قال الكاتب والروائي أحمد الكبيري في قراءته لكتاب “التيهاء” لعبد القادر الشاوي، إن الكاتب توفق في اختبار العنوان إثر “كتابة خمسة وعشرين نصا في حوالي ثلاثمائة صفحة، أي ما يعادل سبعين ألف كلمة، تحكي عن تجارب وتيمات وشخوص ووقائع وجغرافيات عديدة، كأنها أرخبيل من جزر مترامية في محيط شاسع، دون أن يكون ثمة ما يشدها إلى بعض غير ذات ساردة مشاكسة، مناورة، شكاكة وحذرة”.
وبعدما تطرق الكبيري لمجموعة من الجوانب المرتبطة بالكتاب، كالعنوان ولوحة الغلاف وتجنيس الكتاب، أشار إلى أن الأخير “هو مجموعة نصوص بتيمات كثيرة ومواضيع مختلفة في أزمنة متعددة لا رابط بينها إلا ذات الكاتب ولغته”، موضحا أن “موضوعات تلك النصوص تدور حول سيرة الكاتب، فهي تعري وتكشف أيضا عن أشخاص وحيوات وجغرافيات وأزمنة أخرى”.
وسجل الكاتب والروائي، في مقاله حول الكتاب، مجموعة من الملاحظات، قبل أن يختم قراءته بالإشارة إلى أن “القارئ لهذا الكتاب سيطرح على طول الصفحات أسئلة كثيرة، ويضع تخمينات، ويدبج ملاحظات، ويوجه انتقادات، ويسجل مواقف، لكن في الأخير سيأتي الكاتب ويرد عليه بتقديم مخاتل وشامل، كان من المفترض أن يكون هو مدخل الكتاب فجعله آخر نصوصه”.
هذا نص المقال:
بداية، يبدو لي، لأسباب أعتبرها مهمة، أنه لولوج هذا الكتاب من بابه الرئيسي ، لا بد أن نبدأ بمقاربة عتباته الأساسية (العنوان، التجنيس ولوحة الغلاف) ولو بعجالة، لعلها تسعفنا في طرح بعض الأسئلة ومحاولة الإجابة على بعضها أثناء قراءتنا.
لقد وسم الكاتب نصه بـ”التيهاء” تخييل ذاتي، وهو صادر سنة 2021 عن دار الفنك، ويشكل سيرورة وامتدادا مشروعا لإبداعات الأستاذ عبد القادر الشاوي، من روايات ونصوص عديدة جعلت من الذات، الواحدة والمتعددة في آن، محورها، منها تنطلق وإليها تعود، كـ”كان وأخواتها” و”دليل العنفوان” و”باب تازة” و”الساحة الشرفية” و”دليل المدى”، و”من قال أنا” و”مرابع السلوان” و”كتاب الذاكرة” وغيرها.
العنوان
بالنسبة للعنوان، منذ الصفحة الأولى، يقدم الكاتب لقارئه الذي ربما قد يجهل معنى كلمة تيهاء، تعريفا للكلمة بين مزدوجتين، على هذا النحو: “هي الأرض الشاسعة التي يتيه فيها الإنسان”.
وأظن أن الكاتب، من هذه الناحية، أي اختيار العنوان، قد وفق بشكل كبير، ذلك أن كتابة خمسة وعشرين نصا، في حوالي ثلاثمائة صفحة، أي ما يعادل سبعين ألف كلمة، تحكي عن تجارب وتيمات وشخوص ووقائع وجغرافيات عديدة، كأنها أرخبيل من جزر مترامية في محيط شاسع، دون أن يكون ثمة ما يشدها إلى بعض غير ذات ساردة مشاكسة، مناورة، شكاكة وحذرة، في الوقت الذي تقول لك: “هذا أنا” تحذرك قائلة: و”قد لا أكون أنا”، وهذا معناه التيه بعينه.
لكنه، تيه جميل في لغة وأزمنة وفضاءات ووجوه وحيوات وأحداث ووقائع ومعارف تتشابك وتتعالق وتتقاطع مع بعضها البعض، في مسار شاسع كبيداء.
لوحة الغلاف
من إنجاز الفنان سعيد المساري، الذي ربما قد يكون قرأ العمل قبل نشره وتفاعل معه كفنان مبدع، على هذا النحو، فرسم، كما يبدو، رأسا بيضاء على خلفية سوداء، لعلها إحالة على اشتعال الرأس شيبا، وملأها بمتاهات تتقاطع وتتشابك مع بعضها، بمغاليق ومفاتيح شتى، وكأنها ذاكرة الذات الساردة، تسعف صاحبها بالاستذكار حينا وتحرن في كثير من الأحيان وتردد: “يا راسي وما داز عليك وباقي”. وقد تكون مجرد لوحة من لوحات الفنان سعيد المساري، تم اختيارها بعناية وذكاء لتتصدر غلاف الكتاب، لما تحيل عليه من دلالات وتأويلات.
تجنيس الكتاب
بخلاف بعض كتبه الإبداعية التي وسمها بـ”رواية” كـ “كان وأخواتها” و”باب تازة”، وبعضها الذي تركه مفتوحا على كل تأويل للنقاد والقراء المفترضين، كـ “دليل العنفوان” و”كتاب الذاكرة”، هذه المرة كان الشاوي حاسما ووضع على الغلاف” تخييل ذاتي” كتجنيس أدبي للكتاب، مع أنه ناقد وله كتابات حول السيرة الذاتية ويعرف بأن هذا الجنس يعتبر عند البعض جنسا وضيعا، لا هو يرقى إلى السيرة الذاتية، التي عادة ما يكتبها بضمير المتكلم أشخاص استثنائيون وعظماء في آخر مسار حياتهم، ولا هو يبلغ درجة التخييل الروائي، الذي لا يتجرأ على وطء أرضه الشاسعة إلا مبدعون روائيون موهوبون بمخيلات جبارة. بل ويعرف أيضا أن هنالك من النقاد من لا يزال يتساءل ما إذا كان “التخييل الذاتي” تتوفر فيه مواصفات الجنس الأدبي؟ وهذا يجعلنا نطرح سؤالا مهما: لماذا اختار الشاوي هذا التجنيس عوض سيرة تخييلية مثلا أو نصوص أو حكايات، أو لم لا، رواية؟ هل هي نرجسية مستبدة بكاتب كبير له مسار خاص جدا، حقق فيه نبوغا وتميزا ومكانة اجتماعية (كاتب روائي، ناقد، مناضل، معتقل سياسي، صحافي، مستشار لوزير العدل، سفير …) أم هو قصور في توظيف هذا المسار المتعدد لذات مفردة كمرجعية مهمة لكتابة رواية متخيلة؟
يقول الشاوي:
” أنا والله عشت هذا في مساري العام وفي كل مسافة كنت أخطوها غافلا إلى الأمام، مع الاعتراف بأنني لم أعرف الوراء إلا في الحلم. ثم لم أجد وراء إلا في الخيال الذي تخيلته لانكساراتي”.
في هذا المقطع المجتزأ من أحد نصوص “التيهاء”، نلمس بإحساس كبير وعميق وكأن عبد القادر الشاوي يلخص، بكثير من الوضوح والصدق وبمطلق الحقيقة والبوح، انقياد زورقه الشراعي إلى رياح صدف حياته الكثيرة، التي جرت كما شاءت له أقداره وبما اشتهاه وارتضاه له التيه. فما يكاد يتجه نحو مرفأ أو بر أمان تراءى له قريبا، لعله يرسو عليه قليلا، حتى تطوح به صدفة أخرى إلى مجاهل وغياهب تجربة جديدة لا يدري لها آفاقا ولا حدودا ولا شطآنا. والقارئ لسيرة الشاوي المتشظية في “التيهاء”، سيدرك هذا جيدا. وسيدرك أيضا لماذا قال هو نفسه: “يا صاحبي أنا ربيب صدف”.
وكذلك سيلاحظ كل قارئ نبيه، دون أي عناء، أن الذات الساردة هي نفسها ذات الكاتب، وهي موجودة كمرجعية أساس لكتابة جميع نصوص هذا الكتاب، تخاطبه بضمير المتكلم من أول جملة في أول نص يقول: “كتبت إليه بعد تأخير غير مفهوم…”. وهي رسالة بعث بها الشاوي إلى إيميليو ميسا، أحد الإسبان، الذي ازداد في باب تازة، فاطلع عن طريق الصدفة، بعد عقود، على “باب تازة”، إحدى روايات الشاوي التي أيقظت فيه ذكريات الطفولة البعيدة وأشعلت في قلبه نار الحنين، فراسل الشاوي رغبة منه في التعرف عليه. لكن لماذا الذات؟ وكيف تحضر هذه الذات؟ وإذا اعتمد الكاتب على ذاته كمرجعية وحيدة لبناء حكاياته، فما الداعي لإعمال التخييل؟ وكيف وظف هذا التخييل في بناء نصوصه للحكي عن ذاته؟ ولأي غاية تم توظيفه؟ ومتى نكون أمام الذات بصفتها واقعا وحقيقة؟ ومتى تنقلب هذه الذات إلى شخصية متخيلة أو إلى محكيات من نسج الخيال؟
ربما أثناء القراءة، قد يحصل لكل قارئ ما حصل لي، حين اعتبرت شروعي في قراءة “التيهاء” شبيها بركوب قارب صغير في نزهة سياحية على شاطئ بحر هادئ، حين استسلمت لمتعة التزحلق بين الكلمات والصفحات، تغريني رغبتي الاستكشافية والحشرية وحب المعرفة ببلوغ ما كنت قد وضعته (قبل القراءة أو أثنائها) في خلفيتي المسبقة من آفاق. تلك الآفاق التي كانت تتكسر على صخور التيه أو تغرق في غياهبه عند نهاية كل نص والشروع في نص آخر موال، لا يمت للأول بأي صلة سردية. هي نصوص تيهاء مفردة ومتعددة في آن. مفردة من حيث الذات الساردة ومتعددة في الوقائع والأحداث والشخوص والجغرافيات. بينما أنا كقارئ أواصل القراءة، مأخوذا بشغفي أغرق في لججها.
وقد سجلت في رحلتي مع “التيهاء” الملاحظات التالية:
أولا، الكتاب هو مجموعة نصوص بتيمات كثيرة ومواضيع مختلفة في أزمنة متعددة لا رابط بينها إلا ذات الكاتب ولغته. موضوعات تتعلق بسيرة الكاتب متشظية في كل النصوص، حتى إن القارئ سيكون بمقدوره عند ختمه للكتاب أن يكتب لك سيرة مختصرة وغنية عن عبد القادر الشاوي، كهوية واحدة ومتعددة بالمفهوم الذي شرحه إدغار موران في كتابه الأخير “دروس قرن من الحياة”، وهكذا سنعرف من هو عبد القادر الشاوي، أين ازداد، علاقته بوالديه، أين درس، ماذا درس، بماذا اشتغل، متى تم اعتقاله، علاقاته المتعددة، كتبه، قراءاته، أسفاره، إلخ.
وكما تدور موضوعات تلك النصوص حول سيرة الكاتب، فهي تعري وتكشف أيضا، عن أشخاص وحيوات وجغرافيات وأزمنة أخرى.
وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألة مهمة، هي أننا مع الشاوي في التيهاء سنتعرف على العديد من الأسماء، كتاب شعراء، مناضلين لا يسع المجال هنا لذكر أسمائهم، لكن سنشير فقط إلى فئتين من هذه الأسماء:
أ- أسماء نحس أن الشاوي يكن لها الكثير من المحبة والتقدير والعرفان، فكتب عنهم بكثير من الصدق والنبل، معترفا لهم بفضلهم عليه ومساندتهم له في محنته مع الاعتقال، كالكاتب والحقوقي البلجيكي فرانسيس شوان مثلا، الذي سانده ودافع عنه في محافل دولية من أجل إطلاق سراحه. أو أسماء أخرى، كأصدقاء ورفاق في النضال والكتابة والمحن، كالكاتب والمترجم إبراهيم الخطيب والقاص الكبير أحمد بوزفور والشاعر الطيب الكريم إدريس الملياني، وآخرين كثر.
ب – أسماء جاء على ذكرهم في مواقف معينة بلغة صريحة وانتقادات لاذعة، ربما من أجل تكسير المرآة التي تتلألأ فيها وجوههم وتتضخم أناتهم، لتشظيتها وإعادة تشكيلها على ما ينبغي أن تكون عليه تلك الوجوه في حقيقتها في الواقع والحياة. ومنهم الشاعر الكبير محمود درويش، والشاعر محمد بنيس، وأحمد بنميمون.
ثانيا: هذه النصوص (حوالي 25 نصا) مكتوبة جميعها بأسلوب واحد ولغة واحدة هما أسلوب ولغة عبد القادر الشاوي في جل كتاباته، لكن بطرق سردية متنوعية، لا من حيث بناؤها ولا من حيث درجة أدبيتها. وكذلك بحسب ما تقتضيه الضرورة الإبداعية للحكي. فجاءت بعض النصوص قوية، عميقة، ممتعة ومكثفة من الصعب على القارئ أن ينساها، كالنص الذي يتحدث فيه الشاوي عن فرنسيس شوان، وغيره من النصوص الرائعة التي بقليل من الاجتهاد والتخييل من طرف الكاتب يمكن أن تصبح روايات عظيمة. وثمة نصوص جاءت مثقلة بالأسماء والتفاصيل الصغيرة، تتجاوز ما تسمح به سعة إناء نص قصير، ففاض، كالنص الذي يتحث فيه عن المؤتمر الثالث لاتحاد كتاب المغرب.
ثالثا وأخيرا، “التيهاء”، من تلك الكتب القليلة التي يدخلها القارئ في شأن ويخرج منها في شأن آخر. فهو كتاب مُتْخَم بالمعلومات والوقائع والأحداث والجغرافيات والكتب والأسماء والمدن والمواقف والحالات الإنسانية في كل تجلياتها. كتاب إنسان، ربيب الصدف لا يعرف الوراء، خبر الحياة وعاشها باندفاع وعنفوان وشجاعة في جميع تقلباتها ومن زوايا ومواقع متعددة. كتاب شاسع متلاطم بإحالات عديدة، يحتاج لمجاديف كثيرة لسبر أغواره كلها مع حذر شديد من كاتب مشاكس، ماكر، زئبقي يلمح أحيانا ويعري في كثير من الأحيان ويقول لك: “ها ذا ليس أنا… واحذر فقد أكون أنا”.
الخلاصة هي أن القارئ لهذا الكتاب سيطرح على طول الصفحات أسئلة كثيرة، ويضع تخمينات، ويدبج ملاحظات، ويوجه انتقادات، ويسجل مواقف، لكن في الأخير سيأتي الكاتب ويرد عليه بتقديم مخاتل وشامل، كان من المفترض أن يكون هو مدخل الكتاب فجعله آخر نصوصه، تماما كلاعب شطرنج محترف قدم لخصمه بعض بيادقه لـ”يأكلها” ثم “ضام” له. وكأنه يقول لقارئه المتذاكي ما قاله سيدنا الخضر للنبي موسى: “أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا” ثم ختم بـ”هذا فراق بيني وبينك…”، وبعدها أنبأه بتأويلات ومبررات هذا التيه العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) صدق الله العظيم
السلام أستاذي
تحليل دقيق و أسلوب راق كالعادة.
تحية طيبة بالتوفيق إنشاء الله.
و السماء ذات الرجع و الارض ذات الصدع انه لقول فصل و ما هو بالهزل
تشرفت بهدا الكاتب الدي سبق ان درسني مع بداية السبعينيات في الاعدادي في احدى المؤسسات الهامشية بالدارالبيضاء وكان يعتبر بمتابة الجيل الجديد الدي ابعد عنا اولئك الدين كانوا يعتبرون اساتدة وهم ليسوا اساتدة الا بالاسم.اما بخصوص الموضوع فإن الصدف لا يجب ان تتغلب على الارادة فشخص مثل الشاوي الدي عاش المحن يجب عليه ان يتحدى الفقاعات التي كنت اضن انه تجاوزها بتلك المحن لكن النفس الغير المروضة تجعل صاحبها يحن الى الاشياء التي كنت اضن انه تجاوزها