سَمكةٌ صغيرةٌ تُحرّك نقاشًا كبيرًا
كيف تحوّل السّردين في رمضان من سمكة بسيطة إلى “ملف” يفرض نفسه على النقاش العام؟ ولماذا يبدو دخوله إلى السوق كأنه يحتاج برنامجًا انتخابيًا أكثر مما يحتاج قاربًا؟ إذا كان “التموين مؤمَّنًا” كما تقول التصريحات، فأين يختفي السردين حين يرتفع الطلب، ولماذا يتصرف السّعر كأنه حزب مستقل لا يعترف بالبلاغات؟ هل المشكلة في البحر فعلًا أم في خطاب يُطمئن الواجهة ويترك المواطن يفاوض وحده في الخلف؟ ثم السؤال الذي يربك كل الشعارات: هل السردين حاضر اليوم… أم مؤجل ” إلى ما بعد رمضان” مثل وُعود كثيرة؟
صُندوق اقتراع برائحة البَحر
في رمضان، لا يظلّ السردين سمكةً نُتبّله بالشّرمولة ونُدخله الطّاجين فحسب؛ يتحول إلى “ملفّ اجتماعي” كامل الدّسم، يطرق باب البيت كأنه قرار جماعي يحتاج تصويتًا: هل نريده فعلًا؟ وهل تسمح الميزانية أن نرفضه ونحن نطارد بروتينًا لا يفتح باب المساومة؟ في العادة، كان السردين هو الحل الشعبي السريع: بسيط، قريب من الناس، ويملأ المائدة دون أن يجرّ العائلة إلى قروض صغيرة. وفي الجهة المقابلة، يبدأ موسم التصريحات بنفس الإيقاع الذي تعرفه الحملات الانتخابية: كلمات مطمئنة، نبرة واثقة، وجملة تتكرر في كلّ شعار: “الوضع تحت السيطرة، التموين مؤمَّن، والأسعار في المتناول”. تسمعُ هذا الخطاب فتتخيّل أن السردين سيصل إلى السوق في صفوف منضبطة كما تصل الوعود إلى الملصقات. لكن الواقع في السوق يقدّم نسخة أخرى تمامًا: السردين يختفي فجأة أو يقلّ، والسّعر يتصرف كأنه حزب مُستقلّ لا يعترف بالبلاغات. ها هنا يكشف التناقض وجهه بدون مُواربة: البلاغ حاضر، لكن السّردين غائب؛ الطّمْأنة في الواجهة، والمواطن يفاوض وحده في الخلف. ثم تأتي الذريعة التي تحفظ ماء الوجه مثل “تبرير انتخابي جاهز”: مَرّة الرّيح، مَرّة الموج، مَرّة تأخر التّفريغ، ومَرّة “اختلالات ظرفية” لا يراها أحد لكنها تظهر بدقة عندما يرتفعُ الطلب. المشكلة ليست في أن البحر يتقلّب، البحر يتقلّب منذ آلاف السنين؛ المشكلة في أن الخطاب يريد إقناعك أن كل شيء بخير، بينما السوق يرسل لك إشعارًا مباشرًا: “ادفع أكثر أو غيّر الخطة”، وكأن السّردين صار ورقة ضغط موسمية: عندما تحتاجه المائدة، يصبح الوصول إليه أصعب، وعندما يُسأل المسؤولون، يصبح كل شيء “مؤمَّنًا” بطريقة لا يلمسُها أحد على الرَّصيف.
هل السردين حاضر أم سيغيب “إلى ما بعد رمضان” مثل وُعود كثيرة؟ يحضر السردين عندما يتقاطع سعر مقبول مع عرض كافٍ ومزاج عامّ مستعد لاستقباله بدون حساسية، ويغيب عندما تختنق القدرة الشرائية ويتراجع العرض وتشتد المضاربات فتتحول “السّلعة الشّعبية” إلى عبء يومي. وفي المقابل تتحرك التصريحات بمنطق الحملات: تتغير التواريخ وتثبت العبارات، تتبدل المناسبات وتبقى جرعة الطمأنة، وكأن البرنامج نفسه يعاد كل سنة… فقط بنبرة أعْلى. هكذا يظلّ السردين “مرشّحًا جماهيريًا” يلمع سريعًا ويستدعيه الجميع في كل خطاب، لكنه لا يصل دائمًا في الموعد الذي تُسوَّق فيه الوعود.
“في أقرب الآجال”: الوعْدُ الذي لا يَشيخُ
متى تبدأ الحملة فعليًا: يوم الإعلان أم يوم تبدأ الصور في التكاثر كأنها موسم هجرة؟ لماذا يصبح “القرب من المواطن” فجأة واجبًا أسبوعيًا ثم يختفي بعد الفرز؟ من الذي اخترع عبارة “في أقرب الآجال” وجعلها صالحة لكل الأعطال ولكل العهود؟ ولماذا تُقدَّم الأشياء العادية مثل إنجازات تاريخية: طلاء كأنه إصلاح، وشُبَّاك إضافي كأنه ثورة؟ ثم السؤال الأوضح: هل تدفع سخونة الحملات نحو حلول ملموسة… أم تصنع فقط وهجًا يكفي لتلميع الشعار ويعجز عن تحريك الواقع؟
لا تبدأ تسخينات الحملات الانتخابية عندنا يوم الإعلان الرسمي، تبدأ قبل ذلك بكثير، مثل قِدْرٍ موضوع على نار هادئة: لا يغلي، لكنه يُصدر صوتًا يوهمك أن شيئًا لذيذا يتمّ طبخه. فجأة يكثر “التحرّك الميداني”، وتكثر الصور التي تلتقط المسؤول وهو ينحني على طفلٍ كأنه يوقّع مستقبل الأمة على جبينه، وتكثر الزيارات التي يتمّ الترويج لها على أنها فتحٌ مبين، مع أن المواطن يعرف أن الطريق نفسها كانت محفّرة أمس، وستظل محفّرة بعد غد، لكنّها اليوم فقط دخلت مرحلة “التأهيل في إطار رؤية مندمجة”. في هذا الموسم، تصبح اللغة أهم من الواقع. تسمع مفردات تتكرر بانتظام: “القرب”، “الإنصات”، “الكرامة”، “النموذج التنموي”، “التشغيل”، “الاستثمار في الرأسمال البشري”. كلمات مُنمّقة يتم إلقاؤها كما تُلقى النشرات الجوية، لكنها لا تتنبأ بشيء سوى بعودة الوُعود. الأكثر طرافة أن الجميع يتكلم عن “المواطن” كأنه كائن نظري، رسمٌ بيانيّ: سنضع المواطن في صُلب السياسات العمومية… وكأن المواطن كان طوال السنوات الماضية على الرفّ العُلْوي، ينتظر من يذْكره في اجتماع تنسيقي.
ومثلما للمطابخ روائح، للحملات أيضًا “بصمة عطريّة” خاصة: رائحة طلاء جديد على واجهة مدرسة لا يدخلها التلاميذ بسبب مشاكل أبعدُ من الطّلاء، ورائحة إسفلت يُفرش بسرعة في شارعٍ واحد لأن الكاميرا ستمر من هناك، ورائحة تصريحات يتمّ توزيعها بسَخاء: “المرحلة دقيقة، لكننا على الطريق الصّحيح”. الطريق الصحيح، بالمناسبة، يتغيّر حسب الزاوية التي تُلتقط منها الصورة. مرة هو طريق الإصلاح، ومرة طريق الثقة، ومرة طريق “التراكمات الإيجابية” التي لا يرى المواطن منها إلا تراكم الفواتير. فجأة كل شيء يُقدَّم على أنه منحة تاريخية: مصباح في حيٍّ كان مظلمًا يصبح “مشروعًا هيكليًا”، وكرسيّان في مركز صحي يتحولان إلى ” تعزيز للعرض الصحي”، وفتح شباك إداري إضافي يُسوَّق كأنه ثورة رقمية. ومع ذلك، لا يمكن إنكار عبقرية هذه التّسخينات: إنها تُشبه إعلانًا لمنتج لم يصل بعد إلى المتجر. كل شيء يتم بنبرة واثقة، وكأن الواقع مجرد تفصيل مُزعج سيتم حله “في أقرب الآجال”. والأغرب أن عبارة “في أقرب الآجال” عندنا لها عُمْرٌ افتراضي طويل جدًا؛ تُستعمل مع كل شيء: من إصلاح الطريق إلى إصلاح السياسة نفسها، وتبقى صالحة للاستخدام حتى موْسم انتخابيّ جديد.
ليست تسخينات الحملات الانتخابية برنامجًا بقدر ما هي “إدارة انطباع”: هندسة صورة السياسي قبل الدخول إلى السوق. والمواطن؟ هو المستهلك الذي يُطلب منه أن يثق، ويصبر، ويصوّت، ثم يشاهد بعد ذلك كيف يهدأ الكلام عن “القُرْب”، وتعود الأحياء إلى صمتها المُعْتاد… إلى أن يقترب موسم جديد، فيُعاد إشعال نفس الموقد، بنفس القِدْر، وبنفس الوصْفة: كثير من البهارات، قليل من المكونات، وطبق يُقدَّم باسم “الأمل” بينما الفاتورة دائمًا باسم المواطن.
ثمنٌ واحدٌ يهزمُ ألْفَ شِعَار
هكذا يصير السردين اختبارًا يوميًا لصدقية السّياسة: حين يتوازن العرض مع الطلب يستقرّ الكلام، وحين يختلّ التوازن ترتفع الخطب بسرعة كأنها تعوّض الحلّ. ويتقدّم المشهد بترتيب واضح: منصّات ترفع الشعارات، أسواق تُعلن الأرقام، وجيوب تحسم القرار بدون عَاطفة. يشتغلُ موسم الانتخابات مثل عرض تسويقيّ مُتقن؛ صور كثيرة، جولات سريعة، ووعود لامعة تسبقها موسيقى الثقة، ثم يأتي الامتحان الحقيقي عند بائع السمك: ثمن واحد، كمية محدودة. يتجلّى السردين مثل مرآة صارخة تكشف من يراهن على التّصفيق بدل النتائج، ومن يُراهن على إدارة الواجهة بدل إصلاح القاعدة. وعند أول صدْمة سِعْر، يتحوّل السردين من “سمكة شعبية” إلى بطاقة قياس للعَدالة والقُدرة الشّرائية… بطاقة تَكتبُ الحُكم على القُفّة بحبرٍ لا يمْحُوهُ أيّ خِطاب.
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
شخصيا لم أتذوق السردين منذ أكثر من سنة ، فكيف السبيل إليه وقد وصل ثمن القطعة الواحدة إلى أربعة دراهم ونصف . إن وجبة غداء واحدة تتطلب على الأقل خمس قطع مما يجعل تكلفتها مرتفعة جدا بالنسبة لطبق كان يوما يعرف بوجبة الفقراء . كنت أحيان أشتريه نيئا لأقوم بتحضيره في البيت لكن هذا الخيار أصبح هو الآخر مكلفا فمصاريف القلي من زيت وغاز ترفع التكلفة بشكل كبير، مما جعل الاستمتاع بهذه الوجبة أمرا صعبا وفوق طاقة الإنسان .
“Politics is the art of looking for trouble, finding it everywhere, diagnosing it incorrectly, and applying the wrong remedies”
“السياسة هي فن البحث عن المشكلات، والعثور عليها في كل مكان، وتشخيصها خطأ، وتطبيق العلاج الخاطئ.”
Groucho Marx
“Les politiciens, c’est comme les poissons: plus ils restent longtemps, plus ils puent”
“السياسيون مثل السمك: كلّما مكثوا طويلًا، ازدادوا نتنًا.”
(Coluche)
أستاذي،
أعجبتني سخريتك الراقية التي جعلت من سمكة صغيرة مرآةً تُعرّي خطاباتٍ كبيرة، فحديثك أعادني إلى طفولتي، وأنا ابنُ صيادٍ عرك البحر والسردين معًا. لكن دعني أهمس لك بابتسامة: السردين يعرف السياسة أكثر مما يعرفها السياسيون، فهو يختفي في كل موسم انتخابي ليُذكّرنا أن الحقيقة لا تُصطاد بالشعارات. ربما لو جلس الوزراء قليلًا على شاطئ الصيادين بدل المقاعد الوثيرة، لعرفوا أن “التموين المؤمَّن” لا يُقاس بالنشرات بل بآذانٍ تشمّ رائحة البحر. وسواء حضرَ السردين أو تأجّل، سيبقى في عيوننا “المرشّح الأصدق” لأنه لا يبتسم بلا سبب.
“في النهاية، من لا يسمع صوت البحر، لن يفهم صمت السردين حين يغيب.”
ALHOCEIMA
مقال الأستاذ عبد الفتاح لحجمري عن السردين والانتخابات عميق وذكي يفضح منطق التسويق السياسي حين يحوّل لقمة الناس إلى شعار انتخابي سريع الاستهلاك. يربط بين سعر السردين وقدرة الخطاب الانتخابي على ركوب الغضب بدل معالجة أسبابه، ويكشف كيف تستخدم بعض الحملات “تفاصيل المعيشة” كواجهة بينما تترك منظومة الإنتاج والتوزيع والاحتكار خارج النقاش. النص يضغط على نقطة واحدة بوضوح: من يريد أصوات الناس يبدأ من جيوبهم وموائدهم، لا من المنصات والوعود.
شكرا لك أستاذي ولهسبريس على هذا الإبداع الجميل
تتكرر سنويا مع رمضان الوعود الرسمية بوفرة الغذاء ومراقبة الأسعار لكنها تظل خطابا معزولا لا يلامس واقع المواطن المكتوي بجحيم الغلاء . وكأن السلطة تعكس رفاهية مسؤوليها على شعب يعاني التهميش والإقصاء . إن الأزمة في المغرب تتجاوز قوت اليوم إلى غياب الدعم الحقيقي للشباب وغياب الحماية الاجتماعية فالدولة باتت تنظر لغالبية المغاربة كـفائض بشري وعبء ثقيل ، بدلا من كونهم ثروة تستحق الاستثمار لبناء المستقبل .