تَتابُعًا لِلرِّسَالَةِ الَّتِي وَجَّهْتُهَا لِلدُّكْتُورَةِ نَبِيلَةِ مُنِيبٍ فِي 2019، وَبَعْدَ تَعْقِيبِ بَعْضِ الْمُثَقَّفِينَ بِفِكْرَةِ “الْإِرْثِ الْمُشْتَرَكِ”؛ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّ “الْيَسَارَ مِنْ حَقِّهِ هُوَ الْآخَرُ؛ تَضْمِينُ آيِ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ فِي خِطَابَاتِهِ الْمُوَجَّهَةِ لِلْجُمْهُورِ..”.
قُلْتُ حِينَئِذٍ: “جَمِيلٌ أَنْ تَسْتَشْهِدَ الدُّكْتُورَةُ بِكَارْلِ مَارْكْسَ وَطُومَاسِ بِيكِيتِي؛ كَيْ تَتْرُكَ ‘الْإِرْثَ الْمُشْتَرَكَ’ فِي سَلَامٍ.. لِأَنَّ الَّذِي يَعِيبُ عَلَى الْإِسْلَامِ السِّيَاسِيِّ؛ اسْتِعْمَالَهُ الْمُؤَدْلَجَ لِلدِّينِ فِي السِّيَاسَةِ؛ لَا يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ السُّلُوكَ نَفْسَهُ” (1).
بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ؛ وَرَدًّا عَلَى عَرْضِ وَزِيرِ الدَّاخِلِيَّةِ عَبْدِ الْوَفِي لَفْتِيتَ، لِمُشْرُوعِ الْقَانُونِ التَّنْظِيمِيِّ رَقْمِ 53.25، الْمُتَعَلِّقِ بِتَعْدِيلِ الْقَانُونِ الْمُنَظِّمِ لِمَجْلِسِ النُّوَّابِ، انْتَقَدَتِ النَّائِبَةُ مُنِيبٍ فِي مُدَاخَلَتِهَا بِدَايَةَ نُوفَمْبِرَ 2025؛ الْمُقْتَضَيَاتِ الرَّامِيَةَ إِلَى تَجْرِيمِ “التَّشْكِيكِ فِي نَزَاهَةِ الِانْتِخَابَاتِ”؛ وَاعْتَبَرَتْهَا مُتَعَارِضَةً مَعَ “حُرِّيَّةِ التَّعْبِيرِ وَالْحَقِّ فِي النَّقْدِ السِّيَاسِيِّ” (2)؛ مُسْتَرْسِلَةً فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: “التَّشْكِيكُ فِي الِانْتِخَابَاتِ سَيُؤَدِّي إِلَى الْحَبْسِ وَالْغَرَامَةِ، بَيْنَمَا مُوسَى شَكَّكَ فِي اللهِ وَلَمْ يَقَعْ لَهُ شَيْءٌ”.
فِي الْبَدْءِ لَمْ تَتَّضِحِ الرُّؤْيَةُ؛ وَلَمْ نَكُنْ لِنَعْرِفَ أَيَّ رَفِيقٍ تَقْصِدُ الدُّكْتُورَةُ؛ حَتَّى جَاءَ رَدُّ الشَّيْخِ الْفِيزَازِيِّ؛ الَّذِي دَعَاهَا مِنْ خَارِجِ قُبَّةِ الْبَرْلَمَانِ؛ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ مُوسَى حَارِسِ السَّيَّارَاتِ؛ وَالنَّبِيِّ مُوسَى وَذَلِكَ بِقَوْلِهَا: “عَلَيْهِ السَّلَامُ”.
لَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ الْفِيزَازِيُّ بِدَوْرِهِ لَبِقًا؛ إِذْ نَزَّهَ السَّيِّدَةَ نَبِيلَةَ؛ عَنْ “قَصْدِ الْإِسَاءَةِ لِسَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ”، لَكِنْ فِي الْآنِ ذَاتِهِ؛ أَوْرَدَ مَا قِيلَ قَدِيمًا: “مَنْ تَكَلَّمَ فِي غَيْرِ فَنِّهِ جَاءَ بِالْعَجَائِبِ” (3).
فَالشَّكُّ فِي اللهِ؛ كَمَا يَقُولُ؛ “مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ؛ وَالْيَقِينُ شَرْطٌ فِي الْإِيمَانِ”؛ ثُمَّ اسْتَرْسَلَ يَتَكَلَّمُ فِي فَنِّهِ (الْفِقْهِ الْكَلَاسِيكِيِّ)؛ وَيَشْرَحُ بِصَنْعَتِهِ “ذَلِكَ الشَّوْقَ وَالْحُبَّ؛ الَّذِي غَمَرَ سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ حَتَّى طَمِعَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ تَعَالَى”.
فَإِنْ كَانَتْ دُكْتُورَةُ الْبِيُولُوجْيَا؛ قَدِ اشْتَبَهَتْ بَيْنَ النَّبِيَّيْنِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ؛ فَإِنَّ شَيْخَنَا الْمُتَكَلِّمَ فِي فَنِّهِ؛ انْسَاقَ بِدَوْرِهِ مَعَ مَا تَضَمَّنَتْ مُدَاخَلَةُ السَّيِّدَةِ مُنِيبٍ؛ وَبَدَلَ التَّصْوِيبِ مِنْ جِهَتِهِ كَمُتَخَصِّصٍ؛ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ لِلْأَسَفِ “طَمَعُ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ”؛ بِالشَّكِّ الْمُفْتَرَضِ الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وَالَّذِي يُنَزَّهُ عَنْهُ كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ طَبْعًا.
النَّبِيُّ الْمَقْصُودُ بِالشَّكِّ هُنَا؛ كَمَا وَرَدَ فِي تُرَاثِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ هُوَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى عَلَى لِسَانِهِ: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي” سُورَةُ الْبَقَرَةِ 260؛ وَكَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ” (4).
فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ قَالَ السُّيُوطِيُّ “نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ”؛ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّكَ يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّ الشَّكَ فِي إِحْيَاءِ الْمَوْتَى لَوْ كَانَ مُتَطَرِّقًا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ لَكُنْتُ أَنَا أَحَقَّ بِهِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَشُكَّ؛ فَاعْلَمُوا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَشُكَّ؛ وَإِنَّمَا خَصَّ إِبْرَاهِيمَ؛ لِكَوْنِ الْآيَةِ قَدْ يَسْبِقُ مِنْهَا إِلَى بَعْضِ الْأَذْهَانِ الْفَاسِدَةِ؛ احْتِمَالُ الشَّكِّ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى نَفْسِهِ تَوَاضُعًا وَأَدَبًا؛ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ خَيْرُ وُلْدِ آدَمَ.
وَأَوْرَدَ ابْنُ حَجَرٍ؛ اخْتِلَافَ الْأَقْوَالِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ؛ مَا مُلَخَّصُهُ “نَفْيُ الشَّكِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ إِمَامُ الْحُنَفَاءِ، فَالشَّكُّ لَا يَقَعُ مِمَّنْ رَسَخَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ؛ فَكَيْفَ بِمَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ؟” (5).
لِذَلِكَ فَإِنَّ طَلَبَ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ؛ كَأَبٍ لِلْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ؛ رُؤْيَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ رُبَّمَا “أَرَادَ بِهِ زِيَادَةَ الْإِيمَانِ وَالِانْتِقَالَ؛ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ؛ وَطُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ بِقَوْلِهِ: ‘لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي’؛ كَمَا قَالَ الْأَقْدَمُونَ، لَكِنْ حَقُّ الْيَقِينِ؛ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ لَا ذَنْبَ فِيهِ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى؛ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمُرَاغَبَةِ وَالِاشْتِيَاقِ الْعَظِيمِ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ؛ مَعْصُومُونَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا (6).
إِنَّنَا نَقُولُ ذَلِكَ؛ مِنْ مُنْطَلَقِ أَنَّهُ؛ لَا يَنْبَغِي الِانْحِصَارُ فِي اللَّفْظِ بِذَاتِهِ؛ مِنْ أَجْلِ تَكْيِيفِ طَلَبِ سَيِّدِنَا مُوسَى؛ رُؤْيَةَ اللهِ تَعَالَى؛ عَلَى أَنَّهُ “طَمَعٌ وَاشْتِيَاقٌ”؛ وَهُوَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ؛ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى “لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ” سُورَةُ الْأَنْعَامِ 103، كَمَا أَنَّ سُؤَالَ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ جَاءَ عَلَى سَبِيلِ الِاطْمِئْنَانِ؛ بِأَنَّهُ هُوَ مَنْ سَيَتَّخِذُهُ اللهُ تَعَالَى خَلِيلًا وَلَيْسَ غَيْرَهُ.
وَعَلَيْهِ؛ بَدَلَ أَنْ نُجْهِدَ أَنْفُسَنَا؛ فِي شَرْحِ حَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ اسْمُ إِبْرَاهِيمَ (حَرْفِيًّا)؛ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّيْخِ الْفِيزَازِيِّ؛ الْأَوْلَى لَنَا أَنْ نَشُكَّ؛ وَهَذَا مَحَلُّ الشَّكِّ؛ فَنَتَسَاءَلُ: أَلَيْسَتْ عِبَارَاتُ حَدِيثِ “نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ”؛ تُطَابِقُ حَدِيثَ صَوْمِ عَاشُورَاءَ الَّذِي يَقُولُ “نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى”؛ خُصُوصًا وَأَنَّ نَفْسَ الْمَضَامِينَ وَارِدَةٌ فِي التَّوْرَاةِ، أَلَا يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ؛ الَّتِي تَسَرَّبَتْ إِلَى تُرَاثِنَا عَبْرَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ؛ الَّذِي تَتَلْمَذَ لَدَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ (7)؟
يَبْدُو أَنَّ الشَّكَ الدِّيكَارْتِيَّ عَادَ مِنْ جَدِيدٍ؛ بَعْدَمَا عَرَفْنَاهُ آنِفًا مَعَ طَهَ حُسَيْنٍ؛ لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي التُّرَاثِ الْإِسْلَامِيِّ.
هَامِشٌ
(1) انظر مقالنا تحت عنوان “جدلية الإرث المشترك“، منشور في الجريدة الإلكترونية هسبريس، الأحد 23 يونيو 2019.
(2) ينصُّ المشروعُ على معاقبةِ كلِّ مَن يروجُ إشاعاتٍ أو أخبارًا زائفةً بقصدِ التشكيكِ في نزاهةِ الانتخاباتِ، بعقوبةٍ حبسيةٍ تتراوحُ بين سنتين وخمسِ سنواتٍ، وغرامةٍ ماليةٍ بين 50 ألف و100 ألف درهم.
(3) فيديو منشور في 14 نوفمبر 2025 تحت عنوان “نبيلة منيب: موسى شكَّكَ في الله و لم يقع له شيء. أما التشكيك في الانتخابات فخمس سنوات سجنا”.
(4) أخرجه مسلم حديث رقم 151، وأخرجه البخاري في “كتاب التفسير”؛ باب “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ” سورة البقرة 260؛ حديث رقم 4537، وأخرجه ابن ماجه في “كتاب الفتن”؛ باب الصبر على البلاء؛ حديث رقم 6094.
(5) قال بعضهم معنى الحديث؛ “نحن أشدُّ اشتياقًا إلى رؤية ذلك من إبراهيم عليه السلام، كما قيل: معناه “إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى بالشك، أي لو كان الشك متطرقًا إلى الأنبياء عليهم السلام؛ لكنت أنا أحق به منهم؛ وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أنه لم يشك، وإنما قال ذلك تواضعًا منه، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، وهو كقوله في حديث أنس عند مسلم”أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا خير البرية، قال صلى الله عليه وآله وسلم: “ذلك إبراهيم”.
ويرجِع البعضُ سبب هذا الحديث إلى أنه لما نزلت الآية؛ قال بعض الناس شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فبلغه ذلك فقال: “نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ”؛ وأراد ما جرت به العادة من المخاطبة لمن أراد أن يدفع عن آخر شيئًا، قال مهما أردت أن تقوله لفلان فقله لي، ومقصوده (لا تقل ذلك).
كما ذهب البعض إلى أنه أراد بقوله: “نحن أمته الذين يجوز عليهم الشك؛ وإخراجه منه بدلالة العصمة، وقيل: معناه هذا الذي ترونه أنه شك؛ أنا أولى به لأنه ليس بشك؛ إنما هو طلب لمزيد البيان” ( كتاب فتح الباري بشرح البخاري؛ ابن حجر العسقلاني؛ الجزء السادس الصفحة 412).
(6) يتفق علماء المسلمين على أن الأنبياء جميعهم معصومون عن الشرك والكفر، ولا يرتكبون الخطأ والمعصية في تلقّي الوحي، واختلفوا في عصمتهم عن الخطايا في شؤونهم اليومية. وقد يكون سبب هذا الاختلاف؛ هو عدم التصريح بعصمة الأنبياء في القرآن الكريم، لكن المفسرين استندوا على ذلك بآيات قرآنية منها “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” سورة الحشر 7.
بينما المنكرون لعصمة الأنبياء استندوا على جملة من الآيات التي تنفي عصمة الجميع أو البعض منهم. وفي جوابهم قالوا إن الآيات التي استندتم إليها من المتشابهات ويجب عرضها على الآيات المحكمات لأنها بحاجة إلى التأويل والتفسير.
(7) أبو هريرة روى خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا (5374)؛ فهو أكثر الصحابة رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ بينما صحبته للنبي كانت فقط ثلاث سنوات؛ غير أن البعض الآخر يرى أن ملازمته كانت تامة في أكثر من (1050) يومًا. يصاحبه أينما حل وارتحل.
“وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”
درجات الإيمان و البحث عن الحقيقة
الإيمان درجات, و يرى الصوفية أن قصة إبراهيم عليه السلام هي خريطة طريق روحية (منهج سلوكي) تصف عملية الارتقاء بالنفس من مستوى الإيمان العام إلى اليقين المطلق (النفس المطمئنة)
الاطمئنان هو حالة سكون القلب و اطمئنانه التام بالحق, عبر المشاهدة, و زوال كل ريب و شك
قد نتفهم ان السيدة منيب قد يختلط عليها الامر وان تاتي بما هو عجيب وغريب في مقاربتها للدين وان تخلط بين النبي موسى والنبي إبراهيم . لكن ان يقع الفيزازي نفسه في الخطأ وهو يحاول التصحيح فهذا غير مقبول من رجل متخصص في الشأن الديني وسير الأنبياء . من المفترض في الرجل ان يكون على يقين تام بسير الانبياء على نفس قدر يقينه من اسماء زوجاته السابقات والحاليات .
إذا كان الشك إخلاصا لله و تدبرا بحثا عن اليقين, فهو عبادة, أما إذا كان شكا استكبارا و استخفافا بالحقيقة, فهو حجاب
صراحة من السخافة أن نتكلم عن شك الانبياء كابراهيم وموسى عليهما السلام لان عندهم كان بسيطا جدا والشعوب كانت في بدائيتها وبساطتها ونحرم نحن اليوم في تشكيك تراثنا الذي اخترقته الاسرائليات والاختلافات السياسية والمذهبية إضافة الى حرماننا من انتقاد ممثلين السياسيين الذين اغلبهم مصلحيون انانيون
لا نعلم ما تقصده نبيلة من عبارة “مُوسَى شَكَّكَ فِي اللهِ وَلَمْ يَقَعْ لَهُ شَيْءٌ”
أين شكك سيدنا موسى عليه السلام في الله? ليس هناك أي نبي شكك في الله و لكن ربما تقصد سيدنا إبراهيم عليه السلام في الاية:
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) الأنعام
هنا نجد أن القرآن فعلا جد متقدم و منفتح على التساؤلات و الشكوك
يقول المفسرون أن إبراهيم عليه السلام في قدرة الله على إحياء الموتى، بل سأل ليترقى من علم اليقين إلى عين اليقين (المشاهدة) ليطمئن قلبه أكثر . وكان هذا طلب زيادة الطمأنينة وليس نابعاًا عن شك . وير آخرون أنه فعلاً كان يشك وإلا فلما السؤال ان كان اليقين .
تدخل الله لجعل النار بردا وسلاما على ابراهيم وأظهر له كيف يحيي الموتى ، وشق البحر لقوم موسى ، واظهر برهانه ليوسف . اذا كان الخروج من المواقف الصعبة يستدعي تدخلا مباشرا من السماء فلماذا لا تستمر على نفس النهج حتى مع غير الأنبياء .
الدكتورة نبيلة منيب تقصد بأن الانتخابات ليست مقدسة و يمكن الطعن في نزاهتها و بأن المقدسات نفسها يمكن الشك فيها أيضا تأسيا بالانبياء, في نظرها
و لكن في المغرب السياسيون عندما يفوزون بالانتخابات يقولون أنها نزيهة و عندما يخسرون يطعنون في نزاهتها
الخوض في مسالة “الاراءة” الابراهيمية للاحياء وليست الرؤية او الرؤيا.وكذا “اراءة النظر” الموسوية (والنظر ارقى من الرؤية فما بالك الاراءة) هو من من محارات العقول وهو من الخلاف العالي والخوض فيه بدون تحقيق واستحضار القران جملة لا يادي الا الى مزيد حيرة.حيرة ضلال بدل حيرة هداية وكمال”ووجدك ضالا فهدى” فاي ضلال كان عليه صلى الله عليه وسلم.
وكيف التساؤل عن كيفية الفعل “كيف تحيي”والتنبيه حاصل بقوله
“لايسال عما يفعل وهم يسالون”.
الم بقل المتحقق الاديب سيدنا “خضر”.
بعدما نسب الفعل له في خرق السفينة وجمع في الغلام ونفى في الجدار.ليختم بالكمال ولباب التوحيد
“وما فعلته عن امري”
اسوة بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم
“وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى”
اللهم اجعلنا ممن يقف عند كل حد محدود
وادبنا بادبك المعهود
في نظري الأنبياء عليهم السلام معصومين, و لكنهم مروا بتجارب روحية قوت إيمانهم و رفعتهم إلى أعلى الدرجات حتى وصلوا الى الكمال الروحي و اليقين المطلق أو عين اليقين
الشك مهم و هو مفتاح للحقيقة في الكثير من الجوانب لكن الشك في الثوابت هو طريق للضلال نعم العقل يصل لأي حقيقة لكن إذا توفرت أمامه كل المعلومات يعني إذا شك الإنسان في المعلوم إكتشف و إخترع و إبتكر لكن إذا شك في غيبي جهل و ابتدع و إختلق ، فالعقل إذا تسائل و بحث يجد جواب لا محال فإذا توفرت أمامه كل المعلومات وصل لجواب منطقي صحيح لكن إذا لم تتوفر وصل لجواب منطقي خاطئ لأنه مبني على ما توفر
حسب كاتب المقال: الدين الإسلامي علامة تجارية لا يحق لي كان إستعملالها بدون رخصة وترخيص. السيدة منيب علمانية لا يحق لها الإستشهاد بأي شيء له علاقة بالأديان السماوية.
تحية خالصة لجميع القراء الأفاضل، و أخص منهم بالذكر، الأصدقاء (ت) المتفاعلين، الذين يحفزوننا على التفكير و الكتابة.
السيد فريد المحترم، لم يكن بتاتا بيت القصيد هنا، هو التعقيب على الدكتورة منيب، بقدر لفت النظر إلى مسألة الشك في حديث أبي هريرة، حول شك أب الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه و على نبينا و آله الصلاة و السلام.
و أنا قلت : ليس من المعقول أن تعيب على الإسلام السياسي، استعمال الدين، و هي تأتي نفس السلوك…
يا سيدة نبيلة الأحسن أن تستشهدي و تضمني مضامين بيولوجية قيسارية عقلانية مادية.. بدل اعتماد “حديث” هو نفسه محل شك، لأن الأنبياء عليهم السلام معصومون.
اذا كان الانبياء معصومين فلماذ خاطب الله محمدا بقوله ووجدك ضالا فهدى ولماذا هم يوسف لولا ان رأى برهان ربه ولماذا كذب ابراهيم وقال كسرهم كبيرهم هذا . عصمة الأنبياء ليست عصمة مطلقة إلا في ما يتعلق بالوحي .
“نحنُ أحقُّ بالشَّكِّ من إبراهيمَ إذ قالَ ربِّ أرِني كيفَ تُحيي المَوتى قَالَ أوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”
حديث صحيح و لكن لشرحه وتفسيره و فهمه جيدا يجب الرجوع إلى كبار العلماء كالإمام النووي و القاضي عياض والحافظ ابن حجر العسقلاني
ما معناه أن الشك يستحيل في حق سيدنا إبراهيم عليه السلام
“لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” هذا دعاء النبي يونس عليه السلام لما كان في بطن الحوت، اريد أن أسأل إذا ما كان الأنبياء معصومون من الخطأ :
هل الظلم ليس خطأ؟
الأنبياء لا يخطؤون, لكن حياتهم هي رحلة تعلم مستمرة مع الله عز و جل. إن الله يعلمهم و يربيهم مباشرة و يصحح اجتهاداتهم البشرية و يرفعهم درجات ليكونوا قدوة لنا و بالتالي نحن نتعلم من تجربتهم الروحية مع الله و كيف نتقرب من الله أكثر و كيف نستغفر عند التقصير و كيف نسلم لحكم الله..
مثلا قول الله تعالى “وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ ” يمكن شرحه بالآية الكريمة:
“وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”
اذا الآية لا تثبت خطأ أو أنه كان على ضلالة, بل ثتبت ترقية و زيادة في العلم و الهداية الإلاهية, فقد انتقل من علم الفطرة إلى علم الوحي و الكمال التشريعي
كان الأولى بالكاتب أن يوضح المفاهيم التي يعتمدها قبل الإنتقال إلى سرديات متعددة أدت إلى خلط غير مقصود بين الشك في التراث كما في العنوان والشك في الله كما نسبته السيدة منيب ثم مسألة عصمة الانبياء والشك الديكارتي في الخاتمة مما جعل البناء المفهومي للمقال مضطربا. والإعتماد على المرويات البشرية يزيد هذا الإرتباك لأنها لا تقدم اليقين الذي يقدمه القرءان ألم يقل الله ﴿ذٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فالهدى ثابت للكتاب وحده منفي عما سواه. وإبراهيم عليه السلام لم يسأل عن إحياء الموتى شكا في إيمانه بل رغبة في التثبت من حقيقة الإحياء فقال تعالى ﴿قَالَ اَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلٰى وَلٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وموسى عليه السلام طلب الرؤية بدافع حب المعرفة فلما تجلى ربه للجبل قال ﴿فَلَمَّا اَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ اِلَيْكَ وَاَنَا اَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهذه الأسئلة لا تعبر عن شك عقدي بل عن رغبة صادقة في فهم اعمق وهي من تمام إيمان الأنبياء لا نقصانه.
ينبغي التمييز بين الشك والريب فالشـك قد يكون مرحلة بحث صادق عن اليقين أو حالة ترقب ناتجة عن تكذيب الناس للحق كما في قوله تعالى مخاطبًا نبيه ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ فالآية طمأنة بعد التكذيب لا إقرار بشك النبي. وقد يأتي الشك بمعناه السلبي حين يكون عنادًا للحق كما قال تعالى على لسان الرسل ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أما الريب فهو ارتباك واتهام وسوء ظن كما في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.
وأما العصمة فمرجعها التمييز بين مقام النبوة ومقام الرسالة فالأنبياء قد يقع منهم الخطأ البشري كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ وقال ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ وقال ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾ لكن تبليغ الرسالة معصوم ومحفوظ بقوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ثم بقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ لذلك نجد العتاب للنبي ولا نجد العتاب للرسول في القرءان. أما الشك الديكارتي فهو منهج عقلي مؤقت غايته الوصول إلى يقين فلسفي ولا يصح إسقاطه على إيمان الأنبياء أو على صدق الوحي.