السينما المغربية بأفريقيا

السينما المغربية بأفريقيا
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:01

حضور السينما المغربية بأفريقيا: من الإشعاع القاري إلى التوزيع التجاري

يشكل حضور السينما المغربية في المهرجانات والملتقيات والأيام والأسابيع السينمائية المنظمة بأفريقيا رصيدا ثقافيا ومهنيا يستحق التثمين. وتقتضي المرحلة المقبلة بناء امتداد تجاري لهذا الحضور، يتيح للأفلام الوصول المنتظم إلى الجمهور، ويمنح المنتجين فرصا لتوسيع أسواقهم. إن تحقيق هذا الانتقال يتطلب رؤية مؤسساتية تصل الإشعاع الثقافي بتنمية الصناعة السينمائية، وتحدد الأهداف والوسائل والمسؤوليات.

الرؤية الملكية: أساس الشراكة الأفريقية

يندرج هذا التوجه ضمن الرؤية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، لتعزيز التعاون جنوب–جنوب والتنمية المشتركة. وقد أكد الخطاب الملكي أمام القمة الثامنة والعشرين للاتحاد الأفريقي أهمية تقاسم الإمكانات والخبرات والإسهام في النهوض المشترك. وتوفر هذه الرؤية إطارا لتطوير تعاون سينمائي يجمع الأبعاد الثقافية والمهنية والاقتصادية.

وتقتضي ترجمة هذا التوجه إقامة شراكات مستمرة في التكوين والإنتاج وتداول الأفلام. ويمكن أن يقترن أسبوع للسينما المغربية ببرنامج لتبادل الخبرات، ولقاءات بين المنتجين، ومفاوضات بشأن توزيع الأعمال، بما يمنح المبادرة نتائج تتواصل بعد اختتام عروضها.

تطورات السينما المغربية: الحاجة إلى توسيع منافذ العرض

يتيح تنوع الإنتاج المغربي التفكير في منافذ مختلفة للتداول، بحسب طبيعة الأعمال والجمهور المستهدف. وتبرز برمجة المهرجان الوطني للفيلم هذا التنوع من خلال مسابقات الأفلام الروائية الطويلة، والأفلام القصيرة الروائية والوثائقية، والوثائقيات الطويلة، وأفلام المدارس والمعاهد السينمائية.

ويستدعي تثمين هذا التنوع تطوير القدرة على التسويق والتوزيع. فالفيلم الروائي يمكن تقديمه للقاعات والقنوات والمنصات، بينما قد يجد الوثائقي فرصا لدى جهات متخصصة وبرامج ثقافية وتعليمية. أما الأفلام القصيرة، فتحتاج إلى صيغ مناسبة، مثل البرامج الجماعية أو اقتناء حقوق مجموعة من الأعمال. وينبغي أن ترافق هذه الإمكانات معرفة مهنية بالأسواق وشروط الولوج إليها.

أفريقيا في الأفلام المغربية: الحكاية والذاكرة والمصير الإنساني

يمتد الارتباط بأفريقيا إلى مضمون الأعمال المغربية نفسها، من خلال تناول التنقل والهجرة والحدود واللقاء بين المغاربة ومواطني بلدان القارة. وتتيح هذه الموضوعات بناء حوار مع جمهور يجد في الأفلام تجارب وأسئلة قريبة منه.

ومن الأمثلة «كازابلانكا–داكار» للمخرج أحمد بولان، الذي يتتبع رحلة مهندس معماري مغربي يعمل بالسنغال، ويجد نفسه عاجزا عن العودة إلى زوجته بالمغرب بسبب إغلاق الحدود مع بداية جائحة كورونا. وينخرط في رحلة برية برفقة مهاجرين سنغاليين يتطلعون إلى الوصول إلى أوروبا، بما يطرح سؤال حرية التنقل واختلاف الدوافع التي تجمع المسافرين على الطريق نفسه.

ويقدم «أوليفر بلاك» للمخرج توفيق بابا حكاية شاب يعبر الصحراء سعيا إلى الوصول إلى المغرب وتحقيق حلم العمل في السيرك، ويلتقي رجلا مسنا يواصل معه الرحلة. وتفتح الحكاية مجالا لقراءة الحلم والهشاشة والمصير الإنساني داخل فضاء صحراوي يصل المغرب بامتداده الأفريقي. كما يتناول «الجزيرة» لأحمد بولان اللقاء بين رجل مغربي مكلف بحراسة جزيرة ومهاجر سنغالي، بما يتيح مناقشة العلاقة مع الآخر والحدود والتعايش.

ويغني الوثائقي «مورا يشكاد» لخاليد زايري هذا النقاش من زاوية الذاكرة المغربية للهجرة والعمل. فهو يستعيد تجربة العمال المغاربة الذين جرى استقدامهم إلى مناجم الفحم بشمال فرنسا، وما عاشوه من ظروف قاسية ونضال من أجل الحقوق والكرامة. وتتيح هذه المعالجة قراءة التجربة المغربية في صلتها بأسئلة أوسع حول استغلال اليد العاملة والاقتلاع والذاكرة، بما يغني الحوار مع جمهور القارة.

وقد أدرج الفيلم ضمن قسم «آفاق» في فيسباكو 2025، بما يوفر مثالا على انتقال الذاكرة المغربية إلى فضاء للنقاش السينمائي الأفريقي. وتستحق هذه الأعمال برامج موضوعاتية تجمع العرض والحوار، وتستكشف إمكانات توزيعها بحسب اهتمام الجمهور في كل سوق.

المهرجانات والملتقيات: رصيد للعلاقات المهنية

توفر المشاركات المهرجانية فرصا للتعريف بالأعمال المغربية وإدخالها في الحوار السينمائي الأفريقي. ومن الأمثلة التاريخية مشاركة أفلام «هم الكلاب» و«حمى» و«الوشاح الأحمر» في الدورة الرابعة والعشرين لفيسباكو بواغادوغو، كما توردها الحصيلة الرسمية للمركز السينمائي المغربي.

ويتطلب استثمار هذه المشاركات إعداد ملف تجاري للأفلام، وتحديد الحقوق المتاحة، وترتيب لقاءات مع الموزعين والمبرمجين وأصحاب القاعات. فالمشاركة تفتح باب الاتصال، بينما تمنح المتابعة المهنية هذا الاتصال إمكانية التحول إلى اتفاق توزيع أو عرض.

الأيام والأسابيع السينمائية: من التعريف إلى استكشاف الطلب

تقدم الأيام والأسابيع المغربية مجموعة من الأعمال، وتتيح للجمهور اكتشاف تنوع السينما الوطنية. ومن أمثلتها الدورة الخامسة لأسبوع الفيلم المغربي بأبيدجان، التي شمل برنامجها، من بين أعمال أخرى، «علي صوتك» و«ميكا» و«أوليفر بلاك».

ويمكن تطوير هذه الصيغة بإضافة عروض موجهة للموزعين، ولقاءات بشأن حقوق الاستغلال، وتقييم لتفاعل الجمهور. كما يمكن بحث استمرار بعض الأفلام في عروض تجارية بعد انتهاء الأسبوع، وفق اتفاق مستقل يحدد التزامات الأطراف. وهكذا تصبح التظاهرة مرحلة للتعريف والاستكشاف، تتبعها خطة للوصول المنتظم إلى الجمهور.

معرفة الأسواق: شرط القرار التجاري

تتطلب الأسواق الأفريقية مقاربات تراعي اختلاف اللغات وشبكات العرض وشروط الاستغلال وعادات المشاهدة. ولذلك، ينبغي أن تبدأ خطة التوزيع بدراسة تحدد الشركاء المحتملين وكلفة الترجمة والترويج وإمكانات العرض وطرق تحصيل المداخيل.

ويمكن اقتراح تجربة محدودة في سوق معين، تشمل فيلما أو مجموعة أفلام وعددا متفقا عليه من العروض. وبعد تقييم الإقبال والتكاليف والعائدات، يتخذ قرار التوسع. وتتيح هذه المقاربة بناء المعرفة تدريجيا وضبط الاستثمار، مع تجنب افتراض أن نجاح الفيلم في تظاهرة ثقافية يضمن تلقائيا نجاحه التجاري.

التنسيق المؤسساتي: مسؤوليات واضحة ومتابعة مستمرة

يتطلب هذا المسار تكامل أدوار المركز السينمائي المغربي والمنتجين والموزعين والجهات المعنية بالتعاون والترويج الدولي. ويمكن للسفارات، في إطار اختصاصاتها، تيسير الاتصال بالمؤسسات والفاعلين المحليين، بينما يتولى أصحاب الحقوق والشركاء التجاريون التفاوض وإدارة الاستغلال.

ومن التدابير العملية إعداد برنامج مهني لكل مشاركة، يحدد الجهات المستهدفة ومواعيد اللقاءات والأفلام المعروضة للتوزيع، ثم إسناد متابعة الاتصالات إلى مسؤول واضح. وينبغي أن تتوفر حصيلة لاحقة تبين ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك، حتى تتراكم المعرفة وتستمر العلاقات.

مواكبة التوزيع: تثمين الاستثمار في الإنتاج

يحتاج الوصول إلى الجمهور إلى موارد تشمل الترجمة ونسخ العرض والمواد الترويجية والتواصل الإعلامي والاستشارة القانونية. ويتعين بحث إدراج هذه النفقات ضمن أدوات المواكبة، بشروط تربطها بخطة توزيع قابلة للتنفيذ والتقييم.

ويمكن، مثلا، مواكبة إطلاق تجاري مرتبط باتفاق مع موزع محلي، يلتزم ببرنامج عروض وحملة ترويج وتقارير عن النتائج. ويساعد ذلك على توجيه الموارد إلى عمليات محددة، وتقاسم المسؤولية عن نجاحها بين أصحاب الأعمال والشركاء المكلفين بتوزيعها.

حماية الحقوق: أساس الاستغلال المستدام

يستدعي التوزيع ضبط الحقوق المتاحة لكل فيلم، وتحديد البلدان والمدة واللغة ووسائط الاستغلال. كما ينبغي توضيح المقابل المالي وتكاليف التسويق وآليات التصريح بالمداخيل وتسويتها.

ويمكن، على سبيل المثال، منح حقوق العرض في القاعات داخل بلد محدد لمدة معينة، مع الاحتفاظ بحقوق التلفزيون والمنصات للتفاوض بشأنها بصورة منفصلة. ويتيح هذا التنظيم استثمار العمل عبر منافذ متعددة، وفق اتفاقات تحمي مصالح الأطراف وتحد من النزاعات.

التبادل والإنتاج المشترك: شراكة متوازنة

يوفر التعاون المغربي الإيفواري مثالا مؤسساتيا قابلا للتطوير؛ فقد نظم المركز السينمائي المغربي، بالتعاون مع المكتب الوطني للسينما بكوت ديفوار، الدورة الخامسة لأسبوع السينما الإيفوارية بالمغرب سنة 2025، في إطار اتفاق الإنتاج المشترك والتبادل السينمائي الموقع سنة 2011. وشملت أهداف التظاهرة تعميق التعاون والإنتاج المشترك والتعريف بالأفلام الإيفوارية لدى الجمهور المغربي.

وتستحق الاتفاقات القائمة برامج تنفيذية تشمل التوزيع المتبادل. كما يمكن أن تتضمن مشاريع الإنتاج المشترك خطة للوصول إلى جمهور البلدان المشاركة، والتزامات ترويجية موزعة بين الشركاء، بما يجعل تداول الفيلم جزءا من تصور المشروع منذ بدايته.

التقييم والبرمجة: نحو سياسة أفريقية لتوزيع الفيلم المغربي

ينبغي أن يجمع تقييم الحضور المغربي بين قيمته الثقافية ونتائجه المهنية والاقتصادية، من خلال رصد وصول الأفلام إلى الجمهور، واللقاءات مع المشترين، والاتفاقات المبرمة، والعروض المنجزة والعائدات المحققة. كما يتعين تحليل أسباب تعثر الفرص لتطوير البرامج وتوجيه الموارد.

إن المطلوب هو بلورة برنامج مؤسساتي لتوزيع الفيلم المغربي بأفريقيا، يبدأ بأسواق محددة وأعمال جاهزة وشركاء مؤهلين، ويستفيد من المهرجانات والملتقيات والأيام والأسابيع باعتبارها مداخل للتواصل والتفاوض.

ويستحق هذا البرنامج أهدافا معلنة ووسائل مناسبة ومسؤوليات واضحة. فالإشعاع القاري يكتسب استدامته حين يجد الفيلم المغربي طريقه إلى القاعات والشاشات والجمهور، وحين تثمر العلاقات الثقافية شراكات تدعم الإبداع وتوسع أسواقه، في انسجام مع الرؤية الملكية للتعاون الأفريقي والتنمية المشتركة.

-رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط