلاقية للمجتمع، وباطنياً لكونها تنهي الوصاية البطريركية الأبوية على العلاقات الاجتماعية التي يقتات منها التيار الديني السياسي في صراعه من أجل الوصول إلى السلطة والتحكم في المجال العام.

على ضوء هذا التحليل المقتضب، أود الإدلاء ببعض الملاحظات تعقيباً على ما صرحت به السيدة بوسيف:

أولاً: نود تذكير السيدة بوسيف – ما دامت تتحدث عن “ثوابت الأمة” وعن المرجعية الدينية كمنطلق في التفكير والعمل – بأن رئاستها لتنظيم نسائي، وتناولها الكلمة من منبر عمومي وبصوت عالٍ، ووصولها إلى البرلمان سابقاً، وتحركها في كل جهات الوطن وفق برنامج أنشطة التنظيم الذي ترأسه، هي كلها أمور لا علاقة لها بالشريعة الإسلامية، ولا بالفقه الإسلامي، ولا “بثوابت الأمة” التي حدّد فيها إجماع فقهاء الأمة بأن مكان المرأة هو بيتها الذي لا تغادره إلا لـ”ضرورة قصوى” مثل عيادة مريض أو تقديم العزاء في وفاة قريب، كما اعتبروا بأن وجهها “عورة” وصوتها كذلك، وأنها لا يجوز لها تولي مناصب الدولة لأن الشرط الأول لتوليها هو “الذكورة”، لأن المرأة “ناقصة عقل” وشهادتها نصف شهادة الرجل لكونها “لا خبرة لها في الأموال”، وعليها الطاعة لزوجها في جميع الأحوال، والصبر على الضرب والتأديب إن “نشزت”، والزواج عليها بثلاث نساء أُخَر، مع حق الزوج في التمتع بـ”ملك اليمين” من الإماء كما يشاء بلا حدود. وأن السيدة بوسيف لم تصل إلى ما وصلت إليه مع رفيقاتها في الحزب الإخواني إلا بفضل الدولة المدنية الحديثة القائمة على القوانين الوضعية، وبعد مسلسل عسير من العلمنة امتد على مدى 100 سنة، وانتهى بوضع المرأة بجانب الرجل في كل القطاعات والمجالات، وأولها التعليم والتحصيل والتربية على العلوم والمعارف العصرية.

فإذا كانت السيدة بوسيف متشبثة بـ”ثوابت الأمة” وبالمرجعية الدينية والفقهية التراثية التي تجعلها تعاكس حقوق المرأة المغربية في مدونة الأسرة، فعليها الحرص على الالتزام بتلك الثوابت في حياتها اليومية حتى نثق فيها ونصدقها؛ لأن الاستفادة من ثمرات الحداثة والعلمنة ثم القدح فيهما بمناسبة أو بدونها هو تناقض غير مقبول.

ثانياً: أن الدراما التلفزيونية فنّ من الفنون، وليست مجالاً لتطبيق تعليمات أو أوامر أو فتاوى أي طرف من خارج المجال الفني، وإنما هي إبداع يُقاس بالمعايير الفنية الجمالية، وليس بمعايير دينية أو أخلاقوية أو سياسية. وأن العمل الفني من طبيعته يكشف الخبايا والمفارقات المتفاعلة في عمق المجتمع، وليس من اختصاصه “انتقاء الإيجابيات وعرضها” إرضاءً لحزب سياسي؛ فالمطلوب تعرية الواقع وليس السكوت عنه وتقنيعه. وإذا كان مسلسل “بنات للاّ منانة” يعكس تفككاً أسرياً، فلأنه يعكس التفكك الأسري الموجود في المجتمع، كما يقترح من خلال الحوار وتطور الأحداث والشخصيات حلولاً لذلك التفكك.

ثالثاً: أن الأسرة في المغرب في القرن الواحد والعشرين لا تخضع للتعريف الذي قدمته السيدة بوسيف، إذ لا يصح اعتبار المعيار الديني دليلاً على “الصلاح” و”الأهلية للزواج”، لأنه ثبت بأن لدينا الكثير من المتدينين جداً والذين لا أخلاق لهم ولا صلاح في سلوكهم وأفكارهم، كما يعاملون نساءهم بأسوأ أنواع المعاملة، ومن بينها العنف. ولهذا يجب على الدولة إقرار الزواج المدني بجانب الزواج الديني التقليدي؛ لأن الزواج المدني يسمح لجميع المغاربة بالزواج والدخول في مؤسسة الأسرة دون اشتراط عقد ديني، وذلك بالنظر إلى كون المغاربة مختلفين في العقائد والأديان، كما أن فيهم المؤمن وغير المؤمن.

رابعاً: أن مسلسل “بنات للاّ منانة” لا يختزل المرأة في نموذج “المعيلة الوحيدة كخيار شرعي وحيد”، ولا يدعو إلى ذلك، بل يبرز حقيقة الواقع المغربي الذي جعل النساء يخرجن للعمل دون اعتماد على الرجال الذين تخلوا عن مسؤولياتهم وأسرهم. وأرقام المندوبية السامية للتخطيط فصيحة بهذا الصدد، ونحن نعلم السبب الحقيقي الذي يجعل نساء التيار الإسلامي المتشدد يشعرن بالامتعاض من نسبة إنفاق المرأة وإعالتها للأسر؛ لأن الفقه الإسلامي التراثي قام على تقسيم للأدوار يجعل الرجل “يخرج لطلب الرزق” وينفق على زوجته وأطفاله، والمرأة تنتظره في البيت. بينما أدى خروج المرأة للعمل والإنتاج وإعالة أسرتها في عصرنا إلى وضع الفقه الإسلامي كله في ورطة حقيقية؛ لأنه يصطدم بواقع لا يمكنه تدبيره بالمنطق القديم. وقد ظهر هذا بوضوح خلال النقاش حول مدونة الأسرة، حيث عجزت العقلية التراثية عن إيجاد حلول في موضوع الإرث والتعصيب، واقتسام الأموال المكتسبة، وزواج المسلمة من غير المسلم؛ لأن النظرة التراثية القديمة قامت كلها على وصاية الرجل وإنفاقه، ولا مكان فيها لـ”خروج المرأة لطلب الرزق”، ولإعالتها لأسرتها وإنفاقها عليها، وإنفاقها حتى على الرجل نفسه من مردود عملها اليومي.

إن إعالة المرأة لأسرتها وظهورها بمظهر الشخصية القوية التي تعتمد على نفسها ليس “انحرافاً استثنائياً”، بل هو واقع عام نتج عن تحول جوهري في وضعية المرأة التي لم تعد تقبل أوضاع الفقر والبقاء تحت وصاية رجل عاجز عن إعالة أسرته، وغير مسؤول، ويمارس العنف اليومي من باب التفريغ السيكولوجي.

خامساً: إن قول السيدة بوسيف بأن “الرؤية الإسلامية للزواج تتجاوز الإطار القانوني الصرف” هو كلام لا يصحّ في ظل الدولة المدنية الحديثة، وإن كان صحيحاً تماماً في ظل حكم الطالبان أو ولاية الفقيه في إيران. فالدولة المغربية تسعى بالتدريج إلى جعل ترسانتها القانونية ترسانة مدنية مطابقة لالتزامات الدولة وتطلعاتها بتحقيق الخيار الديمقراطي الدستوري. والدليل على ذلك أنها منذ عقود وهي تقوم بتحويل نصوص قانونية مستلهمة من نصوص دينية إلى نصوص مدنية وضعية، ولا تقوم بالعكس أبداً؛ إذ لا شيء ولا أحد ينبغي أن يعلو على القانون، كما أن كل قانون لابد أن يتعرض للنقد وللمراجعة والتجويد أو التغيير أو حتى الإلغاء حسب تحولات الواقع الاجتماعي لبلادنا، وكل قانون ثابت بشكل مطلق مرشح لأن يتجاوزه الواقع ويؤدي إلى عاهات ثقافية في الوعي والسلوك الجمعي.

سادساً: إننا نعلم جيداً سبب احتقان الإسلاميين من مسلسل “بنات للا منانة”، وهو المسكوت عنه في خطاب السيدة بوسيف؛ حيث يعرض المسلسل حالة فتاة وقعت ضحية التنظيمات “الداعشية” الإرهابية في الشرق الأوسط، وعادت مرتدية السواد، وتكفر محيطها مع زوجها، وهو المشكل الذي يعالجه المسلسل بذكاء، وفي تحيز واضح للتدين المغربي الوسطي والسمح. وهذا أمر لا تقبله العقلية الإخوانية والسلفية التي تمثل أنماط تدين غريبة عن المغرب وهويته وتاريخه.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • Lamya
    الأربعاء 11 مارس 2026 - 16:55

    أتفق معك أستاذ عصيد, ما دخل حزب العدالة و التنمية في مسلسل “بنات للا منانة”?! الفن يبقى فن و لا علاقة له بوصاية تيار معين و لكن أصبح موضة عند التيار المتأسلم متابعة الفن والفنانين و محاولة فرض الوصاية عليهم

  • amaghrabi
    الأربعاء 11 مارس 2026 - 22:22

    صراحة أنا شاهدت فقط الحلقة الاولى من المسلسل للا منانة وبالتالي أجهل ما يحمله المسلسل الرمضاني الذي شاركت فيه جماعة من الممثلات والممثلين المتميزين الذين لهم تجربة وسمعة طيبة في المجتمع المغربي وبالتالي تحكيه سيدي عصيد على استهزاء من طرف عضوة في حزب العدالة والتنمية ربما كان هدفها هو كسب اصوات انتخابية من المجتمع المغربي الذي يخاف على هويته الاسلامية وهي في الحقيقة تقليدية لان الاسلام شيئ وسلوك المواطن يكون غالبا مع الثقافة السائدة في المجتمعات الراهنة وبالتالي فهذه في اعتقادي دعاية انتخابية مع الاسف بوسيلة سيئة التي تسيئ الى ممثلاتنا اللواتي بذلن مجهودات جماعية لابراز على العمل الجماعي من اجل ترفيه المواطنين والمواطنات المغربيات الذين ينتظرون سنويا عملا فنيا في هذا الشهر المبارك

  • KITAB
    الأربعاء 11 مارس 2026 - 22:42

    حتى أكون موضوعيا في تعليقي ، صراحة ليس لدي تلفزيون (مغربي) على اﻷقل في شهر رمضان ، ولا أخص هنا برنامجا بعينه كالدراما، فهناك تقوقع ملحوظ وخطاب محصور في تلميع اﻷشياء الباهتة ، وكأن القيمين على سياسة الإعلام و(الترفيه) يعلمون مسبقا أن للجودة ثمن لا يقدرون على دفعه ، كما يعلمون أن جل المغاربة ينفرون من التلفزة المغربية ، سلمات

  • مسلسلات على موائد الإفطار .
    الخميس 12 مارس 2026 - 00:51

    كنا نقضي رمضاناتنا في متابعة المسلسلات الإسلامية عبر القناة الوحيدة المتاحة آنذاك ومن خلالها استقينا قصص الأنبياء بدءا من موسى وصولا إلى محمد ، وهو ما شكل بدايات إرهاصات معرفتنا التاريخية بالأديان . ورغم أن التركيز كان ينصب غالبا على سير الثلاثة الكبار ، موسى وعيسى ومحمد ، وبدرجة أقل يوسف وإبراهيم ، إلا أن تلك الأعمال لم تغفل استعراض ملامح من حياة أنبياء آخرين كـ يونس ولوط وداوود وسليمان . ​لقد أعطتنا تلك المسلسلات نظرة على حياة هؤلاء الرسل ، وهو ما يفتقده جيل اليوم بشكل مثير للقلق إذ لم يعد من المستغرب أن تجد شابا أو شابة في المرحلة الثانوية يجهل أبسط البديهيات ، أركان الإسلام أو عدد زوجات النبي ، أو أسماء الخلفاء الراشدين بعده .

  • amaghrabi
    الخميس 12 مارس 2026 - 14:16

    أعتقد أن المسلسلات الدينية في رمضان أصبحت في نظري أقل أهمية من المسلسلات الاجتماعية التي تصور الواقع المغربي وفي نفس الوقت تبين مزاياه وتنتقد سلبياته وبالتالي فالممثلون والممثلات المغربيات لهم هدف في وصف الواقع المغربي ووضع الاصبع على ايجابياته وسلبياته أما المسلسلات الاسلامية فهي في اغلب الاحيات تكرار للتاريخ ولا يقدم اي جيد في مسايرة عصرنا وان كان لابد من ذلك فخزانة الدولة المغربية مملوءة بالافلام التاريخية الاسلامية لا تحتاج الى افلام جديدة مكررة لان التكرار ممل

  • "ما هكذا تورد الابل"
    الخميس 12 مارس 2026 - 22:06

    من خلال تقييمي البسيط أرى في موقف الأستاذ رفضا قاطعا للتجديد في الخطاب الديني وانه يعتبر أي محاولة للإصلاح ضربا من العبث ومضيعة للوقت ، في مقابل يتبنى طرحا علمانيا كحل وحيد . وهو ما يعتبر من وجهة نظري غلوا أيديولوجيا لأن المغاربة اعتنقوا الإسلام كحقيقة مطلقة عبر التاريخ . ورغم أن الأستاذ ليس أول من خاض معركة الحداثة وقطعا لن يكون الأخير إلا أنني أأكد على ضرورة احترام رغبة الأغلبية ، وعلى المجادلة بالتي هي أحسن ، مع الأخد بعين الإعتبار أن الأغلبية هي تصنع الحق .

  • العروبي
    الأحد 15 مارس 2026 - 05:17

    كيف يوجد فن ومن يقوم بادوار الفن دخلاء على الفن مات الفن الهادف المعبر والمحترم مع القدميري الصويري الداسوكين و اللائحة طويلة
    لو كانت هناك مسرحية او فلم يمجد العنصرية العرقية القبلية الشعوبية لصفقت وطبلت الاقزام

  • حسين
    الأربعاء 18 مارس 2026 - 18:16

    الذي حيرني منذ زمن هو لا أستطيع أن افهم .لماذا سي عصيد يهاجم الاسلام.وهو دين اربعين مليون مغربي ويهاجم ثوابت الأمة ومع ذالك مازال تفتخ له ابواب القنوات الوطنية.ولا احد من الدولة يستطيع ان يقول له ولو كلمة واحدة.
    بينما هناك اخرين حوكمو بالسجن باقل من ذالك.
    اللهم ان هذا.منكر.

صوت وصورة
المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه
السبت 17 أكتوبر 2026 - 21:45

المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه

صوت وصورة
الجائزة الكبرى للتبوريدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 20:45

الجائزة الكبرى للتبوريدة

صوت وصورة
تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:36 14

تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري

صوت وصورة
فتاح العلوي تودع وزارة المالية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:18 6

فتاح العلوي تودع وزارة المالية

صوت وصورة
وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 12:32 9

وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة

صوت وصورة
حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:21 7

حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة