الشرعية الدولية تقبر الانفصال

الشرعية الدولية تقبر الانفصال
الجمعة 21 نونبر 2025 - 13:44

منذ عقود، ظلّ نزاع الصحراء المغربية حاضرًا في أجندة الأمم المتحدة، محاطًا بتأويلات متناقضة ومواقف متباينة بين الأطراف المعنية.

ومع اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 في 31 أكتوبر 2025، دون أي معارضة، دخل هذا النزاع مرحلة جديدة تؤكد أن الحل لم يعد ممكنًا عبر أطروحة الاستفتاء التي فقدت مصداقيتها، بل عبر مقترح الحكم الذاتي الذي قدّمه المغرب سنة 2007 باعتباره أساسًا جديًا وواقعيًا وموثوقًا للتفاوض. هذا القرار جاء ليضع حدًا لمحاولات الجزائر والبوليساريو التي سعت إلى ليّ المفاهيم القانونية وتوظيفها بشكل منحرف لتكريس تصوّر أحادي للاستقلال تحت شعار تقرير المصير، في حين ظل المغرب ملتزمًا بالشرعية الدولية ومبادرًا بحلول عملية ومنفتحة في إطار حماية وحدته الترابية وبناء المغرب الكبير.

استعاد المغرب صحراءه بموجب اتفاق مدريد المؤرّخ في 14 نوفمبر 1975 والمسجّل لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، وقد أخذت الجمعية العامة علمًا به في قرارها 3458 (ب)، مؤكدة حق السكان في تقرير المصير دون أن تُبطل نقل المسؤوليات. غير أن المسار الأممي تعثّر بسبب الوضعية العسكرية وحالة الحرب التي فرضتها جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر وليبيا، والتي اختارت منذ البداية العنف الثوري والكفاح المسلّح بدل الاستفتاء الحر والشفاف. ففي قمة منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1981، اقترح الملك الحسن الثاني تنظيم استفتاء لتقرير المصير وقَبِل حتى بإمكانية الاستقلال إذا كانت النتيجة كذلك. لكن الجزائر والبوليساريو رفضتا الاقتراح وطالبتا بالاعتراف بما يُسمّى “الجمهورية الصحراوية” ككيان سيادي، بل ونجحت الجزائر في إدخاله سنة 1982 إلى منظمة الوحدة الإفريقية رغم أنه لا يملك أرضًا ولا سيادة فعلية. وفي سنة 1984، أعاد جلالته نفس الاقتراح في خطاب له بالأمم المتحدة.

وأطلقت الأمم المتحدة خطة التسوية سنة 1991 عبر بعثة المينورسو، لكنها تحوّلت إلى سلسلة من المحاولات الفاشلة بسبب إصرار البوليساريو على فرض الانفصال من خلال استفتاء إقصائي مفصّل على المقاس. ومع استمرار الجمود، اقترح الأمين العام كوفي عنان ومبعوثه جيمس بيكر خيار الحكم الذاتي كصيغة لتقرير المصير وفقًا للقانون الدولي. ورغم أن المغرب أبدى انفتاحًا على التفاوض، رفضت الجزائر والبوليساريو هذه الخطة واقترحتا تقسيم الإقليم، في محاولة لإضفاء شرعية على مشروع انفصالي تمّ تقرير مصيره مسبقًا عندما أعلنت البوليساريو عن جمهوريتها في فبراير 1976.

في سنة 2007، وللخروج من الطريق المسدود الذي وصلت إليه الأزمة، قدّم المغرب مبادرته للحكم الذاتي التي رحّبت بها جميع قرارات مجلس الأمن منذ ذلك الحين باعتبارها جدية وواقعية وذات مصداقية. هذه المبادرة لا تُقصي أحدًا، بل تدمج مبدأ تقرير المصير في إطار السيادة الوطنية، وتوفّر للسكان إدارة ذاتية واسعة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع احترام وحدة الدولة.

وجاء القرار 2797 ليكرّس هذه المبادرة كإطار وحيد للتفاوض ضمن السيادة المغربية، مؤكّدًا أن المقترح المغربي يشكّل أساسًا جديًا وموثوقًا وواقعيًا للتوصل إلى حل سياسي مقبول من الطرفين، وداعمًا بشكل كامل للأمين العام ومبعوثه الشخصي لتيسير مفاوضات مكثفة وجوهرية في إطاره بين الأطراف.

هذا القرار، وكسابقيه، لم يذكر الاستفتاء لأنه فقد مصداقيته، إذ كان منذ مطلع هذا القرن في حكم الميت، واليوم أصبح مدفونًا نهائيًا.

كما أنه لم يعتبر الصحراء إقليمًا خاضعًا لمبدأ تصفية الاستعمار، بل تناول القضية باعتبارها نزاعًا سياسيًا إقليميًا يتطلّب حلاً تفاوضيًا، وهو تطور قانوني توضيحي منسجم مع ميثاق الأمم المتحدة الذي تنص مادته 25 على إلزام الدول بتنفيذ قرارات مجلس الأمن، ومادته 103 التي تؤكد على أولوية التزامات الميثاق على أي التزامات دولية أخرى. بهذا المعنى، القرار يضع حدًا للتأويلات التي حاولت الجزائر والبوليساريو فرضها، ويؤكد أن الحل الوحيد الممكن هو في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

من الناحية السياسية، القرار يعكس دعم المجتمع الدولي للمبادرة المغربية ويُظهر فشل وعزلة الأطروحة الانفصالية التي لم تعد تحظى بأي سند فعلي.

فالحكم الذاتي، عندما يكون ثمرة اتفاق حرّ ومتوافق مع القانون الدولي، لا يتعارض مع تقرير المصير، بل يُجسّده، إذ يمثّل نقطة التوازن بين الشرعية الدولية والاستقرار الإقليمي والكرامة الوطنية، ويستجيب لمتطلبات التنمية والاندماج الإقليمي.

فمن الناحية الإقليمية، يفتح أفقًا جديدًا للتوافق والاستقرار في المنطقة المغاربية ويُعيد إحياء فكرة الوحدة المغاربية التي كانت جزءًا من مشروع التحرر الوطني في الخمسينيات. فلا يمكن قراءة القرار 2797 بمعزل عن السياق المغاربي، بل انطلاقًا من روحه. إذ لا ينبغي أن ننسى أن بيان أول نوفمبر 1954 أعلن أن الثورة الجزائرية هدفها “الاستقلال الوطني في إطار شمال إفريقي”، مؤكّدًا بذلك على رؤية مغاربية لنزعة الثورة الجزائرية. فهي تهدف للوحدة بين أقطاره وليس التفتيت لربوعه بخلق كيانات هشة بداخله. واليوم، يشكّل القرار الأممي فرصة لإحياء هذا الحلم عبر تجاوز الانقسامات وبناء اتحاد مغرب كبير ديمقراطي مستقر ومنفتح على العالم.

إن القرار 2797 لا يُمثّل مجرد محطة في مسار نزاع إقليمي، بل يُجسّد تطورًا قانونيًا وسياسيًا يعيد التأكيد على أن الحل يكمن في مبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي تحظى بدعم المجتمع الدولي وتعيد الاعتبار لمبدأ التفاوض، وتفتح الطريق أمام استقرار إقليمي ووحدة مغاربية طال انتظارها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • Lamya
    الخميس 20 نونبر 2025 - 09:58

    المغرب هدفه المعلن و المدعوم دوليا, هدف نبيل و هو إنهاء هذا النزاع المفتعل عبر مبادرة الحكم الذاتي الجادة و يده الممدودة للجزائر, بما يضمن الإستقرار الإقليمي و الوحدة المغاربية التي طال انتظارها, في المقابل يتضح أن هدف الجزائر هو إطالة أمد هذا النزاع لخدمة أجندتها الخاصة متجاهلة دعوات مجلس الأمن المتكررة لها للإنخراط ك “طرف رئيسي” في المفاوضات
    الحكم الذاتي هو الحل الواقعي الوحيد الذي يتماشى مع التوجهات الدولية الحالية
    الشرعية الدولية تضع الجزائر في مأزق

  • بلوافي القاضي
    الخميس 20 نونبر 2025 - 12:59

    نحن أحرار الجزائر لا تريده أن يكون انتصارا للمغرب فقط. تريده كذلك انتصار للجزائر الحرة الابية
    هم يتحدثون في السياسة و لكن و لكن نحن غارقين في الديون الخارجية و نعمل عليها لانها وصلت إلى حد لا يطاق. المعيشة في المغرب أصبحت أحسن بكثير من الجزائر رغم أن ديون المملكة هي تقريبا عشر الديون الخارجية الجزائرية

  • صراع مدمر.
    الخميس 20 نونبر 2025 - 13:40

    لنكن واقعيين خيار الاستفتاء لازال مطروحا ولو على احتشام لازال الطريق طويلا رغم تقدم المغرب الكبير في سباق تنزيل الحكم الذاتي حقيقة على أرض الواقع . الجزائر تخاف من المغرب كثيرا لذالك تحاول قدر ما تستطيع ان تجعله منشغلا بالقضية الصحراوية رغم ان تخوفها هذا يكلفها الملايير من مقدرات الشعب الجزائري .

  • مفتاح الحل
    الخميس 20 نونبر 2025 - 14:02

    إلى صراع مدمر

    الجزائر كلفتها جبهة البوليساريو منذ 31 ديسمبر 2023 حسب وثيقة سرية قرابة 78 مليار دولار. تتخيل؟
    لا أعرف كيف للجزائريين أن يقبلو هذا الرقم الفلكي و بالمناسبة تمثل هذه القيمة تقريبا 21.3 % من ديون الجزائر الخارجية التي بلغت حتى نهاية العام الماضي 389 مليار دولار. حسب نفس المصادر المغرب بلغت ديونه الخارجية 2.2 مليار دولار

  • الى رابع تعليق .
    الخميس 20 نونبر 2025 - 15:33

    هذه ارقام مبالغ فيها الجزائر تعد من اقل دول القارة مديونية وحسب اخر البيانات فهي في حدود المليارين ونصف المليار دولار وهذا بسبب ريع العاز والبترول وليس لحكامة وخطط اقتصادية .

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان