السيدة رئيسة الحكومة

السيدة رئيسة الحكومة
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 23:36

لم يكن استبدال عبارة “الوزير الأول” أو “رئيس الحكومة” بصيغة المؤنث في بلاغ الديوان الملكي الأخير تعديلا لغويا اقتضته الممارسة الدستورية بعد إعلان نتائج اقتراع 23 شتنبر، بل يتعدى الأمر ذلك إلى دخول المغرب عهد التمكين السياسي للمرأة على أرض الواقع.

إن تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة الجديدة يستمد ثقله الأكبر من كونها محطة أساسية في مسار حزب متصدر، ولكنه أيضا يشكل حدثا يختزل شريطا طويلا من النضج السياسي للمملكة.

ظلت السلطة التنفيذية في الذاكرة المغربية منطقة محاطة بهالة من الذكورة البنيوية، حيث ارتبط “السياسي” و”المدبر” و”الوزير” بصورة الرجل الحازم أو السياسي الحزبي. ورغم أن الذاكرة الوطنية تحتفظ بأسماء نساء غيرن مجرى الأحداث في محطات مفصلية، إلا أن المؤسسة التنفيذية ظلت، منذ حكومة مبارك البكاي الأولى سنة 1955، قلعة مستعصية على النفوذ النسائي.

لذلك فوصول سيدة إلى قمة هرم السلطة التنفيذية اليوم يمثل قطيعة تاريخية مع عقود من “المشاركة المشروطة”، التي بدأت بكاتبات دولة سنة 1997 ثم وزيرات بحقائب محددة سنة 2007. وهذا التعيين هو إعلان صريح عن نهاية مرحلة ودخول التاريخ المغربي مرحلة الشراكة الكليّة في القرار السياسي الأول.

ولم تقفز المنصوري إلى هذا الموقع بقرار عمودي أو بـ”كوتا” حمائية، وإنما صعدت عبر سلّم التدبير المحلي في مراكش، وتمرست داخل المكونات الحزبية والحكومية، والاحتكاك المباشر مع الشارع والانتخابات.

وهذا الصعود يعيد صياغة “النموذج القدوة” بالنسبة للمرأة المغربية وللأجيال الصاعدة، فدخول العقل النسائي لمركز القرار التنفيذي يغير نسيج الإدراك الاجتماعي، فالمرأة لم تعد فقط هي المعنية بملفات التضامن والأسرة والرعاية الاجتماعية، بل أصبحت هي التي تدير ميزانية الدولة، وتفاوض على التوازنات الماكرواقتصادية، وتقود الائتلافات السياسية وتدير الأزمات. وهذه نقلة نوعية تجعل من الكفاءة والمشروعية الانتخابية المعيار الوحيد شغل المناصب والتدبير، بغض النظر عن النوع الاجتماعي.

ويحمل التعيين الملكي بتكليف منسقة القيادة الجماعية لـ”البام” رسائل بالغة الدقة والعمق، فأولاها تثبيت التأويل الديمقراطي للفصل 47 من الدستور، بما يحترم الإرادة الشعبية المعبر عنها في صناديق الاقتراع والاستقلالية التنظيمية للأحزاب. وثانيها تقديم إجابة المغرب الخاصة على أسئلة التحديث السياسي، ففي الوقت الذي تشهد فيه منطقتنا الإقليمية تعثرات وتراجعا في ملفات الحقوق والمشاركة السياسية، يرسل المغرب إشارة صريحة إلى العالم مفادها أن التمكين السياسي للنساء بالمملكة يشكل أصلا بنيويا في خيارات الدولة الاستراتيجية، وليس واجهة للتجميل الدبلوماسي.

تعيين فاطمة الزهراء المنصوري هو لحظة اعتراف بمسار نضالي ومؤسساتي امتد لعقود، لكنه في الآن ذاته بداية لمرحلة لا خيار فيها إلا النجاح، ليكون هذا “الفتح التاريخي” قاطرة، تثبت أن النساء المغربيات، حين يتولين مقاليد القيادة، يصنعن الفارق ويقدمن الإضافة الجوهرية في كتابة المستقبل.

-أستاذ باحث في الإعلام والتواصل، جامعة محمد الأول، وجدة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟

صوت وصورة
غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:22

غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء

صوت وصورة
إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 21:31

إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب