الشخصية القيادية هي شخصية تتمتع بمجموعة من الخصائص والصفات المميزة للشخص، والمهارات والتجارب والخبرات والتكوينات المتنوعة التي هي لصيقة بالفرد، فطريًا لَدَ بها كجينات، أو اكتسبها في مختلف مناحي حياته وارتبطت ببيئته وظروفه الجيدة والعادية والصعبة أيضًا، فكما قيل بأنه “من المحن يولد الرجال والنساء”.
فالشخصية القيادية هي الشخصية القوية المؤثرة والملهمة للفريق، والموحدة لجهود أعضائه من أجل تحقيق الأهداف المشتركة. فقائد الفريق ينبغي أن ينجح في التأثير فيمن حوله للإيمان به أولاً، كدافع لهم من أجل السعي لتحقيق الأهداف المرسومة. فإلهام الغير أساس النجاح في إدارة الفريق، فكما قيل إن “الشخصية القيادية هي القدرة على إخراج الآخرين إلى المكان الذي لا يستطيعون الوصول إليه بمفردهم”. فالقائد هو من يصنع لنفسه أثره، ولا يمشي في أثر الغير؛ لأن من يسير في أثر الآخرين لا يترك أثرًا.
فأعظم شخصية قيادية عبر التاريخ الإنساني، والتي بصمت في تاريخ البشرية جمعاء، هو النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). فبفضل شخصيته القيادية الاستثنائية استطاع التأثير في قلوب العالم وجمع شتاتهم في عهد لم يكن من السهل فيه القيام بذلك، فقد أرسى مبادئ السلام والتعايش السلمي، وترك أثرًا عميقًا في نفوس البشرية.
ولقد ارتبطت الشخصية القيادية ومنذ زمن بجدلية استفهامية وهي: “هل يولد القائد أم يصنع؟” ولعله سؤال جوهري يمكن اختصار جوابه في كون القائد يولد ويصنع معًا، لكن بشكل يجعل الولادة والصنع مقترنين، لا غنى لأحدهما عن الآخر. فمن لم يمتلك سيمات وصفات جينية ترتبط بالقيادة، ومن لم يصنع نفسه ويبن مقوماتها ومميزاتها، لن يكون أبدًا قائدًا. وتوفر إحداهما فقط دون الأخرى لا يسعف في وجود قائد ملهم. فقد قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة الآية 269: “يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا”، فحكمة القائد تأتي كصفة مرتبطة بالشخص منذ ولادته، وتصقلها تجارب حياته، لكن الإرادة القوية هي أساس نجاحه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك”.
ولن يكون للشخص نصيب من المسؤولية إن لم يكن له طموح قوي بقوة إرادته، متطلعًا إلى الأفضل فعلًا لا قولًا، “فلن يتقن السباحة من لم يلق بنفسه في الماء”.
والشخصية القيادية تحمل عبء الآخر وعبء الظروف من أجل تسهيل الحياة على الغير، فهي التي تتحمل ما لا يتحمله الغير في أصعب اللحظات. فهي الشخصية التي تحتوي الأزمات وتنجح في تجاوزها في ظل ظروف صعبة قد لا ينتبه إليها الآخرون، وذلك بفضل حنكة ومهنية القائد الذي يملك القدرة على حفظ الاتزان في الطوارئ ووسط الاضطرابات، بشكل يجعل القائد مسؤولًا عن غيره في أبسط الأشياء لشعوره بعظم المسؤولية، وخشيته محاسبة الله في أدق التفاصيل قبل محاسبة رؤسائه له أيضًا. وفي هذا قال الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: “لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة لظننت أن الله تعالى سائلي عنها يوم القيامة”، فالقائد يعي حجم المسؤولية ويستحضر مراقبة الله تعالى وقوله: “وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ”.
فالقيادة والمسؤولية قد تبدو للبعض بسيطة أو عادية، غير أنها في الحقيقة تبقى محفوفة بالمخاطر وبالمتغيرات والصعوبات والإكراهات، فكما قيل: “إن قيادة الناس مهمة لا يحسن أداءها إلا الأبطال”. ففي سواد الليل وحلكته التي قد تجعل الفريق يتراجع، تجد القائد ملهمًا كالشمس الساطعة التي تنير الطريق الذي اختلت توازناته وتعطلت أسبابه. فها هو رسولنا الكريم ﷺ القائد الملهم، وفي أصعب الظروف وقد أحاط به المشركون في غار حراء، بث الطمأنينة في نفس صاحبه أبي بكر الصديق بوجوب اليقين بالله في أحلك الظروف، إذ قال له: “لا تحزن إن الله معنا”. وفي ذلك قوله تعالى في الآية 40 من سورة التوبة: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ففي أسوأ الظروف يظهر القائد ببريق الأمل كالنجمة المنيرة للظلمة، يشحن معنويات فريقه قبل أن تنطفئ شعلته، وبحكمة المسؤول يذلل الصعاب ويجعل ما يراه الغير مستحيلًا يبدو كأنه لم يكن كذلك. فهو لا ينتظر من السماء أن تمطر الحلول، وإنما يسرع إلى البحث عنها. فهو من يوازن بين المتناقضات، ويجمع شتات الفريق قبل أن يجمع شتات العمل. فهو يؤمن بأن تصالح أفراد الفريق فيما بينهم يعد أول وسائل تصالحهم مع العمل، لأن بيئة العمل تبقى هي الأساس للابتكار والاجتهاد. قادر على امتصاص الصدمات، ويعرف أن العقبات اليومية جزء طبيعي من العمل، لهذا يبني قدرة الفريق على التحمل بدلًا من التذمّر، ويحرص على تآزر القلوب واتحاد السواعد فيما بينهم لبناء الوطن، فبناء مؤسسات الوطن هو بناء للوطن.
فقيادة الفريق ليست كما يظنها البعض حظًا سعيدًا للمسؤول، وإنما هي تضحية وحمل ثقيل يقتضي الإيمان بالتزامها وتنزيله. فيحكى أن أحدهم طلب من أبيه وصية، فأجابه: “يا بني أوصيك ألا تكون رأسًا، فالرأس كثير الأوجاع”. فقد أحسن هذا الأب في نصيحة ابنه؛ لأن معظم الأوجاع يكون مصدرها الرأس. والرأس في علم الأعضاء هو مركز التحكم والتحليل، فهو مركز التحكم الرئيسي في الجسم، حيث يحمي الدماغ -مركز الفكر، الذاكرة، والتنسيق العصبي- والحواس الخمس (النظر، السمع، الشم، التذوق، واللمس). والرأس ينسق حركة الأطراف والوظائف الحيوية، كما يضم جهاز التوازن ويحمي الأعضاء الحيوية بعظام الجمجمة الصلبة.
ولعل المقصود من هذا التشبيه في نصيحة الأب لابنه هو من أجل أن يبين له بطريقة عميقة مدى أهمية وأيضًا صعوبة أن يكون الإنسان على رأس فريق من الناس أو على رأس مجموعة أو مؤسسة أو…، فأن تكون مسؤولًا عن الجميع طبعًا أصعب من أن يكون الإنسان مسؤولًا فقط عن نفسه. فكم من مسؤول عن نفسه فقط، إلا أنه فشل في تدبير أمور نفسه، فما بالك بأن تكون مسؤولًا عن الجميع وعليك الحفاظ على شمل الجميع؟ “فإذا لم تستطع قيادة نفسك فلن تستطيع قيادة الآخرين”. فالمسؤولية ليست نوعًا من الترف، وإنما هي مسؤولية وأمانة والتزام وصخرة تعب، لن يحملها إلا من جعل هم الناس أولى من همّه، وسعادتهم قبل سعادته، وراحتهم قبل راحته، وسهره لأجل نومهم، وصخبه لأجل هدوئهم.
ولا يمكن لأي كان أن ينجح في تولي القيادة ما لم يكن أولًا محبًا لعمله، لأن ذلك سيجعله يبدع فيه وينجح، فكما قيل بأن “الإنسان الناجح يذهب إلى عمله كأنه يذهب إلى موعد غرامي”. فلا جدال في أن نجاح أي فريق عمل إنما يرتبط بقدرات ومؤهلات المسؤول المؤتمن عن الفريق، الذي يخطط ويؤطر وينظم ويوجه ويراقب ويتفقد ويواكب وينصح ويعالج، ويقرر…
فالمسؤولية تقتضي أن يكون لصاحبها مسؤولية أخلاقية فطرية قبل أن يكتسب مسؤولية علمية وإدارية. فالقائد لا يتصرف بقوة منصبه، وإنما بقوة أخلاقه وتربيته التي يجعلها شريعة له في معاملة الناس، ففي حقه يقال: “رحم الله من رباك”. فأخلاق المسؤول نابعة من إيمانه بأنه راعٍ ومسؤول عن رعيته من موقعه. وكل منا مسؤول أمام ربه ووطنه وملكه.
فالمسؤولية مواطنة في حد ذاتها، وهي رهينة بالجدية في الأداء والعمل والسلوك والقرار. فالجدية صفة كريمة أمر بها جلالة الملك في خطابه السامي بتاريخ 29/07/2023 بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، الذي من بين ما جاء فيه:
“… فكلما كانت الجدية حافزنا، كلما نجحنا في تجاوز الصعوبات، ورفع التحديات… والجدية يجب أن تظل مذهبنا في الحياة والعمل، وأن تشمل جميع المجالات: الجدية في الحياة السياسية والإدارية والقضائية: من خلال خدمة المواطن، واختيار الكفاءات المؤهلة، وتغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين، والترفع عن المزايدات والحسابات الضيقة…” (انتهى النطق الملكي السامي).
فالقائد القدوة يصطفيه الله تعالى بسمات عديدة. فهو مطلوب فيه أن يتمتع بطيبة وصرامة وبإنسانية كبيرة. فنحن في حاجة أولاً إلى مسؤول “إنسان” يحس بمعاناة وآلام الآخرين ويضع نفسه في مكانهم، يكون من شريحتهم، مستحضرًا حقيقة الواقع، ويكرس إنسانيته لخدمتهم. وأن يكون رجل الثقة والجرأة، قادرًا على اتخاذ القرارات من دون تردد، له من الهدوء ما يجعله يبتعد عن الانفعالية، مرنًا لا يتعصب لمواقفه وقراراته، وإنما يناقشها ويأخذ بالصواب منها دون استعلاء، معترفًا بقدرات الجميع، مشجعًا محفزًا رافعًا للمعنويات، ينشر الإيجابية في الفريق، موطدًا للعلاقات الإنسانية بين الفريق، مبدعًا ومتطورًا في طريقة تدبيره، ملمًا بفن إدارة الوقت، متحكمًا فيه وموظفًا له خير توظيف، قادرًا على التنظيم والتفكير المنهجي والرؤية الثاقبة، مستحضرًا لآثار ونتائج كل قرار وكل واقعة وقعت.
والقائد هو من يتقن مهارات التواصل مع الغير، فهو متحدث بارع ومنصت بارع. فالتواصل فن ونهج وطريقة عمل ومصداقية، تقتضي الإلمام بآليات التواصل التي تمكن الغير من الفهم والاستيعاب بطريقة سلسة مفهومة، تجعله يتقبل جميع القرارات المتخذة ويثق فيها. فهو يكسب باللين ما لا يكسبه بالقسوة، وفي ذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. فهو يتواصل بالحسنى امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
والقائد هو من يتحلى بالحنكة والمهنية في تدبير الأزمات واستشعارها واحتوائها والتغلب عليها وتجاوزها، عن طريق تأهيل فريق العمل وتوفير الوسائل لاستمرارية العمل، والحرص دائمًا على وضع خطّة للطوارئ، والاستعداد للمشكلات. فهو من يعتمد على خطط عمل محددة الأهداف والوسائل والنتائج في إطار التفكير الاستراتيجي. فلا يمكن للمسؤول النجاح إن كان يعمل بشكل عشوائي واعتباطي. فخطة العمل تجعله يراجع بشكل مستمر مسار النتائج ويجتهد أكثر لتنزيلها في أقصى ما يمكن، كما يعمل على تحليل هذه النتائج وتقييمها لاستنباط وسائل إنجاحها وعناصر بطئها…
إن القائد الملهم هو من يجعل من تحفيز الفريق درعًا متينًا يقي أجسامهم وأحاسيسهم من هلاك التعب. فهو يعي بأن التشجيع والتحفيز يعد علمًا إداريًا عميقًا. فكل نفس بشرية تبقى في حاجة لمن يثني على مجهوداتها، ولو كانت واجبًا عليها أو أنها من صميم عملها والتزامها، إلا أن التحفيز يجعل الغير يضاعف عمله وتعب…
إن القائد الملهم هو من تشبع بخلق القرآن، وأنار دربه بسلوك الأنبياء، وحافظ على لحمة الفريق، وعاهد ووفّى، وقدر فعفا، والتمس الأعذار وتجاوز رغم قدرته، وجبر الخواطر فكسب بذلك القلوب ولم يكسرها. وقد قيل ليوسف عليه السلام وهو عزيز مصر: “إنا نراك من المحسنين”، وفي ذلك قال تعالى في سورة آل عمران الآية 159: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. فالقائد يدفع بالتي هي أحسن، لعلمه بأن هل جزاء الإحسان إلا الإحسان. وفي هذا قيل: انظر إلى أتباعك كأنهم أبناؤك، تراهم يتبعونك إلى أقاصي الدنيا، واعتبرهم أولادك الأحباء، فستراهم يقفون إلى جوارك في أحلك الظروف. كما أنه القائد، وإن كان كالصخرة في صرامته وقوته، إلا أنه مثلها كذلك في سخاء جوفها. فهي وإن كانت صخرة، فمنها تتفجر الأنهار وتسقي البلاد والعباد، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. فهو هيّن لين، من ﴿عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. إنه يعرف بأن تواضعه يرفعه ولا يضره، ويعي عمق مقولة الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: “أريد رجلاً إذا كان أميرهم كان كأنه واحد منهم، وإذا لم يكن أميرهم كان كأنه أميرهم”.
والقائد لا يستحي، أو لا يمنعه أي غرور، من التعلم من الغير ومن فريق عمله. فما يوجد في النهر لا يوجد في البحر. فسيدنا موسى عليه السلام وهو نبي تعلم من سيدنا الخضر، والنبي سليمان عليه السلام تعلم من الهدهد، وفي هذا قال تعالى في سورة النمل الآية 20: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
إن الشخصية القيادية دَيْنٌ على الناس للناس. ولا أحد يستطيع أن يعيش أو تعيش سيرته إن لم يكن له وجود وأثر في حياتهم، أو قيمة مضافة في دنياهم. فمن هنا تظل حاجة المجتمع للشخصية القيادية أمرًا حتميًا تفرضه ضرورة العيش في مختلف مناحيه. فلا يمكن الحفاظ على المكتسبات والاستمرار في النجاح إن لم يكن هناك وعي بضرورة وجود شخصيات قيادية تحمل المشعل من سلفها لتسلمه لخلفها، وتستطيع النهوض بالأعباء وإيصال سفينة العمل بفريقها إلى بر الأمان. فلكل شيء إذا ما تم نقصان، ولكل إنسان حياة محدودة في مختلف مناحي الحياة. وعلى القائد الوعي بهذا، وأن يحرص في حياته القيادية أن يصنع الخلف من بين من يراه يتمتع بصفات القائد ليكون خلفًا له عند رحيله ليضمن الاستمرار، فكما قيل بأن: “وظيفة القيادة هي إنتاج المزيد من القادة وليس المزيد من الأتباع”.
فالقائد الملهم القدوة باختصار هو من قال فيه تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾… صدق الله العظيم.
“The challenge of leadership is to be strong, but not rude; be kind, but not weak; be bold, but not bully; be thoughtful, but not lazy; be humble, but not timid”
Jim Rohn
(1930-2009)
“تحدي القيادة هو أن تكون قوياً ولكن غير فظ؛ لطيفاً ولكن غير ضعيف؛ جريئاً ولكن غير مستبد؛ متأملاً ولكن غير كسول؛ متواضعاً ولكن غير خجول.”
“He who has never learned to obey cannot be a good commander”
“من لم يتعلم الطاعة أبداً، لا يمكنه أن يكون قائداً جيداً.”
Aristotle
(384- 322 ق.م)
أستاذي،
لقد جسدت بكلماتك فلسفة القائد الذي لا يكتفي بإدارة المهام بل يصنع الأمل في أحلك الظروف. إن تركيزك على أن القيادة “تضحية لا ترف” يعيد الاعتبار للجوهر الأخلاقي الذي يفتقده الكثيرون اليوم، فالحنكة الحقيقية تكمن في احتواء الأزمات بقلب إنسان وعقل حكيم. وأرى أن القائد الذي يتواضع للتعلم من فريقه يكتسب سلطة معنوية تفوق بمراحل سلطة المنصب، مما يجعل من مؤسسته وطناً صغيراً يقوم على الولاء والإبداع. إن النجاح الحقيقي هو أن تزرع في كل فرد من فريقك بذرة قيادية تضمن استمرار المسيرة وتجاوز عثرات الطريق بعزيمة لا تلين.
ALHOCEIMA